بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تحليل سياسي

“هُرمز” تحت السيطرة المشروطة: استراتيجية ترامب تعيد رسم قواعد الملاحة وتفجّر صراع السيادة مع إيران

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

انتقل مضيق “هُرمز” من كونه ممراً استراتيجياً تقليدياً للطاقة إلى مختبر جيوسياسي لفرض وقائع جديدة، إثر تطبيق الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب استراتيجية أشبه بـ “الحصار الانتقائي”. واشنطن لم تعلن إغلاق المضيق عسكرياً، بل أعادت صياغة هندسة العبور، جاعلةً إياه امتيازاً مشروطاً، ومستهدفةً أي سفن تتفاعل مالياً مع طهران، ما يحوّله من ممر دولي مفتوح إلى مساحة خاضعة لإدارة القوة.

ترتكز المقاربة الأمريكية على تحويل “الرسوم الإيرانية” إلى أداة قانونية لفرض الحصار. فمن خلال اعتبار أي مبالغ تُدفع لطهران مقابل المرور بمثابة تمويل غير مشروع، تنقل واشنطن المواجهة من الاشتباك العسكري المباشر إلى الحصار المالي الميداني. تُعامل السفينة التي تدفع الرسوم ككيان مخالف، بغض النظر عن قانونية شحنتها. 

هذا التكتيك يرفع تكلفة المخالفة ويجبر الشركات على الامتثال، ويُفرض على الأرض عبر انتشار مكثف للأسطول الخامس الأمريكي، ما يجعل الولايات المتحدة المرجعية الفعلية لتنظيم الملاحة بقوة الردع والاعتراض المباشر.

القوة البحرية: تنفيذ القرار على الأرض

تُترجم هذه السياسة عبر انتشار عسكري مكثف تقوده وحدات الأسطول الخامس الأمريكي، مدعومة بمدمرات متطورة وسفن هجومية وحاملة طائرات. لا يقتصر دور هذه القوات على الردع، بل يمتد إلى تنفيذ مباشر يشمل مرافقة الناقلات، اعتراض السفن، وفرض مسارات ملاحية محددة.

كما تلعب كاسحات الألغام دوراً أساسياً في تأمين الممرات، خصوصاً مع تزايد خطر الألغام البحرية. الهدف النهائي هو فرض واقع بحري يجعل من الولايات المتحدة المرجعية الفعلية لتنظيم حركة الملاحة في المضيق.

الموقف الإيراني: السيادة أولاً.. والردع عند الحاجة

في المقابل، ترفض إيران هذه المقاربة بشكل قاطع، وتعتبرها انتهاكاً لسيادتها ومحاولة لفرض هيمنة على ممر حيوي يقع ضمن نطاقها الجغرافي. من وجهة نظر طهران، لا تملك أي دولة الحق في تحديد من يعبر المضيق أو فرض شروط مالية أو أمنية عليه.

تستند إيران إلى موقعها الجغرافي المطل على المضيق لتأكيد حقها في حماية أمنه، وترى أن فرض رسوم أو تنظيم المرور يدخل ضمن هذا الإطار السيادي. كما تعتبر أن الوجود العسكري الأمريكي المكثف يشكل تهديداً مباشراً، وليس ضمانة لحرية الملاحة كما تدّعي واشنطن.

في هذا السياق، تعتمد طهران على استراتيجية ردع غير متكافئة، تقوم على أدوات منخفضة الكلفة وعالية التأثير، أبرزها الألغام البحرية والزوارق السريعة والطائرات المسيّرة. هذه الأدوات لا تهدف إلى إغلاق المضيق بشكل دائم، بل إلى رفع كلفة السيطرة عليه وجعل أي محاولة لفرض الحصار مكلفة.

الألغام البحرية: ورقة ضغط مزدوجة

تشكل الألغام البحرية أحد أهم عناصر الردع الإيراني، لكنها في الوقت نفسه تمثل تحدياً للجميع. فانتشارها في ممر ضيق مثل “هُرمز” يمكن أن يعطل الملاحة أو يرفع تكاليف التأمين بشكل كبير.

تشير التقديرات إلى أن بعض الألغام زُرعت بطريقة غير مركزية، ما أدى إلى انجرافها وفقدان السيطرة على مواقعها، وهو ما يزيد من خطورتها. هذا الواقع يفرض على الولايات المتحدة تخصيص موارد كبيرة لإزالتها، باستخدام تقنيات متقدمة مثل المركبات غير المأهولة والأنظمة الذكية.

وهنا تكمن المفارقة: الألغام التي تُستخدم كأداة ردع قد تتحول إلى تهديد عشوائي، ما يعقّد حسابات جميع الأطراف.

يتجاوز الصراع في مضيق “هُرمز” البعد العسكري، ليشمل تفسير القانون الدولي. تستند الولايات المتحدة إلى مبدأ حرية الملاحة لتبرير تدخلها، بينما تطرح إيران مفهوم السيادة والأمن الإقليمي كمرجعية مضادة.

هذا التناقض يعكس صراعاً أعمق حول من يملك حق وضع القواعد. فواشنطن ترى نفسها ضامناً للنظام الدولي، في حين تعتبر طهران أن هذا الدور يُستخدم لتكريس الهيمنة.

اقتصاد عالمي رهينة المضيق

لا تبقى آثار هذا الصراع محصورة في المنطقة. الدول الآسيوية الكبرى، مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية والهند، تعتمد بشكل كبير على النفط المار عبر المضيق، ما يجعلها الأكثر تضرراً من أي اضطراب.

كما تواجه أوروبا ضغوطاً تضخمية نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة، فيما تجد دول الخليج نفسها أمام تحدي الحفاظ على تدفق صادراتها في ظل القيود الجديدة، على الرغم من وجود بدائل محدودة.

بهذا، يتحول مضيق “هُرمز” إلى نقطة ارتكاز في الاقتصاد العالمي، حيث ينعكس أي توتر فيه على الأسواق الدولية بشكل مباشر.

تكشف الاستراتيجية الأمريكية الحالية عن تحول عميق من مبدأ “حماية الممرات المفتوحة للجميع” إلى مبدأ “العبور المشروط بالامتثال للقواعد الأمريكية”. واشنطن، بمحاربتها للرسوم الإيرانية، تفرض عملياً “رسوم امتثال” غير مرئية على الشركات العالمية عبر مضاعفة تكاليف التأمين البحري وتكاليف المرافقة الأمنية. 

هذا التحول يعني عسكرة وتأميماً غير معلن لأمن الملاحة، حيث يصبح النظام المالي والقانوني الأمريكي — لا قانون البحار الدولي — هو الحاكم الفعلي لمن يدخل أو يخرج من مضيق هرمز، وهو ما يفسر الاستنفار الإيراني باعتبارها معركة وجودية على النفوذ.