لم يكن البيان الأخير الصادر عن الحركة الدستورية الإسلامية في الكويت (حدس) مجرد انتقاد عابر لحركة “حماس”، بل عكس اتساع الفجوة بين “إخوان الكويت” والمنظومة الحركية العابرة للحدود إلى مستوى متقدم. فاعتراض “حدس” على ارتباط حماس بالمحور الإيراني يُبرز تقديمها أولوية الاعتبارات الخليجية في الأمن القومي، في ظل اعتبار هذا التموضع مساساً بالسيادة العربية وإقحاماً للقضية الفلسطينية في حسابات النفوذ الإيراني.
هذا الافتراق الاستراتيجي ليس وليد اللحظة، بل يعود إلى شرخ عميق بدأ مع الغزو العراقي للكويت عام 1990. فبينما كانت القيادة الشرعية والشعب الكويتي يطالبون بالتحرير، اتخذت قيادات “مكتب الإرشاد” في مصر، خلال حقبة المرشد محمد حامد أبو النصر، موقفاً ملتبساً ينم عن ازدواجية في الخطاب؛ إذ أصدرت في البداية بياناً يُدين الاجتياح، قبل أن تتبنى في كواليسها ودوائرها الداخلية رفضاً قاطعاً لأي تحالف عسكري دولي لإخراج القوات العراقية.
وقد تجلى هذا الارتباك والانحياز في التصريح الشهير للمتحدث الرسمي آنذاك، مأمون الهضيبي، الذي جاهر بقوله: “إن بقاء الكويت في يد صدام خير من تحريرها على يد الأمريكيين”.
دعم صدام حسين
سعت قيادات “مكتب الإرشاد” في مصر خلال فترة المرشد الرابع محمد حامد أبو النصر إلى اتباع نهج سياسي اتسم بالمراوغة؛ إذ صدر في البداية بيان يدين تحركات صدام حسين، بينما عكست المواقف غير المعلنة داخل الدوائر التنظيمية ميلاً لتأييد قراراته، مع رفض واضح لأي تدخل عسكري دولي لإخراج القوات العراقية من الكويت.
وقد برز هذا التباين في الموقف من خلال تصريحات مأمون الهضيبي، المتحدث الرسمي للجماعة آنذاك، الذي أبدى انحيازاً صريحاً لصدام حسين بقوله: “إن بقاء الكويت في يد صدام خير من تحريرها على يد الأمريكيين”.
أدت تلك التصريحات إلى تفاقم الخلافات بين إخوان مصر والكويت، وصولاً إلى أزمة “بيعة المقابر” عام 1996، عندما بادر الهضيبي إلى انتزاع البيعة علناً لمصطفى مشهور مرشداً للجماعة خلال مراسم دفن المرشد الرابع.
وجاءت هذه الخطوة الاستباقية بهدف قطع الطريق على مساعي “إخوان الكويت” وبعض أقطاب التنظيم الدولي الذين سعوا إلى كسر احتكار مصر لمنصب المرشد عبر الدفع بمرشح من الخارج، مثل المستشار فيصل مولوي.
شاهد على العصر
كشفت الشهادة التي أدلى بها يوسف ندا، مفوض العلاقات الدولية السابق بـ”جماعة الإخوان”، في برنامج “شاهد على العصر” في سبتمبر 2002، ملامح رؤية التنظيم الدولي تجاه المنطقة العربية خلال أزمة الكويت.
ووفق روايته، فقد جرى لقاء مع صدام حسين بتكليف من “مكتب الإرشاد”، طُرحت فيه مبادرة تقوم على رفض الاستعانة بالقوات الدولية، مقابل إنشاء “قوات عسكرية إسلامية” بإشراف “الإخوان” وبتنسيق مباشر مع النظام العراقي.
يعكس هذا الطرح، بحسب ندا، توجهاً نحو توسيع نفوذ التنظيم داخل المؤسسات الكويتية، بالتوازي مع الدعوة إلى إقصاء السلطة الشرعية ممثلة بأسرة آل صباح، عبر طرح خيار انتخابات يختار فيها الكويتيون حكامهم.
الشيخ سعود الناصر
لم تكن شهادة يوسف ندا سوى جزء من الصورة المرتبطة بمسار النفوذ في الكويت، إذ تبلورت بعض ملامح هذا السيناريو خلال فترة الغزو العراقي في الولايات المتحدة الأمريكية. فقد زار وفد من “إخوان الكويت” ضم إسماعيل الشطي وطارق السويدان وعبد الله العتيقي سفير الكويت في واشنطن آنذاك الشيخ سعود الناصر الصباح، حيث طُرح تصور يتقاطع في جوهره مع ما أشار إليه ندا بشأن تشكيل “قوات عسكرية إسلامية”.
وبحسب ما كشفه الشيخ سعود الناصر في مقابلة مع صحيفة “الشرق الأوسط” في أكتوبر 2001، تضمن المقترح بنداً مالياً يطالب بتمويل قدره 50 مليون دولار لتجهيز هذا التحالف العسكري المفترض بهدف تحرير الكويت.
بعد تحرير البلاد من الغزو العراقي، أعلن “إخوان الكويت” عام 1991 تأسيس “حدس” باعتبارها الذراع السياسية للتنظيم، مستندة إلى منهج يقوم على اعتبار الإسلام إطاراً شاملاً لعملها.
وخلال تلك المرحلة، بقي حضورها في مجلس الأمة محدوداً، حيث ركز نشاطها التشريعي على الدفع باتجاه تعديل المادة الثانية من الدستور، بهدف تحويل “الإسلام المصدر الرئيسي للتشريع” إلى “الإسلام المصدر الوحيد للتشريع”، وهي محاولة لم تحقق هدفها.
الانتخابات البرلمانية
تبنّت “حدس” في الكويت خيار المقاطعة للانتخابات البرلمانية لعامي 2012 و2013 احتجاجاً على تعديل نظام الاقتراع، قبل أن تعلن في مايو 2016 إنهاء تلك المقاطعة التي استمرت لسنوات، مبررة عودتها بـ”استشعار المسؤولية الوطنية”، وتمكنت حينها من الفوز بأربعة مقاعد من أصل 50.
ومع سقوط حكم “الإخوان” في مصر في يوليو 2013، برزت اتهامات من سياسيين كويتيين للحركة بالارتباط التنظيمي بـ”إخوان مصر” وبالتورط في أنشطة غير قانونية. وفي يوليو 2019، نفذت السلطات الكويتية عملية أمنية أسفرت عن ضبط خلية يُشتبه بارتباطها بالتنظيم، صدرت بحق بعض أفرادها أحكام في مصر، وأشارت التحقيقات إلى وجود شبكة مالية يُعتقد أنها كانت تعمل على تحويل الأموال بين الكويت والقاهرة.
أما في عام 2024، فقد تراجع الحضور الانتخابي للحركة بشكل واضح، إذ لم ينجح في دخول مجلس الأمة سوى مرشح واحد من أصل أربعة، وهو عبد العزيز الصقعبي، بعد خسارة كل من محمد المطر وحمد المطر ومعاذ الدويلة.
الإخوان في الكويت: مقاربة مختلفة عن الخليج
تُعدّ الكويت من الدول الخليجية التي لم تتجه إلى حظر جماعة الإخوان المسلمين بشكل رسمي، ويُفسَّر ذلك بطبيعة النظام السياسي المنفتح نسبياً ووجود حياة برلمانية تسمح بتمثيل التيارات الإسلامية ضمن الأطر الدستورية. كما أسهم تاريخ “حدس” في الكويت، بوصفها امتداداً فكرياً للإخوان ضمن العمل السياسي العلني، في جعل العلاقة أكثر تعقيداً من خيار الحظر المباشر.
كذلك تنتهج الكويت مقاربة أمنية مرنة تميّز بين العمل الدعوي والسياسي المعلن وبين النشاطات غير القانونية، مع مراعاة التوازنات الداخلية وتجنب الاستقطاب الحاد. إضافة إلى ذلك، تلعب الاعتبارات الاجتماعية والدور التاريخي للتيارات الإسلامية في المجتمع الكويتي دوراً في استمرار هذا النهج.
البراغماتية القاتلة
يعيد التاريخ نفسه، إذ يُقدَّم هذا الطرح بوصفه محاولة لقراءة ما جرى عام 1990 حين سعى بعض الإخوان إلى استثمار غزو صدام حسين لإعادة تشكيل المشهد السياسي في الكويت، مقابل محاولات تُنسب اليوم إلى دوائر داخل التنظيم لاستغلال التوازنات الإقليمية، بما في ذلك المحور الإيراني، كأداة نفوذ سياسية.
يُشار في هذا السياق إلى أن “إخوان الكويت” أصبحوا أكثر وعياً بتعقيدات علاقتهم بالتنظيم الدولي، الذي يُتهم أحياناً بتقديم مصالحه مع القوى الإقليمية الكبرى على حساب الأفرع المحلية.
كما تُفسَّر مواقف “حدس” من حركة حماس ضمن هذا الإطار، ليس فقط كخيار سياسي أو إقليمي، بل أيضاً كمحاولة لتجنب أي تبعات داخلية قد تُربط بتقارب مُحتمل بين “الإخوان” وإيران أمام الرأي العام والناخب الكويتي















