فصل المقال

بارديلا في مدرسة ترامب: الشك أساس الـ (لا) يقين!

عثمان تزغارت
عثمان تزغارت

من “الشكّ الانتهازي” إلى “الحقائق البديلة”، تكشف الاتهامات الموجهة إلى رئيس حزب التجمع الوطني الفرنسي اليميني المتطرف، جوردان بارديلا، بشأن منشورات معادية للسامية منسوبة إليه، عن إشكالية تتجاوز شخصه أو حزبه، لتلامس واحدة من أبرز ظواهر الشعبوية السياسية المعاصرة: الصراع على إعادة تعريف الحقائق، واللجوء إلى الإنكار والتشكيك لبناء واقع مواز قائم على الأوهام والمغالطات.

كان عرّاب الفكر العقلاني المؤسّس لعصر الأنوار، الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت، يقول: “أنا أفكر، إذن أنا موجود”. وبعد أربعة قرون، يبدو أن عالم السياسة في الديمقراطيات الغربية اكتشف أن هذه المقولة المرجعية بالإمكان تعديلها، لتصبح: “أنا أُنكر، إذن أنا بريء”!

والحديث عن الديمقراطيات هنا من منطلق أنها – على رأي ونستون تشرشل – أسوأ الأنظمة على الإطلاق، إذا استثنينا كل أصناف الأنظمة الأخرى. فالأنظمة غير الديمقراطية لديها ميزة لا تضاهى: في نظام دكتاتوري، لا حاجة للمتّهم لأن يثبت براءته أصلاً.. إذا كان في موقع سلطة!

في زمن الشعبوية الرقمية، التي تنخر الديمقراطيات الغربية من الداخل، لم تعد مواجهة الاتهامات المُحرجة تتطلب بالضرورة تفنيد الأدلة، أو تقديم أدلة مضادة يمكن التحقّق منها. يكفي التشكيك في كل شيء: الوثائق، والشهود، والصحافيين، ووسائل التحقّق ذاتها. وما إن تتكاثر الشكوك حتى يصبح بوسع المتلقي أن ينتقي منها ما يناسب قناعاته المسبقة، لتضيع معالم الحقيقة في مهبّ وجهات النظر.

تجسدت هذه الظاهرة بوضوح من خلال الجدل الذي أثير مؤخراً حول جوردان بارديلا، إثر تسريبات صحفية نُسبت إليه تتضمن رسائل ومنشورات تعود إلى عام 2013، تتضمن عبارات معادية للسامية، وترويجاً لنظريات المؤامرة المتعلقة بالهيمنة المالية المزعومة لليهود.

نفى بارديلا صحة تلك المنشورات، وقال إنه سيتقدّم بشكوى قضائية بتهمة القذف والتشهير، فيما تحدثت مارين لوبان عن مؤامرة تستهدف حزبها. لكن اللافت أن الجدل تجاوز القواعد المتعارف عليها في مجال فحص الحقائق، على ضوء الأدلة المنشورة، للتحقق من مدى صحتها وجديتها. وطاول التشكيك ماهية الدليل في حد ذاته، في محاولة لإنكار أهلية الأدلة – حين تكون صحيحة – لتشكّل وسيلة دامغة لإثبات الحقائق!

جرت العادة أن يدافع المتهم عن نفسه بالسعي لدحض الأدلة ونفي صحتها. فإذا نجح في إثبات زيف الأدلة أو ضعفها، تسرّب الشك إلى التهم الموجهة إليه، بما يرجّح كفة براءته. أما في عالم “ما بعد الحقيقة”، فلا حاجة لدحض الأدلة أو التشكيك فيها: يكفي القول بأن الأدلة المقدمة لا تثبت شيئاً، حتى لو كانت دامغة وصحيحة!

“الهجوم على الحقيقة” 

قبل عام من انفجار قضية بارديلا، كان عالم الاجتماع الفرنسي جيرالد برونر قد أصدر عن دار “المنشورات الجامعية الفرنسية” كتاباً بعنوان “الهجوم على الواقع” (À l’assaut du réel). وفيه يواصل أبحاثه حول المعتقدات الجماعية، وانتشار الأخبار المضللة، والآليات النفسية التي تجعل الإنسان مستعداً لتصديق ما يرغب في تصديقه حتى لو كان زائفاً أو ملفّقاً.

جاء هذا العمل امتداداً لكتابين سابقين: “ديمقراطية السُذّج” (La Démocratie des crédules)، الصادر عام 2013، و”نهاية العالم المعرفية” (Apocalypse cognitive)، الصادر عام 2021. في هذه المؤلفات، يُعنى برونر بسؤال مركزي: لماذا لا تؤدي الوفرة غير المسبوقة في المعلومات إلى زيادة مماثلة في منسوب العقلانية؟ وكيف أمكن للمجتمعات الأكثر اتصالاً بالمصادر المعرفية أن تصبح، في الوقت نفسه، الأكثر تعرضاً للأوهام ونظريات المؤامرة؟

في “الهجوم على الواقع”، يذهب برونر أبعد من مجرد دراسة ظاهرة الأخبار الكاذبة Fake news، ليحلّل ما يسميه عالم “ما بعد الواقع”، حيث لا تقتصر المشكلة على انتشار معلومات غير صحيحة، بل تمتد إلى اهتزاز الثقة بإمكانية الإجماع على ماهية الحقائق والوقائع بوصفها معطيات مرجعية لا يمكن تجاهلها أو إنكارها.

من بين أهم المفاهيم التي يستخدمها برونر لتفسير هذه الظاهرة: “الشكّ الانتهازي” (Scepticisme opportuniste). والمقصود به ليس الشكّ المعرفي الناجم عن عدم القدرة على تمييز الحقيقة من الكذب، بل صنف مستجدّ من الشكّ السّام المترتب عن خلق بيئة (لا) معرفية تسمح للمرء بأن يعتبر – بشكل عمدي ومقصود – أنه من المستحيل تمييز الحقيقة من الكذب. وذلك كلما تبيّن له أن الحقيقة لا تتماشى مع مصالحه أو انتماءاته أو معتقداته.

الشكّ المعرفي يقوم على مبدأ إخضاع الفرضيات للاختبار، والقبول بالنتائج متى ثبتت صحتها. أما “الشكّ الانتهازي” فيتعامل مع الأدلة عبر استراتيجية تقوم على اختلاق مخارج الطوارئ: يفتح باب طوارئ جديد للتهرّب من الحقيقة، كلما أغلق التحقيق الباب السابق الذي كان يلوذ به!

ويمكن إيضاح هذه الآلية عبر مثال بسيط: حين يظهر مستند محرج، يُقال إنه مفبرك. وإذا أمكن إثبات أصالة المستند، ينتقل النقاش إلى احتمال التلاعب بسياقه. وإذا اتضح السياق، تصبح القضية مؤامرة سياسية. وعندما يُطلب دليل على المؤامرة، يُقال إن غياب الدليل إنما يثبت براعة المتآمرين!

ويلعب الذكاء الاصطناعي التوليدي دوراً خطيراً في تعميق إشكاليات إنكار الحقائق. فكلما ازدادت القدرة التقنية على إنتاج صور وأصوات ونصوص اصطناعية مقنعة ومضاهية للحقيقة، ازدادت إمكانات التشكيك لتطال المواد الحقيقية الأصيلة، بحجة أنها ربما صُنعت رقمياً، من يدري!؟

كيف أصبح التطور التكنولوجي، الذي وفّر لنا أدوات مستجدّة ودامغة للتحقّق من الوقائع، مصدراً لتوسيع مساحة التلاعب والارتياب؟ إنها مفارقة عصرنا: لم يسبق أن امتلك البشر كل هذه الوسائل التقنية القادرة على توثيق الوقائع، ولم يسبق أيضاً أن امتلكوا مثل هذا القدر من وسائل إثارة الشكوك بغرض التلاعب بالحقائق!