رغم وصوله مرحلة متقدمة من العمر، يزداد مهرجان أفينيون (جنوب فرنسا) شبابًا مع تعاقب السنوات. الدورة الـ80 لأشهر تظاهرة مسرحية في العالم تفيض بالحيوية وتحمل تاء التأنيث. لأول مرة يفوق عدد المخرجات نظراءهن من الرجال: 27 مخرجة مقابل 16 مخرجًا في البرنامج الرسمي.
المهرجان يُدشِّن مرحلة ما بعد المناصفة. سهرة الافتتاح يوقعها مدير مسرح الأوديون الباريسي جوليان غوسلان. عرض ملحمي طويل يستغرق خمس ساعات، مستلهم من نصوص للكاتب التشيلي روبرتو بولانيو، ومن “أناشيد مالدورور” للشاعر لوتريامون. الشعر دائمًا. غوسلان يقترب في عرضه من “الشر”، الذي خلَّده شارل بودلير في “أزهاره”، وهَدْهَدَهُ لوتريامون في “أناشيده”، من خلال أجواء ملحمية تتأرجح بين مشاعر الحب والعنف والخوف، يلاحق المخرج الرعب الذي يختفي وراء الجمال، في عرض يحمل عنوان “مالدورور”…
خلال السنوات الأخيرة، دأب المهرجان الفرنسي على رفع القبعة لإحدى اللغات، بعد الإنجليزية و الإسبانية والعربية، تحتفي الدورة الـ80 باللغة الكورية. الجمهور سيكتشف عروضًا من المسرح الشعبي الكوري، بالإضافة إلى فنون الرقص والسيرك، وعروض البانسوري التقليدية، حيث يمتزج الغناء بالحكي وقرع الطبول. عدة فرق فنية من كوريا الجنوبية، تحلّ ضيفة على المهرجان، رفقة عدد محترم من المبدعين، تتقدمهم هان كانغ، الفائزة بجائزة نوبل للآداب عام 2024.
مؤلفة “النباتية” تضرب موعدا للجمهور مع عرضين مستلهمين من روايتها “وداعات مستحيلة”. الرواية التي صدرت عام 2023 تحكي قصة امرأة تكتشف بالصدفة وثائق تؤرخ للمجازر التي تعرَّض لها آلاف المدنيين بين عامي 1948 و1949 في جزيرة “جيجو”، على يد القوات الكورية الجنوبية، بحجة أنهم شيوعيون. العرض الأول تحت عنوان “طائر”، عبارة عن قراءة أدائيّة أعدتها المخرجة جولي دوليكيه، تجمع بين النجمة الفرنسية إيزابيل أوبير ونظيرتها الكورية لي هيي-يونغ. فيما تقتبس المخرجة الإيطالية داريا ديفلوريان الرواية نفسها تحت عنوان آخر: “الحب، يا له من ألم رهيب”. ديفلوريان التي سبق وأن أخرجت للمسرح رواية “النباتية” تقدّم في هذه الدورة مرافعة ضد النسيان.
طوال فترة المهرجان تستولي فرق “الأوف” (البرنامج الموازي) على 141 مسرحًا في أفينيون، وتُحَوِّل المدينة إلى سوق ضخمة لفنون العرض. البرنامج الموازي يستقبل أكثر من 1400 فرقة هذه الدورة، بزيادة تقارب خمسين فرقة مقارنة بالعام الماضي. نحو 1780 عرضًا من مختلف أنحاء العالم، تصنع بهجة المدينة ومتعة الجمهور.
طبعا، لا يمكن أن نتخيل أفينيون من دون شكسبير، أشهر مسرحي في كل العصور. “هاملت” الأكثر عرضًا على مسارح العالم، بكل اللغات، منذ كتابتها عام 1600، تصنع الحدث في المهرجان. أمير الدنمارك المفجوع يتسلل مجددًا إلى أفينيون من خلال عرض يوقعه المخرج الفرنسي تيبو بيرينو، ضمن برنامج “المسرح الجوّال”، الذي يسعى لتقريب المسرح من الجمهور، عبر اقتحام فضاءات مختلفة للعرض، مع ديكورات وظيفية، سهلة التنقيل. يتفنّن المخرج في صياغة ثلاثة طقوس في التراجيديا: الزواج والمسرح داخل المسرح والجنازة، فيما يحتل الجمهور موقعًا محوريًا في قلب الفضاء المسرحي. بيرينو يقترح رؤية متقشفة لأشهر مآسي شكسبير، تختصر طاقم التشخيص في ثلاثة ممثلين، يتناوبون على كل الأدوار. كأن المخرج تحول إلى عداء يحطم رقمه القياسي كل مرة. إذ سبق له أن أخرج نسخة “عادية” من “هاملت” تضمّ خمسة عشر ممثلًا، قبل أن يخرج عرضًا آخر بتسعة ممثلين ثم خمسة، وها هو يقلصهم إلى ثلاثة… في انتظار نسخة يؤدي فيها “هاملت” وحده كل الأدوار!
















