بقلم: عزيز عزيز
بقلم: عزيز عزيز

مقالات مشابهة

تحليل سياسي

هُدنة تحبس الأنفاس: وقف إطلاق نار أمريكي إيراني يفتح “هُرمز” مؤقتاً ويؤجل اختبار السلام

بقلم: عزيز عزيز
بقلم: عزيز عزيز

وافقت الولايات المتحدة وإيران على وقف لإطلاق النار لمدة أسبوعين في تحول مُفاجئ أوقف، مؤقتاً، انزلاق المواجهة إلى مرحلة أشد خطورة، بعدما جاء الاتفاق قبل أقل من ساعتين من انتهاء المهلة التي حددها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لطهران لإعادة فتح مضيق “هُرمز” أو مواجهة ضربات واسعة على بنيتها التحتية.

بموجب هذا التفاهم، الذي وُصف في واشنطن بأنه نافذة لخفض التصعيد وفتح باب التفاوض، تعهدت إيران بوقف عرقلة مرور النفط والغاز عبر المضيق، بينما علقت الولايات المتحدة وإسرائيل هجماتهما على إيران طوال فترة الهدنة، في وقت لم تتضح فيه بعد بصورة كاملة آليات التنفيذ وحدود السريان الميداني. 

الساعات الأولى: التزام هش

جاء الإعلان بعد يوم عاصف طغت عليه تهديدات أمريكية غير مسبوقة، إذ لوّح ترامب في وقت سابق بتدمير واسع إذا لم يُفتح المضيق، قبل أن يعود ويعلن أن المقترح الإيراني المكوَّن من عشر نقاط يمثل “أساساً عملياً” للتفاوض. وقال رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، الذي اضطلع بدور الوسيط، إن الوفدين الأميركي والإيراني سيلتقيان في إسلام آباد يوم الجمعة، فيما قالت طهران إن المحادثات ستبدأ في العاشر من أبريل/نيسان. 

لكن الساعات الأولى بعد إعلان التفاهم أظهرت هشاشته، إذ استمرت التحذيرات الجوية في إسرائيل وبعض دول الخليج، كما تحدثت تقارير عن إطلاق صواريخ من إيران باتجاه تل أبيب بعد إعلان الهدنة، ما يشير إلى أن الاتفاق السياسي سبق اكتمال الضبط الميداني الكامل.

تعكس الصياغات الصادرة عن الطرفين أن ما جرى حتى الآن ليس اتفاق سلام نهائيا، بل هدنة اختبارية قصيرة الأجل هدفها الأساسي تجميد الاشتباك وتهيئة الأرضية لتفاوض أشمل. البيت الأبيض قدّم التفاهم باعتباره ثمرة مباشرة للضغط العسكري الأمريكي.

قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض إن الخطة الإيرانية تمثل قاعدة قابلة للتفاوض، بينما أصر ترامب، في تصريحات لاحقة، على أن أي اتفاق سلام نهائي يجب أن يتضمن ملف المواد النووية الإيرانية. وبذلك، فإن الأسبوعين المقبلين لا يبدوان إطارا لحسم النزاع، بل مهلة لقياس إمكان الانتقال من منطق الإكراه العسكري إلى منطق الصفقة السياسية. 

أما إيران، فقد حرصت على تصوير الاتفاق على أنه انتصار سياسي لا تراجع تكتيكي، إذ قال المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني إن ترامب قبل شروط طهران لإنهاء الأعمال القتالية، فيما شددت طهران على أن قبول الهدنة لا يعني انتهاء الحرب. 

طهران وواشنطن: تقاطع المصالح

تظهر المعطيات المتداولة عن المقترح الإيراني أن طهران تسعى إلى ما هو أبعد من مجرد وقف النار، عبر إدخال قضايا مثل تخفيف العقوبات، والإفراج عن الأموال المجمدة، وتعويضات الحرب، وترتيبات تنظيم الملاحة في “هُرمز” ضمن التفاوض اللاحق. لكن هذه المطالب، حتى الآن، لا تبدو بنودا نافذة في الهدنة نفسها، بقدر ما هي شروط تريد إيران تثبيتها في أي تسوية أوسع. 

من هذه الزاوية، يبدو الاتفاق أقرب إلى تقاطع مصالح مؤقت بين طرفين يريد كل منهما ادعاء النصر. فالولايات المتحدة تقول إنها فرضت فتح “هُرمز” من موقع قوة، وإيران تقول إنها انتزعت وقفا للهجمات من دون التسليم الكامل بالشروط الأمريكية، فيما يظل الحسم الفعلي مؤجلاً إلى طاولة إسلام آباد، حيث سيتعين على الطرفين اختبار ما إذا كان ممكناً تحويل الهدنة إلى مسار تفاوضي أكثر تماسكاً.

يتصدر “هُرمز” صلب هذا التفاهم، لا بوصفه ممراً ملاحياً فحسب، بل باعتباره العقدة التي دفعت العالم إلى حافة أزمة طاقة واسعة. فالمضيق يمر عبره عادة نحو خمس شحنات النفط العالمية، وقد أدى تعطله خلال الأسابيع الماضية إلى احتجاز كميات كبيرة من الذهب الأسود داخل الخليج، حيث تقدر كميات النفط العالقة بنحو 130 مليون برميل من النفط الخام و46 مليون برميل من الوقود المكرر على متن نحو 200 ناقلة في المنطقة. 

يفسر الهبوط السريع في أسعار النفط، بعد الإعلان عن هدنة الأسبوعين، ارتياح قطاع الطاقة العالمي وإن كانت تقديرات الأسواق المادية تشير إلى أن الضغوط على الإمدادات والتأمين والشحن قد تستمر لبعض الوقت حتى بعد إعادة الفتح. 

دول الخليج: تراجع المخاطر

بالنسبة إلى دول الخليج، فإن وقف النار، إن صمد، قد يخلق وضعاً مختلفاً عنوانه الأول تراجع خطر الضربات الصاروخية والمسيّرات الإيرانية أو الاضطرابات الناجمة عنها في الممرات البحرية ومنشآت الطاقة. غير أن هذا الاحتمال يبقى مشروطاً بمدى التزام طهران والأطراف المرتبطة بها بوقف التصعيد، إذ أعلنت “المقاومة الإسلامية في العراق” تعليق عملياتها لمدة أسبوعين، في مؤشر على أن بعض الأذرع الإقليمية قد تواكب التهدئة. 

مع ذلك، فإن بقاء أي جبهة فرعية مفتوحة كفيل بإعادة الضغط على الخليج، الذي خرج من الأسابيع الماضية أكثر اقتناعاً بأن أمن الطاقة والملاحة لم يعد مسألة اقتصادية فقط، بل ركيزة استقرار سياسي وأمني أوسع. 

في هذا السياق، لا تظهر في الاتفاق الحالي أي صيغة مؤكدة لرفع سريع للعقوبات عن إيران، رغم أن طهران دفعت بهذا الملف بقوة في مقترحها. ولذلك، فإن أي تخفيف للعقوبات سيظل على الأرجح رهنا بما ستؤول إليه مفاوضات ما بعد الهدنة، لا نتيجة تلقائية لإعلان وقف إطلاق النار ذاته. وهذا فارق أساسي، لأن إيران تريد ترجمة التهدئة إلى مكاسب اقتصادية وسياسية، بينما تبدو واشنطن حريصة على الإبقاء على العقوبات كورقة ضغط حتى تتضح ملامح التفاهم النهائي، ولا سيما في الملف النووي. 

لبنان خارج مظلة الهدنة المؤقتة

في حين بدا أن واشنطن وطهران تتجهان إلى تثبيت هدنة ثنائية قابلة للبناء عليها، برز لبنان فوراً بوصفه أبرز ثغرات هذا المسار. فقد نُقل عن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن إسرائيل تدعم قرار ترامب تعليق الضربات على إيران لمدة أسبوعين، لكنها أكدت أن وقف إطلاق النار “لا يشمل لبنان”. وجاء هذا الموقف على النقيض من ما قاله شهباز شريف، الذي أشار إلى أن الاتفاق يتضمن أيضاً وقف الحملة الإسرائيلية في لبنان، وهو ما يجعل الساحة اللبنانية نقطة تنازع مبكرة على تفسير حدود الهدنة. 

تنبع أهمية هذه النقطة من أن أي تهدئة لا تمتد إلى لبنان ستظل ناقصة من منظور الاستقرار الإقليمي. إسرائيل تريد على ما يبدو الفصل بين مسارها مع إيران ومسارها مع “حزب الله”، بينما ترى أطراف إقليمية أن نجاح أي وقف نار مستدام يفترض تخفيف كل الجبهات المتصلة بالحرب لا تجميد واحدة وترك الأخرى مشتعلة. وحتى الآن، تبدو الكفة راجحة لمقاربة إسرائيلية ضيقة تقبل بتعليق القتال مع إيران من دون ربط ذلك تلقائياً بلبنان، وهو ما يهدد بإبقاء المنطقة على حافة انفجار متجدد حتى لو صمدت الهدنة الثنائية. 

المرحلة المقبلة: سلام طويل أم استراحة بين جولتين؟

توحي المعطيات الحالية بأن الأسبوعين المقبلين سيكونان اختبارا لأربعة ملفات متزامنة: أولها استمرار فتح “هُرمز” من دون عراقيل جديدة؛ وثانيها توقف الهجمات الإيرانية المباشرة أو غير المباشرة على دول المنطقة؛ وثالثها قدرة المحادثات في إسلام آباد على الانتقال من وقف نار مؤقت إلى تفاهم سياسي أوسع؛ ورابعها ما إذا كانت إسرائيل ستقبل لاحقاً بتوسيع مظلة التهدئة إلى لبنان أم ستبقي هذه الجبهة خارج أي ترتيب. وإذا فشلت هذه المسارات في التقدم بالتوازي، فستظل الهدنة عُرضة للانكسار تحت ضغط الوقائع الميدانية والتفسيرات المتضاربة لبنودها. 

الاتفاق الحالي يفتح بابا للتهدئة أكثر مما يفتح باباً للسلام. فهو يخفف الضغط عن أسواق الطاقة، ويمنح الجوار الخليجي متنفساً مؤقتاً، ويتيح لواشنطن وطهران الخروج من منطق الإنذار الفوري إلى منطق التفاوض المشروط. لكنه في الوقت نفسه يترك الملفات الأثقل معلقة: البرنامج النووي، والعقوبات، وأمن الجوار العربي، ودور الأذرع الإقليمية، ومصير لبنان. 

لذلك، فإن الصورة الأقرب إلى أسلوب الوكالات ليست الحديث عن نهاية الحرب، بل عن “هدنة ضرورة” فرضتها كلفة التصعيد على الجميع، فيما سيحدد ما بعد الأسبوعين ما إذا كانت المنطقة أمام بداية مسار سلام ممكن، أم مجرد استراحة قصيرة بين موجتين من النار.