بقلم: عزيز عزيز
بقلم: عزيز عزيز

مقالات مشابهة

اقتصاد سياسي

حصار بحري أميركي على إيران بعد فشل الدبلوماسية: استهداف صادرات النفط يربك الأسواق ويصعّد المواجهة

بقلم: عزيز عزيز
بقلم: عزيز عزيز

دخلت الولايات المتحدة الأمريكية مرحلة جديدة من الضغط على إيران عبر فرض حصار بحري فعلي يستهدف صادرات النفط وشبكات الإمداد التجارية، وذلك عقب انهيار المحادثات المباشرة بين الطرفين في إسلام آباد. هذا التحول يعكس انتقال واشنطن من مسار دبلوماسي متعثر إلى خيار القوة الاقتصادية-العسكرية، في خطوة تحمل أبعاداً تتجاوز مجرد العقوبات التقليدية نحو محاولة “خنق” الاقتصاد الإيراني من بوابته الحيوية: البحر.

وفق أحدث المعطيات، يشمل الحصار، الذي سيبدأ اليوم الإثنين بحلول الساعة 14:00 بتوقيت “غرينيتش”، مراقبة واعتراض السفن المرتبطة بالموانئ الإيرانية في الخليج وخليج عمان، مع إبقاء الملاحة الدولية مفتوحة في مضيق “هُرمز” لتفادي صدام مباشر مع القوى البحرية العالمية. إلا أن الواقع الميداني بدأ يعكس تأثيراً فورياً، حيث غيّرت ناقلات نفط مساراتها، وارتفعت تكاليف التأمين، فيما شهدت أسعار الخام قفزات ملحوظة وسط قلق متزايد في أسواق الطاقة.

اقتصاد هش قبل الضربة

يأتي هذا التصعيد في لحظة شديدة الحساسية للاقتصاد الإيراني، الذي يعاني أصلًا من ضغوط مركبة نتيجة الحرب والعقوبات الطويلة. فقد تضررت البنية التحتية بشكل واسع، وتراجعت القدرة الإنتاجية في عدة قطاعات، بينما تواجه الحكومة صعوبة متزايدة في تمويل الإنفاق العام وتأمين السلع الأساسية.

وتشير أحدث التقديرات إلى أن نسب التضخم بلغت مستويات قياسية، مدفوعة بارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، في وقت واصلت العملة المحلية انهيارها لتسجل نحو 1.5 مليون ريال مقابل الدولار. هذا التدهور الحاد ترافق مع تآكل القدرة الشرائية واتساع رقعة الفقر، ما يضع المجتمع الإيراني أمام ضغوط معيشية غير مسبوقة منذ عقود.

الحصار يضرب شريان العملة الصعبة

يمثل الحصار البحري تهديداً مباشراً لأهم مصدر تمويل لإيران، إذ تعتمد البلاد بشكل أساسي على صادرات النفط التي تشكل نحو 80% من عائداتها الخارجية. ومع تعطّل حركة الناقلات وصعوبة الوصول إلى الأسواق، تواجه طهران خطر فقدان تدفقات نقدية حيوية كانت تُستخدم لدعم العملة وتمويل الواردات.

تقدّر خسائر إيران اليومية بنحو 400 إلى 450 مليون دولار نتيجة توقف الصادرات وتعطل سلاسل التوريد، أي ما يقارب 12 إلى 13 مليار دولار شهرياً. كما أن أكثر من 90% من التجارة الخارجية تمر عبر المسارات البحرية في الخليج، ما يجعل تأثير الحصار سريعاً وعميقاً في آن واحد.

الأخطر من ذلك أن محدودية البدائل اللوجستية تقلّص قدرة إيران على الالتفاف على الحصار، إذ لا تستطيع الموانئ خارج نطاق مضيق “هُرمز” استيعاب سوى جزء محدود من النشاط التجاري. ومع توقع امتلاء مخزونات النفط خلال أسابيع قليلة، قد تضطر السلطات إلى خفض الإنتاج أو إغلاق بعض الآبار، وهو ما قد يسبب أضراراً طويلة الأمد في القدرة الإنتاجية.

أسواق الطاقة تحت الضغط

انعكس التصعيد فوراً على الأسواق العالمية، حيث ارتفعت أسعار النفط مع ازدياد المخاوف من اضطراب الإمدادات في واحدة من أهم مناطق إنتاج الطاقة في العالم. كما شهدت شركات الشحن ارتفاعاً في تكاليف التأمين، في ظل تصنيف المنطقة “عالية المخاطر”.

هذا الواقع يعيد إلى الواجهة هشاشة النظام النفطي العالمي أمام التوترات الجيوسياسية، خصوصاً مع اعتماد عدد كبير من الدول الآسيوية والأوروبية على نفط الخليج. ومع استمرار الحصار، قد تتجه الأسواق إلى مزيد من التقلبات، ما يهدد بتأثيرات تضخمية عالمية.

سيناريوهات مفتوحة على التصعيد

يضع هذا التطور إيران أمام اختبار اقتصادي غير مسبوق، حيث لم يعد الضغط مقتصراً على إبطاء النمو، بل بات يهدد استقرار النظام الاقتصادي نفسه. وفي المقابل، تزداد احتمالات الرد الإيراني، سواء عبر استهداف غير مباشر للملاحة أو من خلال أدوات ضغط إقليمية في ساحات متعددة.

أخطر ما في المشهد الحالي هو تلاقي عاملين: حصار بحري شامل من جهة، واقتصاد منهك من جهة أخرى. هذا التلاقي قد يدفع نحو تسارع الانهيار الداخلي، أو نحو تصعيد خارجي يهدف إلى كسر الحصار بالقوة.

يبدو أن المنطقة دخلت مرحلة “عضّ الأصابع” بين واشنطن وطهران، حيث يراهن كل طرف على قدرة الآخر على التحمل. لكن التاريخ يُظهر أن مثل هذه المواجهات نادراً ما تبقى تحت السيطرة، ما يجعل احتمالات الانزلاق إلى مواجهة أوسع أكثر واقعية من أي وقت مضى.