بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تقرير سياسي

لندن بين الرَّدع والحذر: توازن دقيق لتجنب الانزلاق في مواجهة عسكرية إقليمية مع إيران

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

تجد المملكة المتحدة نفسها في موقف بالغ التعقيد في ظل تصاعد التوتر العسكري في منطقة الشرق الأوسط، على خلفية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. بالتزامن مع تزايد المخاوف بشأن أمن الملاحة الدولية واستقرار أسواق الطاقة، ما يضع لندن أمام اختبار دبلوماسي واستراتيجي دقيق.

في هذا الإطار، تواجه لندن اختباراً دبلوماسياً واستراتيجياً يتطلب موازنة دقيقة بين حماية مصالحها الحيوية في الطاقة والتجارة، ودعم حلفائها في المنطقة، والحفاظ على موقف مستقل يُميزها عن أي انخراط هجومي مباشر قد يؤدي إلى تداعيات غير محسوبة على الصعيد العسكري والسياسي والاقتصادي.

يجعل هذا الواقع بريطانيا في صلب المشهد الإقليمي، حيث يجب عليها إدارة ردود الفعل الإيرانية والأمريكية-الإسرائيلية بحذر شديد، مع مراقبة التطورات على الأرض وفي  المجالين البحري والجوي، لتجنب الانزلاق في صراع واسع قد يكون له تبعات بعيدة المدى.

مبدأ الردع والتحكم بالمخاطر

منذ اندلاع الصراع، تبنّت لندن استراتيجية الدفاع النشط، وهي نهج يقوم على استخدام القوة بشكل دقيق للردع والحماية، من دون الانخراط في حرب هجومية. إذ أكدت التقارير أن طائرات “تايفون” و”إف 35″ البريطانية، المنطلقة من قواعد في أكروتيري بقبرص ومن قطر، أسقطت مئات المسيرات والصواريخ الإيرانية، لحماية الحلفاء وتأمين المصالح الحيوية في المنطقة.

على الصعيد البحري، عززت المملكة المتحدة وجودها بالمدمرة “إتش إم إس دراغون” (HMS Dragon)، وتمركزت الغواصة النووية “إتش إم إس أنسون” (HMS Anson) في بحر العرب، بهدف ردع أي تهديد محتمل للملاحة الدولية في مضيق هُرمز، الشريان الحيوي للطاقة العالمية. 

هذا النهج يعكس سياسة لندن في الردع المدروس، التي توازن بين حماية خطوط الإمداد والتجارة الدولية، وبين تجنب الانزلاق في صراع بري قد يتسع بسرعة ويصبح مُستعصياً على السيطرة.

التباين في المواقف

تسلط تصريحات وزير الإسكان البريطاني ستيف ريد الضوء على التباين الاستراتيجي بين لندن وواشنطن. فقد أكد أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبَّر عن موقفه الشخصي عند تهديده بتدمير محطات الطاقة الإيرانية إذا لم تفتح مضيق “هُرمز” خلال 48 ساعة. وقال ريد: “الرئيس الأمريكي قادر تماماً على التعبير عن نفسه والدفاع عما يقوله… لن ننجر إلى الحرب، لكننا سنحمي مصالحنا في المنطقة ونعمل مع حلفائنا لتهدئة الوضع”.

يعكس هذا الموقف إدراك لندن لأهمية الحذر الاستراتيجي: فهي تسعى لحماية المصالح الحيوية، لكنها ترفض الانجرار وراء خطاب تهديدي قد يجرها إلى حرب هجومية غير محسوبة النتائج. ويستند هذا النهج إلى تجارب تاريخية، حيث سبق للندن اتخاذ مواقف مستقلة عن واشنطن خلال أزمات دولية، مثل حرب فيتنام، مع التركيز على المصالح الوطنية والتوازن السياسي.

صواريخ طويلة المدى

وفق تصريحات ريد، فإن إيران أطلقت صاروخين باليستيين باتجاه قاعدة “دييغو غارسيا” المشتركة بين بريطانيا والولايات المتحدة في وسط المحيط الهندي، لكن أحدهما أخفق في بلوغ هدفه، فيما جرى اعتراض الآخر. وتعد هذه المحاولة مؤشراً على امتلاك إيران لقدرات صاروخية أطول مدى مما كان يُعتقد سابقاً، وهو عامل جديد يضيف بُعداً استراتيجياً لتعقيدات المواجهة.

جزيرة “دييغو غارسيا”، ضمن أرخبيل تشاغوس، هي واحدة من القاعدتين الرئيسيتين التي سمحت لندن لواشنطن باستخدامهما في العمليات الدفاعية ضد إيران، إلى جانب قاعدة “فيرفورد” في جنوب غرب إنجلترا. ومن خلال هذه القواعد، تحقق المملكة المتحدة الردع الاستراتيجي، وتضمن حماية خطوط الملاحة الحيوية، من دون الانخراط في صراع هجومي مباشر قد يكون مكلفاً على الصعيدين العسكري والسياسي.

تواجه لندن على المستوى الداخلي، تحديات سياسية واقتصادية متعددة. فالمخاوف من ارتفاع أسعار الوقود واضطراب سلاسل الإمداد تتصاعد، كما يطالب البرلمان بتفويض واضح قبل أي توسيع محتمل للعمليات العسكرية. هذه الضغوط تؤكد أن أي قرار بتوسيع نطاق المشاركة يجب أن يستند إلى تقييم دقيق للتداعيات، بما يوازن بين حماية المصالح الوطنية وتجنب كلفة سياسية وشعبية كبيرة.

الدروس المستفادة: الحذر كأداة استراتيجية

اعتمدت المملكة المتحدة تاريخياً، سياسة مستقلة نسبياً عن الولايات المتحدة في الأزمات العالمية، مستفيدة من دروس التدخلات السابقة في العراق وأفغانستان وليبيا. فقد أظهرت أزمات سابقة أن الانخراط المباشر في صراعات هجومية، بعيداً عن وضوح الهدف السياسي، قد يؤدي إلى نتائج عكسية تشمل خسائر بشرية واقتصادية، وتفكك التحالفات الدولية.

الدرس البريطاني واضح، وهو أن الدفاع عن المصالح الحيوية يجب أن يتم بذكاء وحذر، وليس بالاندفاع وراء تهديدات أو وعود بتحقيق أهداف سياسية واسعة. وهذا النهج يجعل لندن شريكاً فعّالاً في الردع، من دون الانزلاق في مغامرات قد تعيد السيناريوهات السابقة.

تبرز المملكة المتحدة اليوم كشريك دفاعي رئيسي في مواجهة التهديد الإيراني، سواء عبر حماية الممرات المائية الحيوية أو تعزيز القدرات العسكرية في المنطقة. لكنها في الوقت نفسه تحافظ على خط فاصل واضح بين الدفاع والهجوم، رافضة الانجرار وراء أي خطة قد تؤدي إلى حرب هجومية واسعة.

تعكس سياسة “الانخراط بلا غرق” تجربة لندن في إدارة الأزمات الدولية، وتؤكد أن حماية المصالح الوطنية وحلفاء المملكة المتحدة يتطلب موازنة دقيقة بين الحزم والحذر، خصوصاً في منطقة الشرق الأوسط، حيث أي خطوة غير محسوبة قد تؤدي إلى تصعيد شامل. لقد اختارت لندن مساراً يحمي مصالحها، يدعم حلفاءها، ويضمن بقاءها خارج دائرة النزاع المباشر.