عثمان تزغارت
عثمان تزغارت

مقالات مشابهة

تقرير إخباري

ثالوث المدن والأرياف والضواحي.. قراءة في التحولات السياسية التي أفرزتها الانتخابات البلدية في فرنسا

عثمان تزغارت
عثمان تزغارت

تشكل الانتخابات البلدية في فرنسا محطة أساسية لفهم المزاج السياسي العام، باعتبارها الأقرب إلى المواطن والأكثر تعبيرًا عن التوازنات المحلية. وقد كشفت النتائج الأخيرة عن مشهد مُعقد يتجاوز مُجرد تنافس حزبي تقليدي، ليعكس انقسامات جغرافية واجتماعية واضحة بين المدن الكبرى والضواحي والمناطق الريفية.

في وقت حافظت فيه القوى التقليدية على مواقعها في المتروبولات الكبرى، برز صعود لافت لليمين المتطرف في الأطراف الريفية، مُقابل حضور متزايد لليسار الراديكالي في “أحزمة الفقر” في ضواحي المدن، ما يُكرّس صورة ثالوث سياسي وجغرافي يعيد رسم خريطة التوازنات في البلاد.

صورة واضحة لتحولات عميقة

تشكل نتائج الانتخابات البلدية الفرنسية الأخيرة صورة واضحة لتحولات عميقة في المشهد السياسي، حيث برز ما يمكن تسميته بالثالوث الفرنسي: فرنسا المدن الكبرى، فرنسا الضواحي، وفرنسا الريفية. ولم يعد هذا التقسيم مُجرد توصيف جغرافي، بل أصبح يعكس اختلافات سياسية واجتماعية متزايدة.

في المدن الكبرى، أظهرت النتائج نوعًا من الاستقرار، إذ تمكنت القوى التقليدية من اليسار واليمين الجمهوري من الحفاظ على مواقعها. فقد فاز الحزب الاشتراكي في باريس ومرسيليا وليل، بينما عزّز حزب الخُضر حضوره في ليون وغرونوبل، في حين احتفظت قوى اليمين المُعتدل بعدد من المدن مثل بوردو وتولوز وتولون. ويعكس هذا الاستقرار خصوصية هذه المدن، حيث يميل الناخبون إلى التركيز على قضايا التسيير المحلي والخدمات العامة والبيئة، أكثر من انجذابهم إلى الخطابات الاحتجاجية أو الشعبوية.

صعود يعكس تنامي شعور التَّهميش

في المقابل، شهدت المناطق الريفية والمدن المتوسطة تحولًا لافتًا مع التقدم الكبير الذي حققه حزب “التجمع الوطني”، إذ ارتفع عدد البلديات التي يديرها من 9 إلى 57. ويعكس هذا الصعود تنامي شعور التَّهميش لدى فئات واسعة من السكان في هذه المناطق. 

مع ذلك، بقي هذا التقدم محدودًا من حيث الحجم السكاني، حيث لم يتمكن هذا الحزب اليميني المتطرفة من الفوز بأي مدينة يتجاوز عدد سكانها 100 ألف نسمة، باستثناء حالات خاصة مثل بيربينيان، إضافة إلى نيس التي شهدت تحولًا سياسيًا بارزًا مع فوز الشعبوي المُثير للجدل إيريك سيوتيه على عمدة المدينة منذ 12 عامًا كريستيان إستروزيه. وهذا يبرز أن نفوذ الحزب يتركز أساسًا في الأطراف، بينما يظل ضعيفًا في المراكز الحضرية الكبرى.

أما في الضواحي، فقد برزت ديناميكية مختلفة، حيث تمكنت حركة “فرنسا الأبية” المصنّفة على أقصى اليسار من تحقيق حضور قوي في عدد من المدن، مثل سان دوني ولا كورنوف وكريل وفينيسيو. ويعكس هذا النجاح قدرة الخطاب الاجتماعي للحركة على استقطاب ناخبين في مناطق تعاني من صعوبات اقتصادية خانقة وتهميش حضري متزايد. 

طابع شعبوي مُثير للجدل

غير أن هذا التقدم النسبي لم يحدّ من العزلة التي يواجهها هذا الحزب بسبب مواقفه ذات الطابع الشعبوي المثيرة للجدل، مما شكّل حجر عثرة أمام مساعي توحيد قوى اليسار، إذ مُنيت التحالفات التي اُقيمت بين “فرنسا الأبية” وباقي مكونات اليسار، بين دورتي الانتخابات بفشل ذريع، حيث قوبلت القوائم المشتركة للحزب الاشتراكي و”فرنسا الأبية” برفض واضح من الناخبين في مدن معروفة بكونها ذات غالبية يسارية، مثل تولوز وكليرمون-فيران وتول. ما يعكس الهوة المتفاقمة بين “فرنسا الأبية” وباقي أحزاب اليسار  

في المجمل، تعكس هذه النتائج مشهدًا سياسيًا متباينًا، تتحكم فيه الخصوصيات الجغرافية والاجتماعية لكل منطقة، وتبرز من خلاله تحديات مُستجدة بالغة التعقيد تحد من قدرة الأحزاب على بناء خطاب موحد قادر على تجاوز الانقسام الثلاثي المتزايد بين المدن الضواحي والأرياف.