عثمان تزغارت
عثمان تزغارت

مقالات مشابهة

داروين في تونس

بين السادية والعنف المجاني.. لماذا بات تعذيب الحيوانات رياضة تونسية رائجة؟

عثمان تزغارت
عثمان تزغارت

ما الذي أصاب الناس في تونس؟ لا حاجة إلى علماء نفس ولا إلى علماء اجتماع لفهم ما يجري. يكفي أن تفتح هاتفك صباح الجمعة، ذلك اليوم الذي يفترض أنه يوم الرحمة والسكينة، لتجد نفسك أمام معرض متنقل للعنف المجاني والسادية البشرية.

في يومً جمعة واحد، رأينا رجلًا يسحق كلبًا بين سيارته والحائط، لا لأنه اضطر، ولا لأنه خاف منه، بل للاستمتاع بالمشهد المثير، والتلذّذ بإزهاق روح حيوان.

ورأينا شابًا ينهال بعصاه على وجه حصان بمحاذاة البحر، أمام أطفال يتابعون المشهد  بكثير من البهجة، كما لو كانوا في سيرك. ثم تقع المعجزة التربوية: الأطفال أنفسهم يلتقطون العصي ويشاركون في حفلة التعذيب. 

الطفل لا يتعلم الأخلاق من الخُطب، بل من الأفعال. فهو يقلد الكبار، وعندما يرى أن القوة تعني العنف، يتعلم لغة الضرب ويتقنها قبل أن يتقن القراءة.

في بنزرت، لم يجد بعض “صنّاع الـ (لا) محتوى” وسيلة أفضل لتمضية الوقت سوى الإمساك ببقرة حية وقطع لسانها وتصوير المشهد. ليس لسدّ جوع، ولا بغرض الذبح، ولا لأي ضرورة أخرى… فقط لأن الكاميرا كانت جاهزة، ومواقع التواصل تحتاج إلى “محتوى” جديد.

وفي سوسة، تابعنا قطة تقبع منذ أسبوعين داخل محل مغلق، وتموت ببطء. يحاول بعض الناس إدخال القليل من الماء والطعام لها عبر الفتحات والشقوق، لكن لا أحد يجرؤ على كسر الزجاج لإنقاذها، لأن سلامة البلور أهم من إنقاذ كائن حي!

في أحياء وقرى وأرياف كثيرة، شهادات لا تحصى تأسف لأن الناس لم تعد تجد وقتًا لوضع إناء ماء لكلب أو قط أو حمار، في عزّ القيظ. ربما لأن الرحمة، هي الأخرى، أصبحت تعاني من الجفاف.

سيقول البعض إن هذه مجرد حوادث متفرقة. لكن علم النفس يقول شيئًا آخر. السادية تجاه الحيوان ليست هواية عابرة، بل أنها مؤشر على اختلال عميق في الشخصية. كثير من الدراسات تؤكد أن تعذيب الحيوانات يرتبط بالعدوانية، وبمتلازمة ضعف التعاطف، والحاجة المرَضية إلى التسلط على كائن ضعيف يعجز عن حماية نفسه. إنها متعة السيطرة المطلقة، حين يعجز الإنسان عن فرض نفسه على الأقوياء، يبحث عن ضحية لا تستطيع المقاومة أو الرد.

أما علم الاجتماع، فيعلّمنا أن العنف مرض معدٍ. الطفل الذي يصفق لتعذيب حصان، سيصبح غدًا شابًا يرى ضرب زوجته أمرًا طبيعيًا، أو موظفًا يحتقر المستضعفين ممن يقصدون مصلحته، أو مسؤولًا يمارس الإذلال بحق مرؤوسيه باعتباره حقًا مكتسبًا. 

العنف الوحشي ليس حكرًا على الحيوانات المفترسة. فهو لا يبقى داخل الحظائر، بل ينتقل إلى البيوت، ثم إلى المدارس، ثم إلى الشوارع، ثم إلى أعلى هرم السياسة. والمجتمع الذي يفقد حساسيته تجاه أنين كلب، لن يهتز كثيرًا أمام معاناة إنسان.

حتى أن تشارلز داروين لو كُتب له أن يُبعث حيّا، وزار تونس هذه الأيام، لراوده الشك لأنه سيجد مسار التطور معكوسًا. فإذا كان تطور البشرية من العنف البدائي إلى التحضّر الإنساني قد استغرق ملايين السنين، فإن عقدًا واحدًا من الزمن كان كافيًا لينقلب البعض مجدّدًا إلى درك التوحش و”الحيونة”! 

الأدهى والأكثر إثارة للسخرية، ذلك الاطمئنان الأخلاقي العجيب الذي يرافق كل هذه الآفات. تجد من يقضي نهاره في تعذيب مخلوق ضعيف، ثم يذهب مساءً، وهو مطمئن شديد للاطمئنان، إلى المسجد، أو يكتب على صفحته: “اللهم اجعلنا من أهل الجنة”، وهو مقتنع تمام الاقتناع بأنه ينتمي لخير أمة أُخرجت للناس!

كأن الجنة بطاقة اشتراك تُمنح بالهوية، لا بالأخلاق. وكأن الرحمة بند اختياري، يمكن الاستغناء عنه دون أن يتأثر الإيمان.

الغريب أن هؤلاء يثورون إذا مُسَّت مشاعرهم الدينية بكلمة أو رسمة ساخرة، لكنهم لا يهتز لهم جفن وهم يشاهدون روحًا تُسحق أو لسانًا يُقطع أو جسدًا يرتجف من الخوف والجوع.

المشكلة أن الحيوان، في هذه القصص، ليس الضحية الوحيدة. بين الضحايا أيضًا المدرسة التي لا تهتم بتعليم الرحمة ومحاسن الأخلاق. والأسرة التي تعتبر القسوة مؤشر فحولة. والخطاب الديني الذي ينشغل بكل شيء إلا بتربية الضمير. والمجتمع الذي بات مولعًا بتصوير الجريمة بدل السعي لمنع وقوعها.

عندما يصبح تعذيب الحيوان مادة للفرجة، فإن السؤال ليس: ماذا يحدث للحيوانات؟ بل: ماذا أصاب الإنسان؟ فقيمة الأمم لا تُقاس بعدد المساجد ولا بالخطب والشعارات الأخلاقية التي يجري ترديدها على المنابر، بل بطريقة تعاملها مع أضعف المخلوقات التي تعيش بينها.

حين يصبح الكلب، والحصان، والبقرة، والقطة، جميعهم ضحايا للعنف السادي، فإن الإشكال يتجاوز مسألة الرفق بالحيوان، ليؤشِّر على أزمة وجودية تتعلق ببشر فقدوا القدرة على التصرف بضمير أو إنسانية، من دون أن يحول ذلك بينهم وبين الاقتناع تمام القناعة بأنهم يمتلكون – دونًا عن كل البشر – مفاتيح الطريق السريع نحو الجنة!