تفتح إدانة الداعية الإخواني طارق رمضان، حفيد حسن البنا مؤسس “جماعة الإخوان المسلمين”، في باريس غيابياً، بقضية اغتصاب، باباً أوسع من مجرد حكم بالسجن لمدة 18 عاماً، لتطرح سؤالاً مركزياً حول حدود سلطة العدالة حين تصطدم بالسيادة الوطنية والواقع السياسي.
رمضان، على الرغم من صدور مذكرة توقيف دولية بحقه، لا يزال عملياً حراً طليقاً، مستفيداً من إقامته في سويسرا التي لا تسلم مواطنيها بسهولة. وفي هذا التباين بين الإدانة القضائية وعدم الخضوع الفعلي لقرارات المحكمة، تتجلى مفارقة قانونية معقدة: حكم ثقيل بلا تنفيذ، وعدالة مُعلنة لكنها مُعلّقة عند حدود الجغرافيا والقانون الدولي.
معضلة التطبيق بين فرنسا وسويسرا
مع أن القضاء الفرنسي قال كلمته بوضوح، يبقى التطبيق رهناً بتوقيف رمضان، وهو ما يصطدم بهذه العقبة القانونية الأساسية. ويعني ذلك عملياً أن الداعية الإخواني يظل خارج متناول السلطات الفرنسية في الوقت الراهن، ما لم يقرر السفر إلى دولة قد تنفذ مذكرة التوقيف، أو يختار المثول طوعاً أمام محكمة باريس.
وتطرح الإدانة السابقة في سويسرا تساؤلات قانونية إضافية تتعلق بمبدأ “عدم محاكمة الشخص مرتين على الجريمة ذاتها”، على الرغم من اختلاف الوقائع بين الملفين.
لا تقتصر أهمية القضية على شخصية المتهم، بل تمتد إلى السياق الاجتماعي والسياسي الذي أحاط بها. فقد وُصفت بأنها من أبرز القضايا المرتبطة بحركة #MeToo في فرنسا، نظراً لحجم الاهتمام الإعلامي بها ومكانة المتهم. كما عكست انقساماً واضحاً في الرأي العام الأوروبي بين من رأى في الحكم انتصاراً للعدالة وحقوق الضحايا، ومن اعتبر القضية مسيّسة في سياق الجدل الأوسع حول الإسلام في أوروبا.
من هو طارق رمضان؟
وُلد طارق رمضان العام 1962 في جنيف، وينتمي إلى عائلة مرتبطة تاريخياً بـ”جماعة الإخوان المسلمين”، إذ هو حفيد مؤسسها حسن البنا.
برز الداعية الإخواني رمضان كأحد المفكرين المسلمين في أوروبا، وشغل منصب أستاذ الدراسات الإسلامية المعاصرة في جامعة أكسفورد، كما لعب أدواراً استشارية في قضايا تتعلق بالاندماج والهوية الإسلامية في الغرب.
وعلى مدى سنوات، أثار حضوره الفكري جدلاً واسعاً، حيث عدّه البعض صوتاً إصلاحياً، فيما رآه آخرون ممثلاً لتيار الإسلام السياسي في أوروبا.
حكم غيابي ومذكرة توقيف دولية
في 26 مارس/آذار الماضي، أصدرت المحكمة الجنائية في باريس حكمها بالسجن لمدة 18 عاماً بعد أسابيع من جلسات المحاكمة التي جرت في غياب المتهم. وأدانت المحكمة رمضان باغتصاب ثلاث نساء في مدينتي باريس وليون بين العامين 2009 و2016، معتبرة أنه مارس عليهن العنف الجنسي في سياق علاقات اتسمت، وفق توصيف الضحايا، بالتلاعب والسيطرة.
الحكم جاء متوافقاً مع طلبات الادعاء، وتضمن إصدار مذكرة توقيف دولية بحق رمضان، إلى جانب إلزامه بدفع تعويضات للضحايا، وفرض حظر دائم على دخوله الأراضي الفرنسية بعد تنفيذ العقوبة. كما نص على خضوعه لمراقبة قضائية إضافية بعد انتهاء فترة السجن. وبسبب صدور الحكم غيابياً، لن يُنفذ إلا في حال توقيفه داخل فرنسا أو تسليمه من الخارج، وهو أمر معقد في ظل إقامته الحالية في سويسرا.
لم يحضر رمضان أيّاً من جلسات المحاكمة، مبرراً ذلك عبر فريق دفاعه بتدهور حالته الصحية نتيجة إصابته بمرض التصلب المتعدد، ودخوله مستشفى في جنيف. غير أن خبيرين طبيين عينتهما المحكمة خلصا إلى قدرته على المثول أمام القضاء، ما دفع المحكمة إلى المضي في الإجراءات غيابياً.
هذا الغياب أثار نقاشاً قانونياً حول حدود المحاكمة العادلة، بين من اعتبر أن استمرار التأجيل يعرقل العدالة، ومن رأى أن محاكمة متهم غير حاضر تطرح إشكاليات تتعلق بحق الدفاع. وبموجب القانون الفرنسي، يحق لرمضان طلب إعادة المحاكمة في حال مثوله شخصياً أمام القضاء.
وقائع الاتهامات
تعود الوقائع التي استندت إليها المحكمة إلى ثلاث شكاوى تقدمت بها نساء تحدثن عن حوادث اغتصاب وقعت في سياقات متشابهة، غالباً في غرف فنادق خلال زيارات كان يقوم بها رمضان لإلقاء محاضرات.
من بين المدعيات، الناشطة الفرنسية هندا عياري، التي قالت إن رمضان اعتدى عليها العام 2012 في أحد فنادق شرق باريس. كما أفادت امرأة أخرى، عُرفت باسم مستعار “كريستيل”، بأنها تعرضت لاعتداء جنسي عنيف في ليون العام 2009، بينما تعود الواقعة الثالثة إلى العام 2016.
وخلال التحقيقات، نفى رمضان في البداية أي علاقة جنسية مع المدعيات، قبل أن يقر لاحقاً بوجود علاقات مع اثنتين منهن، مؤكداً أنها كانت برضاهن، وهو ما رفضته المحكمة التي اعتبرت أن الوقائع لا تندرج ضمن علاقات رضائية.
انفجرت القضية في العام 2017، في ذروة صعود حركة “أنا” أيضاً، حين بدأت أولى الشكاوى تظهر إلى العلن. وتم توقيف رمضان حينها ووضعه في الحبس الاحتياطي لنحو عشرة أشهر، قبل الإفراج عنه لأسباب صحية. وخلال سنوات التحقيق، توسعت دائرة الاتهامات، وتداخلت الملفات بين فرنسا وسويسرا، ما أعطى القضية بعداً أوروبياً معقداً.
في أغسطس/آب 2024، أصدرت محكمة سويسرية حكماً بإدانة رمضان في قضية منفصلة تتعلق بالاغتصاب والاعتداء الجنسي، وقضت بسجنه ثلاث سنوات، مع وقف تنفيذ جزء من العقوبة. وقد أيدت أعلى محكمة في سويسرا الحكم لاحقاً، في سابقة عززت موقف الادعاء في الملف الفرنسي.
ما بعد الحكم: عدالة مُعلّقة وحدود السيادة
تتجاوز الخلاصة مصير فرد إلى سؤال أعمق يتعلق بفعالية العدالة ذاتها. فالقضية تكشف حدود النظام القضائي الوطني عندما يصطدم باعتبارات السيادة، حيث يتحول الحكم من أداة تنفيذ إلى إعلان قانوني بلا أثر مباشر. وفي هذا السياق، لا تبدو المسألة مجرد إدانة جنائية، بل نموذجاً لاختبار قدرة الأنظمة القضائية الأوروبية على فرض قراراتها في فضاء قانوني متشابك.
وبين حكمٍ مكتمل الأركان قانونياً ومعلّق التنفيذ عملياً، تتكرّس مفارقة صارخة: العدالة تُصدر أحكامها، لكنها لا تملك دائماً أدوات فرضها. وفي هذه الفجوة تحديداً، يتحدد المعنى الحقيقي للقضية، ليس فقط كملف جنائي، بل كاختبار لحدود العدالة في عالم تتقدّم فيه السيادة على التنفيذ.















