بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تقرير إخباري

الكويت مُجدداً في مرمى الخلايا الإرهابية النائمة.. شبكات التمويل واختبارات الأمن الإقليمي

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

تتجاوز العملية الأمنية الأخيرة في الكويت، والتي أسفرت عن تفكيك شبكة معقدة لتمويل جهات إرهابية، مجرد كونها اختراقاً أمنياً معزولاً، لتشكل مؤشراً دقيقاً على تحول تكتيكي في طبيعة التهديدات التي تواجهها دول مجلس التعاون الخليجي. القضية تعكس نمطاً متصاعداً تتقاطع فيه مسارات الجريمة المالية المنظمة مع حسابات صراع النفوذ الإقليمي المفتوح، حيث بات التمويل يمثل جبهة موازية، ومحركاً أساسياً لبقاء التنظيمات الوكيلة.

وفقاً للمعطيات المتاحة، اعتمدت الشبكة المكونة من 24 متهماً في الداخل وثمانية في الخارج، على بنية تشغيلية لا مركزية. تمثل التكتيك الأساسي في استغلال الواجهات المهنية والتجارية، وتوظيف العمل الخيري والديني كغطاء آمن لجمع الأموال، قبل تفتيتها ونقلها عبر قنوات برية وجوية لتجاوز رادارات الامتثال المالي. 

هذا النموذج، الذي يدمج الاقتصاد المشروع بالنشاط السري، يمنح هذه الشبكات مرونة عالية تقربها من أنماط الجريمة المنظمة المتقدمة؛ فهي لا تعمل كخلايا تقليدية معزولة، بل كعقدة تمويل (Hub) ضمن شبكة خارجية تحدد مسارات التحويل وتدير العمليات عن بُعد.

تمويل بإدارة عابرة للحدود

تعكس بنية هذه الشبكة ارتباطها بمنظومة أوسع تُدار من الخارج، حيث لم تكن تعمل بشكل مستقل بل ضمن تنسيق خارجي يحدد اتجاهات التحويل ومساراته. ويُظهر هذا النمط اعتماداً على وسطاء محليين لتأمين التدفقات المالية وربطها بقنوات إقليمية، مستفيداً من غطاءات مهنية وخيرية لتقليل الشبهات. 

على الرغم من غياب تحديد رسمي لجهة بعينها، فإن المؤشرات العامة تضع هذه الخلية ضمن شبكة تمويل غير مباشر تتجاوز الحدود، وتؤدي دور حلقة وصل بين الداخل الكويتي وبُنى تنظيمية أوسع.

شبكة إقليمية متعددة المسارات

لا يمكن قراءة المشهد الكويتي بمعزل عن سياقه الخليجي الأوسع، حيث تتقاطع المعطيات الأمنية لتشير إلى بنية شبكية عابرة للحدود تتوزع أدوارها بين التمويل والدعم اللوجستي والتنسيق الخارجي. في الكويت، يشكّل مسار القضايا الممتد من خلية “العبدلي” العام 2015 إلى شبكات 2024 و2026 مؤشراً على تطور الأدوات وانتقالها من التخزين العسكري إلى التعقيد المالي والتنظيمي.

في البحرين، برزت خلايا ذات طابع عملياتي اعتمدت على التدريب الخارجي والتمويل غير المشروع، ضمن نمط مستمر منذ أكثر من عقد. أما في السعودية، فتنوّعت القضايا بين شبكات تمويل تعتمد على التبرعات غير القانونية وأخرى تضطلع بأدوار لوجستية مرتبطة بجهات خارجية.

وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، اتجهت الأنشطة المكتشفة نحو استغلال البيئة الاقتصادية عبر شركات وواجهات تجارية، بينما كشفت حالات في قطر عن خلايا ذات طابع تنسيقي ومالي تعمل عبر قنوات عابرة للحدود.

هذه الخارطة لا تعكس فقط انتشار الظاهرة، بل تكشف أيضاً قدرتها على التكيّف مع خصوصية كل دولة، ما يجعل المواجهة معها أكثر تعقيداً من مجرد تفكيك خلايا منفردة.

لماذا الكويت مستهدفة؟

لا يأتي استهداف الكويت من فراغ، بل يرتبط بجملة من العوامل البنيوية التي تجعلها ساحة جاذبة لهذه الأنشطة. أولها الموقع الجيوسياسي الحساس، حيث تقع هذه الدولة الخليجية على تماس مباشر مع بؤر التوتر الإقليمي، ما يجعلها عرضة لتداعيات الصراع بين القوى الكبرى والإقليمية.

كما أن حيويتها الاقتصادية وانفتاحها المالي يفتحان المجال أمام محاولات الاستغلال عبر قنوات ظاهرها مشروع، فيما يشكّل المناخ الاجتماعي والسياسي مساحة يمكن توظيفها لتمرير أنشطة تحت غطاءات إنسانية أو دينية، مستفيدة من عامل الثقة العامة.

الارتباط بالحرب بين أمريكا وإيران

يتقاطع تصاعد تفكيك هذه الشبكات مع الحرب الدائرة في المنطقة، حيث تتحول الأدوات غير التقليدية إلى جزء أساسي من إدارة الصراع. فشبكات التمويل تؤدي دوراً مكملاً للعمليات العسكرية، سواء عبر تأمين الموارد أو خلق ضغط داخلي على دول الخليج.

في هذا السياق، تبدو هذه الشبكات كأذرع مرنة تُستخدم لتجاوز القيود المالية، وإبقاء ساحات الخليج ضمن دائرة التأثير غير المباشر، بالتوازي مع الهجمات التي طالت منشآت حيوية، ما يعكس تداخل المسارين الأمني والعسكري في مشهد واحد.

تعتمد هذه الشبكات على استغلال العمل الخيري كمدخل رئيس، مستفيدة من ثقة المتبرعين، قبل إعادة توجيه الأموال عبر مسارات معقدة. ويُضاف إلى ذلك استخدام النقل النقدي المجزأ، والواجهات التجارية، وأساليب تمويه تجعل تتبع الأموال عملية دقيقة ومعقدة.

هذا النموذج، الذي يجمع بين الاقتصاد المشروع والنشاط غير القانوني، يمنح هذه الشبكات قدرة على الاستمرار والتكيف، ويقرّبها من أنماط الجريمة المنظمة أكثر من كونها مجرد خلايا تقليدية.

اختبار الأمن والانفتاح

تعكس القضية الأخيرة في الكويت تحولاً في طبيعة التهديدات، حيث يتقدم البعد المالي كجبهة موازية لا تقل خطورة عن المواجهة المباشرة. ومع استمرار تفكيك الشبكات، يبقى التحدي في بناء منظومة وقائية تحدّ من استغلال الثغرات، وتحافظ في الوقت نفسه على توازن دقيق بين الانفتاح والأمن.

في ظل هذا الواقع، تبدو دول الخليج أمام اختبار مستمر لقدرتها على احتواء تهديدات مرنة ومتغيرة، تتجاوز الحدود وتعيد تشكيل أدواتها مع كل مرحلة من مراحل الصراع.