فصل المقال

4 أعمال عربية في نهائيات “جائزة الكتاب الوطني” الأمريكية.. العرب والمخيّلة الغربية: الكتاب بديلاً عن الإرهاب؟

عثمان تزغارت
عثمان تزغارت

من سمر يزبك وكريم قطّان إلى فادي جودة وعبد الرحمن الجندي، يفرض أربعة كتّاب من الفضاء العربي حضورهم على اللوائح الطويلة لجائزة الكتاب الوطني الأمريكية لعام 2026. حضور لا تصنعه «موضة» التنوع الثقافي والانتصارات لحقوق الأقليات وحدها، بقدر ما تصنعه الجغرافيا العربية المثقلة بالحروب والسجون والمنافي. والمفارقة أن ثلاثة من الكتب الأربعة تقود القارئ، بطريقة أو بأخرى، إلى فلسطين، فيما يأتي الرابع من زنزانة مصرية. كأن الأدب العربي لا يدخل اليوم إلى المشهد الثقافي الأمريكي من باب المخيلة وحدها، بل من بوابة تاريخ يشهد أشد لحظاته قسوة، متدثراً بعباءة تلك المفارقة الأزلية القائلة بأنه كلَّما ضاقت مساحة الحياة، اتسعت مساحة الحكاية.

ليس ثمة ما يدعو إلى الفرح حين تكون الطريق إلى الجوائز الأدبية العالمية مفروشة بالركام. ومع ذلك، يصعب ألا نتوقف أمام الحضور العربي اللافت في اللوائح الطويلة لـ «جائزة الكتاب الوطني» الأمريكية لعام 2026. ففي الأدب المترجم يظهر أسما السورية سمر يزبك والفلسطيني كريم قطّان، وفي الشعر يحضر الفلسطيني الأمريكي فادي جودة، بينما يصل المصري عبد الرحمن الجندي إلى لائحة الكتاب غير الروائي بمذكراته عن الثورة والسجن في مصر.

ليست المسألة مجرد أربعة أسماء عربية شقت طريقها إلى قلوب وعقول لجان التحكيم الأميركية. فهذه الكتب الأربعة، حين توضع إلى جوار بعضها، تبدو وكأنها ترسم – من دون اتفاق مسبق – صورة مصغرة للراهن العربي: ثلاثة منها تتصل بفلسطين، اثنان يضعان غزة في قلب النص، فيما يأتي الرابع من مصر مُحملاً بذاكرة القمع والاعتقال.

هكذا يبدو المشهد الثقافي العربي، حتى في لحظة الاحتفاء به، محكوماً بجغرافيته الجريحة. سمر يزبك، التي حققت منذ سنوات حضوراً دولياً مهماً في الحقل الروائي، تطلّ هذه المرة بكتاب مختلف عن أعمالها الروائية. ففي «ذاكرة النقصان» لا تقتحم الكاتبة على الغزيين حياتهم لتروي بالنيابة عنهم، بقدر ما تتراجع خطوة إلى الخلف لكي تترك غزة تتحدث عن نفسها بنفسها.

الترجمة الإنجليزية للكتاب، التي أنجزتها ليري برايس، حملت عنوان Your Presence Is a Danger to Your Life: Voices of Survival and Witness in Gaza (وجودك خطر على حياتك: أصوات الناجين والشهود في غزة). وقد وصل الكتاب إلى اللائحة الطويلة للأدب المترجم إلى جانب تسعة أعمال أخرى.

هنا تتحول الكتابة إلى شيء يشبه الأرشيف الطارئ. ففي الحروب الكبرى، لا يكون الموت وحده هو المشكلة. ثمة شيء لا يقل خطورة، وإن كان أقل ظهوراً: أن يتحول الذين ماتوا والذين نجوا إلى مجرد أرقام. فالرقم لديه قدرة رهيبة على اختصار المأساة. عشرة قتلى، مئة قتيل، ألف مهجّر… ثم يأتي رقم آخر في اليوم التالي ليزيح الرقم السابق. وهكذا تستطيع نشرات الأخبار أن تهضم الكارثة، بينما يعجز المرء عن تخيّل حياة كاملة تتخفى وراء كل رقم. كتاب سمر يزبك يفعل العكس: يعيد إلى الرقم اسمه، وإلى الاسم صوته، وإلى الصوت حكايته.

وإذا كانت يزبك تدخل فلسطين من بوابة الشهادة، فإن كريم قطّان يدخلها من أكثر الأبواب حميمية: الحب. روايته «عدن عند الفجر»، التي كتبها أصلاً بالفرنسية ونقلها جيفري زوكرمان إلى الإنجليزية، وجدت هي الأخرى مكاناً في اللائحة الطويلة للأدب المترجم. عند قطّان فلسطين ليست مجرد «قضية». ولعل هذه إحدى فضائل الأدب الأساسية. فإذا كان السياسة تحب القضايا الكبرى والخطب الرنانة، فإن الرواية تحب البشر وتفاصيل حياتهم الصغيرة.

تنطلق الرواية من علاقة حب مثالية فلسطينية في فضاء لا يستطيع فيه الحب أن ينجو من ثقل المكان والتاريخ والحرب والهوية. وحين تقف القدس في خلفية الحكاية، يصبح من الصعب أن يظل أي شيء شأناً شخصياً خالصاً. حتى الحب، ذلك السر الصغير الذي يفترض أن يخص شخصين فقط، يجد نفسه في مواجهة التاريخ وتحت وطأته.

عند يزبك وقطّان تتحرك فلسطين بين حدين: الموت والرغبة في الحياة. أما عند فادي جودة، الطبيب والشاعر الفلسطيني – الأمريكي، فإنها تنفذ إلى اللغة الإنجليزية من بوّابة الشعر. يعود جودة إلى جائزة الكتاب الوطني بعد أن كان قد بلغ نهائياتها عام 2024، لكنه هذه المرة يخوض السباق بكتاب يصعب اختزاله في صنف أدبي أو فني واحد: Exhibit G: Poems, Essays, and Photographs of Gaz (المعروض G: قصائد ومقالات وصور فوتوغرافية من غزة) يجمع بين القصيدة والمقال والصورة الفوتوغرافية. لكنه يبقى كتابا شاعرياً بامتياز، بالرغم من قوالبه التجريبية وما يثقل مضمونه من عنف وقسوة ودمار. وقد اختير ضمن عشرة أعمال في لائحة الشعر من أصل 285 كتاباً مقدماً للجائزة.

أما الكتاب العربي الرابع فيأتي من جغرافيا أخرى، وإن لم تكن بعيدة تماماً عن عوالم العنف والقمع. المصري عبد الرحمن الجندي يدخل اللائحة الطويلة للكتاب غير الروائي بسيرة ذاتية تحمل عنوان Huna: A Memoir of Revolution Prison, and Becoming (هنا: مذكرات عن الثورة والسجن ورحلة التكوين). فيها يستعيد قصة اعتقاله مع والده بعد الثورة المصرية، والسنوات الست التي أمضاها في السجن. ويقّدم ناشره الأمريكي “المؤسسة الوطنية للكتاب” العمل بوصفه حكاية عن المقاومة والبقاء والتحرر في مواجهة التسلّط.

عنوان الكتاب وحده يستحق التأمل: فليس ثمة كلمة أكثر التصاقاً بالسجين من «هنا». الإنسان الحر يستطيع أن يقول: هناك، وغداً، وبعد قليل، وفي مدينة أخرى. أما السجين فالعالم كله يُختزَل بالنسبة له في ظرف مكان واحد: هنا!

لكن الكتابة تستطيع أن تقلب المعادلة: السجين الذي حُكم عليه بتلك الـ «هنا»، حين يخرج من سجنه ينقل «هناه» إلى العالم أجمع.

ولا شك أن قراءة هذا الحضور العربي اللافت في جائزة الكتاب الوطني الأمريكية باعتباره مجرد انتصار رمزي لـ«الأدب العربي» قد تحجب السؤال الأكثر أهمية: لماذا هذه الكتب تحديداً؟ فالأدب لا يخترع دائماً موضوعاته. كثيراً ما تتكفل أنظمة القمع بذلك.

ثلاثة من الأعمال الأربعة تقود إلى فلسطين، بينما يأتي الرابع من مرارة تجربة الثورة والسجن في مصر. وهذا التركيز على ثيمة القمع لا يكشف فحسب بعضاً من خصوصيات اللحظة الثقافية الأميركية، التي تهمين عليها «موضة» التنوع الثقافي والانتصار لحقوق الأقليات، بقدر ما يكشف التحوّلات الراهنة للأدب العربي نفسه.

دور النشر في الغرب لا تعمل من فراغ، والجوائز لا تقرأ الكتب خارج سياق التاريخ. هناك قارئ أمريكي تغيّرت علاقته بالشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة، مع بروز نقاش سياسي وأخلاقي واسع حول غزة وفلسطين، وجامعات وصحف ومؤسسات ثقافية أصبحت المنطقة بالنسبة إليها أشبه بشأن داخلي أمريكي، ولم تعد مجرد خبر بعيد يأتي من وراء البحار

لكن اختزال هذه الأعمال العربية في علاقتها بالراهن السياسي ليس منصفاً على الصعيد الأدبي. فالكتاب الذي يعيش فقط بفضل الحدث الذي يواكبه، غالباً ما يموت فور انقضاء ذلك الحدث. ما يمنح أعمال يزبك وقطّان وجودة والجندي أهميتها ليس مضمونها فقط، بل أيضا نجاحها في تحويل المادة الساخنة للتاريخ إلى أشكال مختلفة من الكتابة: الشهادة عند يزبك، والرواية عند قطّان، والمزج بين الشعر والمقال والصورة عند جودة، والسيرة الذاتية عند الجندي.

نحن أمام أربعة كتّاب وأربع طرائق مختلف لمواجهة السؤال نفسه تقريباً: ماذا تستطيع الكتابة أن تفعل أمام عالم يملك من أدوات العنف والقتل أكثر بكثير مما يمتلك من مقومات الحياة؟

لا توقف القصيدة قنبلة. ولا تكسر الرواية حاجزاً. ولا تفتح المذكرات باب زنزانة. ولا يعيد تدوين الشهادات من ماتوا إلى الحياة. لكن للأدب مفعول غير ظاهر للعيان لا تتكشّف آثاره إلا على المدى الطويل: منع الرواية الرسمية المهيمنة من أن تكون الرواية الوحيدة أو النهائية.

لذا، فالحضور العربي في جائزة الكتاب الأمريكية هذا العام أكبر من مجرد أربعة أسماء نجحت في عبور غربال لجان التحكيم. إنه وصول لذاكرة عربية كاملة إلى قلب المؤسسة الأدبية في واشنطن: فلسطينيان يحبان بعضهما تحت الاحتلال، وغزّي يحاول النجاة، وشاعر يجمع بين الكلمات والصور كي لا تُختزل المأساة إلى مجرد أرقام، وسجين مصري يخرج من زنزانته مشهراً “هناه” الضيقة في وجه العالم بأسره.

كأن العرب، بعد كل تلك العقود التي دخلوا فيها المخيلة الغربية عبر نشرات الحروب وتقارير الإرهاب وأزمات اللاجئين، وجدوا هذه المرة باباً آخر للدخول: المكتبة. وباب المكتبة حتماً أضيق من شاشة التلفزيون، لكن ميزته أنه يبقى مفتوحاً – في الضمير والوجدان الإنساني – لمدة أطول بكثير.