فصل المقال

أوروبا على صفيح الجوع: هل تعصف “ثورات الخبز” بالقارة العجوز مجدداً؟

عثمان تزغارت
عثمان تزغارت

من نساء فرساي (1789) إلى شباب باريس (2026)، ومن انتفاضات الخبز إلى احتجاجات الغلاء والسكن والتعليم، يبدو أن التاريخ الأوروبي يستعيد إحدى أقدم مفارقاته: حين تصبح الحياة أغلى من قدرة الناس على احتمالها، يتحول الخوف من الجوع إلى غضب سياسي، ويقود الغضب إلى ثورة. فهل ما تشهده أوروبا اليوم أزمة معيشية عابرة، أم أن العقد الاجتماعي الذي قامت عليه ديمقراطيات الرفاه بدأ يتصدع؟

ثمّة شبح يجوب أوروبا هذه الأيام. لكنه ليس شبح الشيوعية الذي بشّر به كارل ماركس وفريدريك إنجلز قبل نحو قرنين، بل شبحٌ أكثر بدائية وأشد قدرة على إثارة الفزع: شبح الجوع! أو بالأحرى، شبح الفقر الذي يتسلَّل إلى مجتمعات اعتقدت طويلاً أنها ودّعت الحاجة والعوَز، ونجحت في تحويل الخبز والسكن والتعليم والصحة من امتيازات طبقية إلى حقوق اجتماعية مكتسبة ومستدامة.

من باريس إلى بروكسل، ومن ميلانو إلى لشبونة، تخرج الحشود إلى الشوارع، احتجاجاً على الغلاء وتآكل القدرة الشرائية وتدهور الخدمات العامة. ولا يطالب المتظاهرون، حتى الآن، بإسقاط الرأسمالية أو إقامة ديكتاتورية البروليتاريا، كما كان يحلم ثوار القرن التاسع عشر. إنهم يطالبون، ببساطة، بأن تسمح لهم أجورهم بالعيش الكريم، وأن يتمكن أبناؤهم من الدراسة في مدارس لائقة، وأن يجد الشباب سقفاً يأويهم من دون الاضطرار إلى رهن مستقبلهم لدى المصارف.

يا لها من مطالب ثورية خطيرة في قارة تتباهى بأنها أغنى مناطق العالم وأكثرها تقدماً في حماية الحقوق الاجتماعية!

في السابع عشر من أكتوبر الجاري، شهدت فرنسا واحدة من أعنف موجات الاحتجاج الاجتماعي منذ سنوات، بمشاركة أكثر من 550 ألف متظاهر، وفق أرقام وزارة الداخلية. وامتدت الاحتجاجات إلى بلجيكا وإيطاليا والبرتغال، وإن كانت التحركات منفصلة تنظيمياً ومتفاوتة في مطالبها وأحجامها. وتحولت بعض المظاهرات إلى مواجهات عنيفة مع الشرطة، وأعمال تخريب ونهب وإحراق مبانٍ عامة، بما حجب الأنظار عن بقية التجمعات السلمية وعن مطالبها الفعلية.

في فرنسا، كانت الشرارة الأولى أزمة المدارس العمومية، قبل أن تتسع الاحتجاجات لتشمل غلاء المعيشة وتراجع الخدمات الاجتماعية. أما في البرتغال، فتصدرت أزمة السكن وضعف الأجور المشهد، بينما تداخل الغضب المعيشي في إيطاليا وبلجيكا مع احتجاجات الشباب والطلاب.

والمفارقة أن القارة الأوروبية التي أمضت قروناً في تعليم العالم فضائل الديمقراطية الاجتماعية تجد نفسها اليوم مضطرة إلى إعادة اكتشاف إحدى أبسط قواعد السياسة: لا يكفي أن تمنح المواطن حق التصويت كل خمس سنوات، إذا كنت عاجزاً عن ضمان شروط عيشه الكريم طوال السنوات الفاصلة بين اقتراعين.

حين اقتحمت المجاعة قصر فرساي

ليست هذه المرة الأولى التي يتحول فيها الخبز إلى قضية سياسية تهدد استقرار أوروبا. في الخامس من أكتوبر 1789، خرجت آلاف النساء من أسواق باريس، غاضبات من ندرة الخبز وارتفاع أسعاره، وسِرن نحو قصر فرساي. لم تحمل المتظاهرات بياناً فلسفياً مستوحى من روسو، ولا مشروع دستور مستنبطاً من أفكار مونتسكيو. كُنَّ يُرِدْنَ الخبز. لكن مسيرتهن ساهمت في إجبار لويس السادس عشر على الانتقال إلى باريس، حيث أصبح الملك أقرب إلى أعين الثورة وأقل قدرة على الاحتماء بعزلة القصر.. وهو ما عجّل بإطاحته.

وهكذا، بينما كان فلاسفة الأنوار قد أمضوا عقوداً في تقويض الأسس الفكرية للحكم المطلق، جاءت أزمة الخبز لتمنح الغضب الشعبي قوة دفع حاسمة عجّلت بتقويض الاستبداد.

قبل ذلك بأربعة عشر عاماً، وتحديداً في سنة 1775، شهدت فرنسا ما عُرف بـ “حرب الدقيق”، عندما أثار تحرير تجارة الحبوب وارتفاع الأسعار موجة اضطرابات اجتاحت مناطق واسعة من المملكة. وقد نجحت السلطة الملكية آنذاك في قمع الانتفاضة، لكنها فشلت في استخلاص الدرس الأساسي: يمكن قمع الجائع، لكن لا يمكن إقناعه بأن الجوع مجرد سوء فهم! لذا كانت ثورة 1789 حتمية تاريخيّة.

في عام 1848، عادت الأزمة الغذائية لتؤدي دوراً في تفجير الثورات الأوروبية، بعدما تسببت سنوات من المحاصيل السيئة في ارتفاع الأسعار والبطالة والتفاوت الاجتماعي. ومن باريس إلى فيينا وبرلين، تحوَّلت المطالب المعيشية إلى انتفاضات دستورية وقومية أطاحت حكومات وزعزعت عروشاً.

ثم جاء فبراير 1917، عندما خرجت عاملات النسيج في بتروغراد الروسية احتجاجاً على نقص الخبز وتدهور ظروف المعيشة. ولم تكن تلك المظاهرات سوى الشرارة التي أشعلت الثورة البلشفية، التي أنهت ثلاثة قرون من الحكم القيصري لسلالة رومانوف.

والمفارقة التاريخية أن الثورة التي بدأت مطالبها بالخبز انتهت، بعد أشهر، بوصول البلاشفة إلى السلطة، ليدخل الروس تجربة سياسية جديدة لم تنجح بدورها في حمايتهم من المجاعات والقمع.

إنها إحدى سخريات التاريخ الكبرى: قد تسقط الشعوب حكامها لأنها جائعة، ثم تكتشف أن الثوار الذين وعدوها بالخبز لا يجيدون، بعد انتصارهم، سوى توزيع الشعارات!

تطور مفهوم الجوع

المقارنة بين أوروبا اليوم وأوروبا القرنين الثامن عشر والتاسع عشر تستدعي الانتباه إلى تحول جوهري؛ فالمحتجون الأوروبيون لا يعانون، في غالبيتهم، من المجاعة بالمعنى الحرفي للكلمة. وليس المشهد الراهن تكراراً لطوابير الخبز التي عرفتها باريس الملكية أو بتروغراد القيصرية.

الجوع المعاصر أكثر تعقيداً، إنه جوع اقتصادي واجتماعي يتخذ شكل العجز عن تأمين الحاجات الأساسية، رغم العمل والإنتاج والانتماء إلى مجتمعات غنية. فقد بات الناس أكثر حدّة في الدفاع عن حقها في العيش الكريم، من منطلق أنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان. ففي أوروبا اليوم، قد يكون المواطن موظفاً يتقاضى راتباً منتظماً، مع ذلك، يعجز عن استئجار شقة مستقلة، أو تسديد فواتير الطاقة، أو توفير تعليم مناسب لأطفاله.

وتكشف البيانات الاقتصادية حجم هذا التحول. فبحسب بيانات المكتب الأوروبي للإحصاء، ارتفعت أسعار المواد الغذائية والمشروبات غير الكحولية في الاتحاد الأوروبي بنحو 34% في أغسطس/آب 2026، مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2021. كما تراجعت الأجور الحقيقية المتوسطة في إيطاليا بنحو 5% بين عامي 2000 و2025، بينما ازدادت صعوبة الحصول على السكن في بلدان عدة، ولا سيما البرتغال وإسبانيا.

والأخطر، أن تباطؤ التضخم لا يعني عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة. فحين يرتفع ثمن الخبز بنسبة كبيرة، ثم يتباطأ معدل ارتفاعه، لا يصبح الخبز أرخص، بل يواصل استنزاف ميزانية الأسرة، وإن بوتيرة أبطأ. إنها المعادلة التي تبدو بسيطة للمستهلك، لكنها تزداد تعقيداً حين يتناولها الخبراء الاقتصاديون: الأرقام تتحسن في التقارير، بينما تستمر الحياة في التدهور داخل البيوت.

لعل أبرز تحول في هذه الموجة الاحتجاجية أن الشباب أصبحوا في طليعة الغاضبين، فالمشكلة لم تعد مقتصرة على الفقراء الذين يخشون الجوع، بل امتدت إلى أجيال تخشى ألا تتمكن من بلوغ المستوى المعيشي الذي تمتع به آباؤها. هنا تحديداً، ينتقل الاحتجاج من أزمة أسعار إلى أزمة مستقبل.

الرفاه بوصفه حقاً أبدياً

لقد قامت شرعية الأنظمة الديمقراطية الأوروبية، بعد الحرب العالمية الثانية، على عقد اجتماعي يختلف جذرياً عن ذلك الذي عرفته المجتمعات الأوروبية في عصر الثورات الكبرى. فالدولة الحديثة لم تعد تكتفي بحماية الحدود وضمان الأمن وتحصيل الضرائب، بل أصبحت مطالبة بتوفير التعليم والصحة والتقاعد والحماية الاجتماعية، وبضمان قدر من العدالة في توزيع ثمار النمو الاقتصادي.

كان ذلك أحد أهم إنجازات دولة الرفاه، التي نجحت لعقود في التوفيق بين اقتصاد السوق والديمقراطية السياسية والسلم الاجتماعي. لكن هذه المعادلة بدأت تتعرض للاهتزاز تحت تأثير سلسلة من الصدمات المتعاقبة: الأزمة المالية العالمية سنة 2008، ثم جائحة كورونا، والحرب الروسية في أوكرانيا، وأخيراً الاضطرابات الجيوسياسية في الشرق الأوسط التي قفزت بأسعار الطاقة والتبادلات التجارية إلى مستويات قياسية، في وقت تعاني فيه حكومات أوروبية عديدة من ضيق هامش الإنفاق العام وارتفاع المديونية.

هكذا، أصبحت السلطات الأوروبية محاصرة بين معادلتين متناقضتين: الأسواق المالية تطالبها بتقليص العجز والإنفاق، والمواطنون يطالبونها بزيادة الأجور وتحسين الخدمات والدعم الاجتماعي. أما الحكومات، فتبدو كمن يحاول إرضاء طرفين يتنازعان رغيف الخبز نفسه، مع الحرص على ألا يغضب الخباز!

والحال أن خطورة الأزمة لا تكمن في ارتفاع الأسعار فحسب، بل في اهتزاز الثقة بقدرة الديمقراطية على حماية المكتسبات الاجتماعية التي منحتها شرعيتها التاريخية. فعندما يشعر المواطن بأن الحكومات تتعاقب، والانتخابات تتكرر، والبرامج السياسية تتبدل، بينما تستمر ظروفه المعيشية في التدهور، يصبح السؤال المطروح أكثر خطورة من مجرد المطالبة برفع الأجور: ما جدوى الديمقراطية إذا كانت عاجزة عن توفير العيش الكريم وتحسين الحياة اليومية؟

وهذا المعطى تحديداً هو الذي يُقوي شوكة التيارات الشعبوية التي تجد نفسها في أفضل موقع للاستثمار في تراجع الثقة بالديمقراطية، للانقضاض على دولة القانون وتقويض مؤسساتها.

من ثورات الجياع إلى ثورات الغاضبين

لعل أبرز درس تقدمه التجارب التاريخية أن الاحتجاجات المعيشية لا تؤدي بالضرورة إلى انتصار القوى السياسية التي تتبنّى المطالب الاجتماعية. فالثورة الفرنسية التي بدأت بسبب أزمة الخبز، انتهت إلى صعود نابليون بونابرت كإمبراطور متفرد بالحكم. والثورة الروسية التي انطلقت شرارتها من طوابير المخابز، أفضت إلى قيام نظام شمولي جديد. أما انتفاضات الخبز التي شهدتها مصر سنة 1977 وتونس سنة 1984، فقد نجحت في انتزاع تنازلات اقتصادية من السلطات، لكنها لم تؤد إلى إسقاط النظامين.

وفي الجزائر، تحوّلت انتفاضة أكتوبر 1988، التي غذّتها البطالة والتدهور المعيشي والانسداد السياسي، إلى منعطف تاريخي أنهى احتكار الحزب الواحد للحياة السياسية. غير أن الانفتاح الذي أعقبها لم يمنع البلاد من الانزلاق لاحقاً إلى واحدة من أكثر مراحل تاريخها دموية.

وفي السودان، بدأت احتجاجات ديسمبر 2018 على خلفية ارتفاع أسعار الخبز، لكنها انتهت بعد أشهر بإطاحة عمر البشير. ولم يكن سقوط الرئيس كافياً لضمان انتقال ديمقراطي مستقر، كما أظهرت المآلات المأساوية اللاحقة.

ثمّة قانون سياسي غير مكتوب يتكرر عبر التاريخ: الغضب الاجتماعي قادر على إسقاط السلطة، لكنه لا يضمن بالضرورة أن تكون السلطة التي تقوم على أنقاضها أكثر عدلاً أو ديمقراطية.

وهنا يكمن الخطر الأكبر الذي تواجهه أوروبا اليوم. ففي فرنسا، تبدو موجة الاحتجاجات الحالية مرشحة للتأثير في الانتخابات الرئاسية المقررة في إبريل/نيسان 2027، حيث يسعى كل من اليمين المتطرف بقيادة مارين لوبان واليسار الراديكالي بقيادة جان لوك ميلانشون إلى استثمار الغضب الشعبي.

لكن المعادلة ليست متكافئة بالضرورة. فبينما يسعى اليسار الراديكالي إلى ترجمة الاحتجاجات إلى مطالب بإعادة توزيع الثروة وتوسيع الحماية الاجتماعية، يحاول اليمين المتطرف الجمع بين خطاب الدفاع عن القدرة الشرائية ووعد استعادة الأمن والنظام.

اللافت، أن ارتفاع أسعار الطاقة بات يمنح اليمين المتطرف زخماً انتخابياً إضافياً، خصوصاً بين سكان المناطق الريفية وشبه الريفية المعتمدين على السيارات، بينما تسمح مشاهد العنف والتخريب للوبان بتقديم نفسها بديلاً قادراً على إعادة فرض سلطة الدولة.

وهنا تظهر إحدى أخطر مفارقات الانتفاضات الاجتماعية: قد يخرج الناس إلى الشوارع احتجاجاً على الظلم الاقتصادي، لكن مشاهد الفوضى التي ترافق بعض المظاهرات قد تدفع جزءاً آخر من المجتمع إلى التصويت لمصلحة القوى الأكثر تشدداً في خطابها الأمني.

بعبارة أخرى، قد يبدأ الاحتجاج ضد الأغنياء وينتهي، انتخابياً، لمصلحة اليمين المتطرف الذي يتسلق إلى السلطة بفضل الناخبين الخائفين من الفوضى، وغالبتهم من الفقراء لا من الأغنياء الذين تستهدفهم الاحتجاجات!

لا يمثل صعود اليمين المتطرف إلى الحكم حتمية تاريخية. فنتائج الانتخابات ستتوقف على فحوى البرامج السياسية وقوة التحالفات ومدى قدرة القوى الديمقراطية المعتدلة على استعادة ثقة الناخبين، وإقناعهم بأن الخوف لا يجب أن يكون المحرّك الأبرز أو الوحيد للتصويت. لكن احتمالات الانزلاق تصبح أكبر عندما يتزامن الغضب الاجتماعي مع أزمة تمثيل سياسي واستقطاب أيديولوجي حاد، بما يجعل فوز القوى المعتدلة أشبه بحلقة جديدة من سلسلة أفلام “مهمة مستحيلة”!

عودة شبح 1848

ثمّة أوجه شبه لافتة بين أوروبا اليوم وأوروبا التي شهدت ثورات 1848. آنذاك، لم تكن القارة تواجه أزمة غذائية فحسب، بل كانت تعاني أيضاً أزمة شرعية سياسية. فقد عجزت الملكيات المحافظة عن الاستجابة للتحولات الاجتماعية والاقتصادية التي أحدثتها الثورة الصناعية، فيما كانت طبقات جديدة تطالب بالتمثيل السياسي والعدالة الاجتماعية.

اليوم، تبدو أوروبا أمام تحول تاريخي مختلف في أسبابه، لكنه مشابه في بعض نتائجه. الثورة الرقمية والعولمة والتحولات الديموغرافية وإعادة تشكيل أسواق العمل تخلق أشكالاً جديدة من التفاوت الاجتماعي، بينما تعجز الأحزاب التقليدية، في نظر قطاعات متزايدة من الناخبين، عن تقديم إجابات مقنعة.

والأخطر أن الأحزاب التي حكمت أوروبا طوال العقود الماضية تجد نفسها أمام أزمة مزدوجة: تراجع الثقة في قدرتها على إدارة الاقتصاد، وتآكل قدرتها على تمثيل المصالح الاجتماعية للفئات التي كانت تشكل قواعدها الانتخابية.

في المقابل، تقدم التيارات الشعبوية وصفات سياسية جاهزة، تقوم على تبسيط الأزمات المعقدة واختزالها في شمّاعات يسهل تحميلها المسؤولية: المهاجرون، والنخب المالية، والمؤسسات الأوروبية، والعولمة، أو السياسات الخارجية المكلفة.

بذلك، يتحول الغضب المعيشي إلى مادة خام لصراعات الهوية والسيادة والشوفينيات القومية. واللافت، أن هذا التحول يتجاوز الانقسامات التقليدية بين اليمين واليسار. فالأحزاب الشعبوية على طرفي الطيف السياسي تتنافس على تقديم نفسها باعتبارها المدافع الحقيقي عن الفئات الشعبية، ولو اختلفت جذرياً في تعريفها لأسباب الأزمة والحلول المقترحة لها.

لذا، فإن أخطر ما قد تواجهه الديمقراطيات الأوروبية ليس عودة المجاعة بمعناها الحرفي، بل عودة الظروف السياسية التي تجعل الخوف الاجتماعي وقوداً للتطرف. بما يجعل الخوف من الجوع عاملاً في تغذية جوع التيارات الشعبوية نفسها للسلطة.

هل يعني ذلك أن “ثورة الجياع” الجديدة ستعصف بالأنظمة القائمة في أوروبا؟ ليس بالضرورة. فالمجتمعات الأوروبية المعاصرة ما زالت تمتلك مؤسسات ديمقراطية ونقابات ومنظومات حماية اجتماعية وقدرات اقتصادية لا يمكن مقارنتها بالأوضاع التي عرفتها فرنسا سنة 1789 أو روسيا في 1917. كما أن الاحتجاجات الحالية، رغم اتساعها وتزامنها، لا تشكل حركة ثورية أوروبية موحدة، ولا تتبنّى مشروعاً سياسياً مشتركاً لإسقاط الأنظمة.

لكن اختزالها في مجرد اضطرابات عابرة سيكون خطأً سياسياً لا يقل خطورة عن المبالغة في تصويرها مقدمة حتمية لثورات شاملة. فالتاريخ يعلمنا أن الثورات لا تبدأ دائماً بمطالب ثورية، قد تنطلق من قضية محدودة قبل أن تتسع بفعل تراكم الغضب وعجز السلطات عن الاستجابة.

لم تخرج نساء باريس سنة 1789 للمطالبة بإعدام الملك، كما لم تخرج عاملات بتروغراد سنة 1917 وهن يحملن مشروعاً لإقامة دولة بلشفية.

وفي أوروبا المعاصرة، لا يطالب معظم المتظاهرين بإلغاء الديمقراطية، بل بتفعيل وعودها الاجتماعية. غير أن استمرار عجز الحكومات عن الاستجابة قد يحوّل خيبة الأمل في السياسات العامة إلى خيبة أمل في النظام السياسي نفسه.

وهنا تكمن نقطة التحول الحاسمة: اللحظة التي يتوقف فيها المواطن عن الاعتقاد بأن الانتخابات قادرة على تغيير حياته، ويبدأ البحث عن بدائل خارج قواعد اللعبة الديمقراطية.

الديمقراطية لا تموت بسبب ارتفاع سعر الخبز، لكنها قد تتعرض للتآكل عندما يصبح الخبز أغلى، والأجور أضعف، والأمل أقل، بينما يواصل السياسيون تراشق الاتهامات من فوق المنابر الانتخابية.

في نهاية المطاف، ما يتسبب في تآكل أسس الأنظمة الديمقراطية هي أزمة الثقة، لا أزمة الأسعار وحدها. وربما يجدر بحكام أوروبا أن يُعيدوا قراءة تاريخ الثورات التي صنعت قارتهم، بدلاً من الاكتفاء بمتابعة مؤشرات البورصة وتقارير وكالات التصنيف الائتماني.

ففي سنة 1789، كان لويس السادس عشر يملك قصراً عظيماً وحاشية مترفة وجيشاً قوياً، لكنه لم يكن يملك جواباً مقنعاً عن سؤال بسيط طرحته نساء فيرساي: أين الخبز؟

واليوم، تملك الحكومات الأوروبية مصارف مركزية وخبراء اقتصاد ومؤسسات إحصاء وخوارزميات قادرة على توقع حركة الأسواق، لكنها تبدو أقل قدرة على الإجابة عن سؤال راهن لا يقل بساطة عن سؤال نساء فيرساي: ماذا يفعل مواطن يعمل طوال الشهر ويجد نفسه عاجزاً عن العيش من أجر عمله؟

تغيرت أسماء الحكام، وتبدلت الأنظمة، وانتقلت أوروبا من الملكيات المطلقة إلى الديمقراطيات البرلمانية. لكن درس التاريخ بقي على حاله: حين يفقد الناس الثقة في قدرة السلطة على ضمان العيش الكريم، تصبح شرعية الأنظمة القائمة عرضة للاهتزاز.

فالخبز وحده لا يصنع الثورات، لكنه كثيراً ما يمنحها شرارتها الأولى. أما الذين يشعلون الحرائق الكبرى، فهم في الغالب أولئك الحكام الذين يعتقدون أن بوسعهم تجاهل الجوع على أمل أنه قد يختفي من تلقاء نفسه!