برزت إسبانيا كأحد أكثر الأطراف الأوروبية جُرأة في التعامل مع التصعيد العسكري الأمريكي الإسرائيلي ضد إيران، ما يشكل تطوراً لافتاً داخل المشهد الغربي، فهي لم تكتفِ برفض استخدام قواعدها العسكرية، بل ذهبت إلى خطوة أبعد تمثلت في تقييد المجال الجوي الإسباني أمام العمليات المرتبطة بالعملية العسكرية في منطقة الشرق الأوسط.
هذا الموقف جاء في لحظة حساسة يتبنى فيها معظم الحلفاء الأوروبيون خطاباً حذراً أو داعماً ضمنياً للولايات المتحدة الأمريكية، ما أعاد فتح النقاش حول حدود التضامن داخل حلف شمال الأطلسي، وطبيعة العلاقة المتغيرة بين واشنطن وبعض العواصم الأوروبية.
تسلسل الأحداث من الحرب إلى القرار
تُظهر التطورات أن الموقف الإسباني جاء ضمن مسار تصاعدي بدأ مع انطلاق العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران في الـ28 من فبراير/شباط 2026، والتي أدخلت المنطقة في حالة مواجهة مفتوحة انعكست سريعاً على الملاحة وأسواق الطاقة العالمية.
في 25 مارس 2026، صعّد رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز موقفه داخل البرلمان، معتبراً أن الحرب في الشرق الأوسط “أخطر من حرب العراق”، مُحذراً من تكرار أخطاء التدخلات العسكرية السابقة. وبعد أيام قليلة، انتقلت مدريد من التصريحات إلى الإجراءات العملية، مع إعلان منع استخدام القواعد العسكرية الإسبانية في العمليات الهجومية المرتبطة بإيران، قبل أن تتوسع القيود لاحقاً لتشمل المجال الجوي.
توسيع نطاق القيود
شملت الإجراءات الإسبانية منع عبور الطائرات العسكرية المرتبطة بالهجمات على إيران عبر المجال الجوي الإسباني، إضافة إلى حظر استخدام قاعدتي روتا ومورون في أي عمليات هجومية. كما امتدت القيود لتشمل الطائرات الأمريكية القادمة من قواعد في دول أوروبية أخرى، مع الإبقاء فقط على استثناءات محدودة للحالات الإنسانية أو الطارئة. ويعكس هذا التطور انتقال موقف مدريد من مستوى سياسي رمزي إلى تأثير عملي مباشر على مسارات العمليات الجوية.
يرتكز الموقف الإسباني على رؤية تعتبر أن العمليات العسكرية ضد إيران تفتقر إلى غطاء واضح من الأمم المتحدة، ما يجعلها أقرب إلى “العمل الأحادي” الذي يهدد قواعد النظام الدولي. كما تستحضر مدريد إرث حرب العراق العام 2003، التي شكلت نقطة تحول في الوعي السياسي الإسباني تجاه الحروب الاستباقية. ويضاف إلى ذلك موقف إسبانيا السابق من حرب غزة، الذي عزز توجهاً أكثر تحفظاً تجاه استخدام القوة العسكرية في الشرق الأوسط، في ظل مخاوف من توسع رقعة الصراع وتداعياته الإنسانية والاقتصادية.
الأبعاد الداخلية في السياسة الإسبانية
لا يمكن فصل الموقف الخارجي عن السياق الداخلي، إذ يواجه الحزب الاشتراكي الحاكم ضغوطاً سياسية وتراجعاً نسبياً في بعض استطلاعات الرأي، إلى جانب صعود اليمين المتطرف. وفي هذا السياق، يوفر الموقف الرافض للحرب مساحة لإعادة التموضع السياسي أمام الناخبين، خصوصاً داخل القواعد اليسارية التي ترفض التدخلات العسكرية. ومع ذلك، فإن هذا التوجه لا يقتصر على الحسابات الانتخابية، بل يعكس أيضاً تياراً سياسياً مستقراً داخل إسبانيا يميل إلى أولوية الحلول الدبلوماسية.
جاء ردّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حاداً تجاه القرار الإسباني، حيث لوّح بفرض عقوبات اقتصادية وإعادة النظر في العلاقات التجارية، ووجه انتقادات مباشرة للقيادة السياسية في مدريد. كما طرح احتمال تقليص الوجود العسكري الأمريكي في القواعد الإسبانية. ويعكس هذا الموقف رؤية واشنطن التي تعتبر أن القيود الأوروبية قد تؤثر على فعالية العمليات العسكرية في الشرق الأوسط، في ظل اعتماد الولايات المتحدة على شبكة لوجستية واسعة داخل أوروبا.
التداعيات العسكرية واللوجستية
على المستوى العملياتي، يؤدي الموقف الإسباني إلى إطالة مسارات الطيران العسكري الأمريكي عبر الأطلسي، ورفع تكاليف التشغيل، وتقليل مرونة الانتشار الجوي نحو الشرق الأوسط. كما يضيف تحديات لوجستية تتعلق بعمليات التزود بالوقود والدعم الجوي. وعلى الرغم من أن هذه التداعيات لا تغيّر ميزان القوة العسكري، فإنها تعكس أهمية البنية الأوروبية في دعم العمليات الأمريكية خارج المنطقة الأطلسية.
يضع هذا التطور حلف شمال الأطلسي أمام نقاش مُتجدد حول حدود الالتزام الجماعي مقابل السيادة الوطنية، فبينما تحتفظ كل دولة عضو بحقها في إدارة مجالها الجوي وقواعدها العسكرية، يعتمد الحلف على درجة عالية من التنسيق في العمليات الخارجية. هذا التباين لا يشير إلى انهيار في الحلف، لكنه يكشف عن تزايد الفجوة السياسية بين الدول الأعضاء في القضايا غير الدفاعية المباشرة.
الانقسام الأوروبي في ملف إيران
يعكس الموقف الإسباني انقساماً أوسع داخل الاتحاد الأوروبي، إذ تميل بعض الدول إلى دعم الموقف الأمريكي، بينما تتبنى دول أخرى مقاربة مزدوجة تجمع بين الضغط والدبلوماسية، في حين تتخذ دول مثل إسبانيا موقفاً أكثر تحفظاً ورفضاً للتسهيل العسكري المباشر. ويؤكد هذا المشهد غياب رؤية أوروبية موحدة تجاه الأزمات في الشرق الأوسط، خصوصاً في الملفات العسكرية الحساسة.
من منظور طهران، يشكل الانقسام داخل الغرب فرصة سياسية ودبلوماسية، إذ يسهم في تقليل الضغط الموحد وفتح مساحات للمناورة، إضافة إلى تعزيز خطاب الانقسام داخل المعسكر الغربي. ومع ذلك، فإن هذا العامل لا يغيّر جوهر ميزان القوى العسكري، بل يعكس اختلافاً في أدوات إدارة الأزمة أكثر من كونه تحولاً في أهدافها الاستراتيجية.
يُثبت الموقف الإسباني أكثر من مجرد قرار يتعلق بالمجال الجوي أو القواعد العسكرية، بل يشير إلى تحول أعمق في طريقة مقاربة بعض الدول الأوروبية للأزمات الدولية. وبينما تواصل الولايات المتحدة إدارة العمليات العسكرية وفق منطق الردع، تبرز إسبانيا كصوت أكثر تحفظاً داخل المنظومة الغربية، ما يطرح سؤالاً جوهرياً حول مستقبل التماسك داخل الناتو وقدرته على الحفاظ على وحدة موقفه في الحروب التي تقع خارج نطاق دفاعه التقليدي.















