بقلم محرّر الشؤون الثقافية: حمّوش أبوبكر
بقلم محرّر الشؤون الثقافية: حمّوش أبوبكر

مقالات مشابهة

ثقافة عربية

المثقف العربي بين صراع المعسكرات وفوضى السرديات: من التشكّل إلى إعادة تعريف الدور

بقلم محرّر الشؤون الثقافية: حمّوش أبوبكر
بقلم محرّر الشؤون الثقافية: حمّوش أبوبكر

تشكّل الوعي الثقافي العربي الحديث داخل سياق تاريخي مُضطرب، تداخل فيه إرث الاستعمار الأوروبي مع استقطاب الحرب الباردة، ليضع المثقف العربي أمام معادلة معقدة: كيف يتعامل مع نموذج غربي متفوق معرفياً ومؤسسياً، ومع نموذج شرقي يطرح نفسه بديلاً أيديولوجياً؟

في هذا المناخ، تأرجح الخطاب الثقافي بين الانبهار والمحاكاة، كما في أطروحات طه حسين، وبين النقد ومحاولات بناء استقلال معرفي كما عند مالك بن نبي، الذي نبّه إلى أن أزمة المجتمعات ليست في بنية الوسائل بل في بنية الوعي ذاته.

لم يكن هذا التوتر علامة ارتباك فقط، إنما تعبيرٌ عن محاولة تأسيس لم يكن خلالها المثقف العربي مجرد مُتلقٍ، بل كانت تنقصه أيضاً شروط الإنتاج. ليظل يتحرك في مساحة بين التلقي والاجتهاد، وبين التأثر ومحاولة بناء خطاب خاص.

فلسطين: مركز إنتاج الثقافة العربية

مع النكبة، دخل هذا الوعي مرحلة أكثر عمقاً، حيث أصبحت فلسطين مركزاً لإنتاج المعنى في الثقافة العربية، لا بوصفها قضية سياسية فقط، بل معياراً أخلاقياً ومعرفياً. هنا برز إدوارد سعيد الذي فكك علاقة المعرفة بالهيمنة، فيما جسّد محمود درويش دور المثقف الذي يحفظ الذاكرة في مواجهة الطمس.

لكن هذه المركزية نفسها جعلت القضية عُرضة لمحاولات الأدلجة، حيث سعت تيارات متعددة إلى احتكارها وتوظيفها ضمن مشاريعها، ما أدى إلى تعدد الروايات وتضاربها، وفتح الباب أمام صراع لا يقل تعقيداً عن الصراع على الأرض، وهو صراع على المعنى.

من الأيديولوجيا إلى المراجعة: انكشاف المشاريع

مع نهاية القرن العشرين، بدأت السرديات الكبرى تتفكك، ولم تعد الأيديولوجيات القومية أو الاشتراكية قادرة على تقديم إجابات شاملة. في هذا الفراغ، برزت مشاريع جديدة، في مقدمتها نموذج الجمهورية الإسلامية الإيرانية، إلى جانب حركات الإسلام السياسي مثل جماعة الإخوان المسلمين، التي سعت إلى استقطاب المثقفين عبر خطاب تعبوي قائم على مفاهيم الهوية والمقاومة.

في لحظات معينة، خاصة في ظل أزمات الدولة الوطنية، وجدت هذه الخطابات صدى لدى بعض النخب، التي رأت فيها بديلاً عن فراغ سياسي وفكري متراكم.

غير أن التحولات الميدانية، وتداخل الصراعات الإقليمية، كشفت تدريجياً عن مُفارقة جوهرية: الخطاب الذي قدّم نفسه بوصفه مشروعاً للتحرر، ارتبط في كثير من الحالات بصراعات ممتدة، وإعادة إنتاج الأزمات بدل حلها. وقد تجلّى ذلك بوضوح في محطات مثل الربيع العربي وتداعيات حرب غزة، حيث لم تعد الشعارات قادرة على إخفاء كلفة الصراع، ولا على تقديم أفق سياسي قابل للحياة.

هذا الانكشاف لم يكن نظرياً فقط، بل عملياً، دفع قطاعات واسعة من المثقفين إلى مراجعات عميقة، لم تعد تكتفي بتفكيك الخطاب، إنما تربطه بنتائجه، وتقيسه بقدرته على بناء الدولة لا تفكيكها، وعلى حماية المجتمع لا إدخاله في دوامات مفتوحة.

التجربة الخليجية.. تحول نوعي

في هذا السياق، برز تحول نوعي في التجربة الخليجية، إذ انتقل المثقف من موقع المراقب إلى موقع الفاعل النقدي. فبعد محطات مفصلية مثل غزو الكويت، ومع تصاعد التهديدات الإقليمية، بدأ خطاب ثقافي أكثر وضوحاً يتشكل، ولم يتردد في توصيف بعض المشاريع الأيديولوجية بوصفها تهديداً لبنية الدولة والمجتمع.

هذا التحول لم يكن انعزالياً، بل ظل مرتبطاً بالقضايا العربية الكبرى، وفي مقدمتها فلسطين، لكن من منظور أكثر توازناً، يربط بين الالتزام والواقعية، وبين الدعم والنقد.

المثقف في زمن الفوضى الرقمية: انحسار أم إعادة تشكّل؟

مع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، دخل المشهد الثقافي مرحلة جديدة، لم يعد فيها المثقف يحتكر تفسير الحدث، ولم تعد المعرفة تمر عبر القنوات التقليدية فقط. هذا التحول، الذي يفسره زيغمونت باومان بمفهوم “الحداثة السائلة”، أدى إلى تفكك سلطة المثقف التقليدي، وصعود أصوات سريعة التأثير لكنها محدودة العمق. في هذا السياق، انكفأ بعض المثقفين إلى الهامش، بينما تحول آخرون إلى مجرد شهود على مشهد متسارع، لم يعودوا قادرين على تأطيره كما في السابق.

ومع ذلك، لا يعني هذا نهاية الدور، بقدر ما يعني تحوله. فالمثقف الذي كان يحتكر المنبر، أصبح اليوم مطالباً بمنافسة فضاء مفتوح، حيث لا يكفي العمق وحده، بل يجب أن يقترن بالقدرة على الوصول والتأثير.

هنا تتحدد ملامح المرحلة الجديدة: إما أن يستعيد المثقف موقعه كمنتج للمعنى، قادر على تفكيك الخطاب وربط الحدث بسياقه، أو أن يتحول إلى مجرد صوت بين أصوات، يذوب في ضجيج لا يترك مجالاً للتفكير.

التمييز بين الخطابة والحقيقة

المثقف العربي اليوم هو نتاج مسار طويل من التحولات، من صراع المعسكرات إلى انهيار الأيديولوجيات، ومن مركزية فلسطين إلى فوضى السرديات الرقمية.

وفي هذا السياق، لم يعد التحدي في اتخاذ موقف فقط، بل في استعادة الدور: أن يكون المثقف قادراً على حماية المعنى، وعلى التمييز بين الخطاب والحقيقة، في زمن أصبح فيه الضجيج أعلى من الفكر، والسرعة أسرع من الفهم.