تتجه الأنظار إلى العاصمة الباكستانية إسلام آباد، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية مع رهانات السياسة في لحظة تُوصف بأنها الأكثر حساسية في مسار العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران منذ عقود. فالمحادثات المباشرة التي انطلقت في إسلام آباد لا تُقرأ كجولة تفاوضية عادية، بل كاختبار حقيقي لإمكانية الانتقال من حافة المواجهة المفتوحة إلى إدارة الصراع بشروط جديدة.
تكشف تركيبة الوفدين منذ اللحظة الأولى أن ما يجري يتجاوز التفاصيل التقنية. من الجانب الإيراني، يقود رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وفداً متعدد المستويات يضم وزير الخارجية عباس عراقجي، وممثل المرشد في مجلس الأمن القومي علي أكبر أحمديان، إلى جانب شخصيات اقتصادية وأمنية بارزة. في المقابل، يترأس نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس الوفد الأمريكي، مدعوماً بشخصيات نافذة في دوائر القرار مثل ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر.
هذا الثقل السياسي والأمني يعكس حقيقة أساسية مفادها أن التفاوض هنا ليس حول بنود، بل حول إعادة تعريف قواعد الاشتباك بين خصمين وصلا إلى تماس مباشر. وما تصريحات قاليباف عن “حسن النية دون الثقة” إلا اختصاراً للمزاج الإيراني، فيما يعكس تحذير فانس من “التلاعب” حالة الحذر الأمريكي.
ثلاثية التفاوض: هرمز والنووي ولبنان
تدور المحادثات حول ثلاثة ملفات مترابطة، تشكل بمجموعها جوهر الصراع.
أولاً: مضيق هرمز
يبرز المضيق بوصفه العنصر الأكثر إلحاحاً، كونه شريان الطاقة العالمي. وإغلاقه شبه الكامل منذ أواخر فبراير أحدث صدمة في الأسواق، ورفع كلفة المخاطر البحرية إلى مستويات قياسية. واشنطن تدفع باتجاه إعادة فتحه فوراً ومن دون شروط، بينما تتعامل طهران معه كورقة ضغط استراتيجية، تلوّح باستخدامها لفرض معادلات اقتصادية وأمنية جديدة، بما في ذلك فكرة فرض رسوم على المرور أو إعادة تعريف قواعد الملاحة.
ثانياً: البرنامج النووي
الطرح الأمريكي يتسم بطابع صارم، ويشمل حزمة واسعة من الشروط: تقليص التخصيب، وتسليم مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، وتوسيع نطاق الرقابة الدولية، وربط الملف النووي بالسلوك الإقليمي. في المقابل، تطرح إيران مقاربة تقوم على مبدأ “التوازي”، بين رفع تدريجي للعقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة، مع ضمانات دولية تحول دون تكرار الانسحاب الأمريكي من أي اتفاق مستقبلي. فكيف يمكن بناء ثقة معدومة في ظل تجربة الاتفاق النووي السابق وانهياره؟
ثالثاً: لبنان
يُعد هذا الملف الأكثر إلحاحاً على الطاولة. طهران تصر على ربط أي اتفاق بوقف شامل لإطلاق النار في لبنان، معتبرة أن الفصل بين المسارات لم يعد ممكناً بعد التصعيد الأخير. في المقابل، ترفض واشنطن وتل أبيب إدراج هذا الشرط، وتؤكدان أن العمليات العسكرية ضد حزب الله خارج نطاق التفاهمات.
هذا التباين يعكس صراعاً على تعريف “نطاق الصفقة”، هل هي صفقة نووية-اقتصادية، أم تسوية إقليمية شاملة؟
ترامب يرفع السقف: التفاوض تحت التهديد
في موازاة المسار الدبلوماسي، لم تتراجع لهجة التصعيد في واشنطن. فقد أكد دونالد ترامب في الساعات الأخيرة أن بلاده مستعدة لإعادة فتح مضيق هرمز “سواء بتعاون إيراني أو بدونه”، مشيراً إلى أن القطع البحرية الأمريكية مجهّزة “بأفضل ما لدى الترسانة العسكرية”.
هذا الخطاب لا يُقرأ فقط كرسالة ردع لإيران، بل أيضاً كأداة ضغط على فريقه التفاوضي لعدم تقديم تنازلات كبيرة. في الوقت نفسه، يضع الجانب الإيراني أمام معضلة داخلية تُفسر أي مرونة خضوعاً تحت التهديد، وهو ما يقيّد هامش المناورة.
التطورات الميدانية تضغط بقوة على إيقاع التفاوض. التصعيد الإسرائيلي الأخير في جنوب لبنان وفي قلب عاصمته الإدارية بيروت ومناطق متفرقة أخرى، والذي يُعد من الأعنف منذ بداية المواجهة، أعاد خلط الأوراق ودفع طهران إلى حافة رد عسكري مباشر قبل أن تختار التريث وترك المجال للمحادثات.
في المقابل، تستمر التحركات العسكرية الأمريكية في الخليج، بما في ذلك تعزيز الوجود البحري ورفع مستوى الجاهزية، ما يخلق بيئة تفاوضية مشبعة بالتوتر، حيث يصبح أي خطأ ميداني قادراً على نسف المسار الدبلوماسي بالكامل.
ما وراء الكواليس: قنوات موازية وضمانات غائبة
تشير معطيات دبلوماسية إلى وجود قنوات خلفية موازية تقودها أطراف إقليمية ودولية، في محاولة لتقريب وجهات النظر، خصوصاً فيما يتعلق بآلية رفع العقوبات وضمانات الالتزام. فالعقدة الأساسية لا تكمن فقط في صياغة الاتفاق، بل في ضمان استمراريته.
إيران تسعى إلى آلية ملزمة دولياً تمنع تكرار سيناريو الانسحاب الأمريكي، فيما تتحفظ واشنطن على تقديم التزامات تقيد حرية القرار السياسي مستقبلاً، ليجعل هذا التناقض البنيوي أي اتفاق شامل أمراً بالغ التعقيد.
المؤشرات الأولية لا توحي بإمكانية تحقيق اختراق كبير في هذه الجولة. التقديرات الأقرب للواقع تشير إلى احتمال التوصل إلى اتفاق مرحلي محدود، يركز على تثبيت الهدنة البحرية واحتواء التصعيد، مقابل تأجيل الملفات الأكثر تعقيداً إلى جولات لاحقة.
مثل هذا الاتفاق، إن تحقق، لن يكون حلاً نهائياً، بل إدارة مؤقتة للأزمة. لكنه قد يشكل خطوة ضرورية لمنع الانزلاق نحو مواجهة أوسع، خصوصاً في ظل تقاطع الساحات من الخليج إلى لبنان.
إسلام آباد: محطة مختلفة في مسار طويل
ما يميز هذه الجولة هو أنها تأتي بعد احتكاك عسكري مباشر بين الطرفين، وليس ضمن حرب بالوكالة كما في السابق. هذا التحول يفرض حسابات أكثر واقعية، ويفتح نظرياً نافذة لتسويات لم تكن مطروحة قبل أسابيع.
لكن بين الإمكان النظري والقرار السياسي مسافة شاسعة. فالمفاوضات الجارية اليوم لا تختبر فقط حدود التسوية، بل أيضاً قدرة الطرفين على الاعتراف بأن كلفة المواجهة المفتوحة باتت أعلى من كلفة التنازل؛ ولو جزئياً.















