بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تحليل سياسي

انهيار مفاوضات إسلام آباد: صدام الملفات من النووي إلى “هُرمز” يُسقط الهدنة ويدفع نحو اختبار “عضّ الأصابع”

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

لم يكن فشل الجولة الأولى من مفاوضات إسلام آباد مجرد تعثر إجرائي في مسار دبلوماسي، بل لحظة كاشفة لانهيار التوازن بين منطقين استراتيجيين متصادمين. فقد تحولت المفاوضات إلى اختبار إرادات مفتوح، تُوظَّف فيه كافة الملفات — بدءاً من البرنامج النووي وصولاً إلى أمن الملاحة في مضيق “هُرمز” — كأوراق ضغط ضمن معركة أوسع تهدف إلى إعادة رسم قواعد النفوذ في المنطقة.

انتهت 21 ساعة من المحادثات المكثفة في إسلام آباد دون تحقيق أي تقدم ملموس. غادر الوفد الأمريكي برئاسة نائب الرئيس جي دي فانس، الذي اعتبر عرض بلاده “نهائياً وأفضل ما يمكن تقديمه”، في حين وصف رئيس الوفد الإيراني محمد باقر قاليباف الشروط الأمريكية بأنها تجاوز للخطوط الحمراء ومحاولة لفرض استسلام سياسي مُقنّع، مشيراً إلى فشل واشنطن في بناء الثقة. بذلك، سقطت محاولة حاسمة لتثبيت هدنة 8 أبريل/نيسان الهشة، والتي كانت تشكل فرصة لتفادي تصعيد إقليمي أوسع.

عقدة الملف النووي

في قلب الانهيار التفاوضي يقف الملف النووي. واشنطن طالبت بإنهاء شامل لبرنامج التخصيب الإيراني، وتسليم المخزون عالي التخصيب، إلى جانب فرض قيود على القدرات العسكرية ذات الصلة. في المقابل، تؤكد طهران أن التخصيب حق سيادي غير قابل للتفاوض. وبينما اعتبر فانس أن العرض الأمريكي “نهائي وأفضل ما يمكن تقديمه”، وصفت إيران الشروط بأنها تجاوز لخطوطها الحمراء ومحاولة لفرض استسلام سياسي.

برز ملف مضيق “هُرمز” كأحد أكثر النقاط حساسية. الولايات المتحدة تطالب بفتح كامل وغير مشروط للملاحة الدولية، بينما تتمسك إيران بحقها في إدارة العبور وفرض الرسوم باعتباره جزءاً من سيادتها. ومع تصاعد التحركات البحرية في المنطقة، بات الممر المائي الجيواستراتيجي أقرب إلى نقطة اشتباك محتملة تمس شرايين الطاقة العالمية، ما يرفع منسوب المخاطر الجيوسياسية.

ملفات إضافية عمّقت الانسداد

لم يقتصر الخلاف على النووي والمضيق، بل امتد إلى ثلاث عقد رئيسة: رفع العقوبات الاقتصادية والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، وهو مطلب إيراني فوري؛ وقف إطلاق النار في لبنان الذي تربطه طهران بأي تقدم تفاوضي؛ وملف النفوذ الإقليمي للجماعات الحليفة لإيران، والذي تصر واشنطن على إعادة ضبطه كشرط لأي اتفاق شامل.

طالبت إيران بضمانات تمنع تكرار الانسحاب الأمريكي من أي اتفاق مستقبلي، في إشارة إلى تجربة 2018، وهو ما يصطدم ببنية النظام السياسي الأمريكي. كما شكّل ملف التفتيش الدولي نقطة خلاف إضافية، إذ تسعى واشنطن لمنح الوكالة الدولية للطاقة الذرية صلاحيات واسعة تشمل مواقع عسكرية، بينما تعتبره طهران اختراقاً مباشراً لسيادتها.

تتجه الأنظار إلى موقف ترامب من الهدنة المعلنة في 8 أبريل/نيسان الجاري. وعلى الرغم من فشل المفاوضات، فإن المؤشرات لا تشير إلى انهيار فوري. بل إن استمرار إبقاء القوات في مواقعها يوحي باستراتيجية ضغط محسوب، تجمع بين التهديد العسكري وترك نافذة للدبلوماسية مفتوحة، في انتظار صيغة توازن جديدة. وتعكس التطورات الأخيرة ثلاثة سيناريوهات. 

يتمثل السيناريو الأول في تمديد الهدنة واستمرار التفاوض غير المباشر، وهو الأكثر ترجيحاً لتفادي الانفجار. الثاني هو الانزلاق إلى مواجهة، خصوصاً إذا تحول مضيق “هُرمز” إلى ساحة احتكاك مباشر. أما الثالث، فهو اتفاق جزئي مؤقت يجمّد الملفات الكبرى مقابل تنازلات محدودة، وهو خيار يبدو بعيداً في ظل تصلب المواقف.

إعادة تشكيل المنطقة 

ما بعد جولة إسلام آباد ليس كما قبلها، فالمشهد الإقليمي دخل مرحلة “عضّ الأصابع”، حيث تتقاطع الحسابات النووية مع صراعات النفوذ والطاقة. وبين رغبة واشنطن في تثبيت تفوقها، وإصرار طهران على الحفاظ على أوراقها الاستراتيجية، تبدو المنطقة مقبلة على لحظة حاسمة قد تعيد رسم قواعد التوازن — أو تكسرها بالكامل.

يُظهر مسار إسلام آباد أن طهران لا تتعامل مع جبهات مثل “لبنان” أو مضيق “هُرمز” كساحات معزولة، بل كأصول تفاوضية متكاملة تُسعّرها على الطاولة لانتزاع مكاسب اقتصادية صلبة (كالإفراج عن الأصول المجمدة). 

في الوقت ذاته، يدرك المفاوض الإيراني استحالة تقديم الإدارة الأمريكية لضمانات قانونية ملزمة تمنع أي انسحاب مستقبلي —بسبب طبيعة التداول الحزبي والنظام السياسي الأمريكي— مما يجعل الإصرار الإيراني على هذا البند تكتيكاً مقصوداً لإبقاء سقف التفاوض مرتفعاً، وتبرير عدم تقديم تنازلات جوهرية في الملف النووي حتى يتم الاستجابة للمطالب الاقتصادية الإقليمية.