تونس - نور الدين بالطيب
تونس - نور الدين بالطيب

مقالات مشابهة

مهرجان

“المحرس” الدولي للفنون التشكيلية.. المدينة التي تحولت إلى متحف مفتوح للفن والذاكرة

تونس - نور الدين بالطيب
تونس - نور الدين بالطيب

تعيش مدينة المحرس التابعة لولاية صفاقس، العاصمة الثانية للبلاد منذ مساء الإثنين، على إيقاع الألوان والتنصيبات الفنية بمناسبة الدورة السابعة والثلاثين لمهرجانها الدولي للفنون التشكيلية الذي يتواصل إلى يوم 23 من أغسطس/آب الجاري على الطريق الذي يربط شمال تونس مع جنوبها.

منذ انضمام هذا المهرجان الاستثنائي إلى منظومة المهرجانات التونسية التي كانت تقتصر على الموسيقى والمسرح والسينما، أصبح للفنانين التشكيليين والفوتوغرافيين والنحاتين مهرجانهم الدولي الذي تحوّل خلال نحو أربعة عقود  إلى ذاكرة تشكيلية.

البدايات 

في صيف 1988، وبمبادرة من الفنان التشكيلي والمسرحي الراحل يوسف الرقيق مع مجموعة من الناشطين الثقافيين في مدينة المحرس التي تنام في حضن البحر المتوسط لكنّها تفتقر آنذاك إلى مهرجان كبير يجعلها موضوع اهتمام ثقافي تونسي ودولي، تأسس هذا المهرجان الذي تحوّل بسرعة إلى محور اهتمام الفنانين حول العالم الذين ظلوا يتوافدون عليه من القارات الخمس، ونجحت هيئاته المتعاقبة حتى بعد وفاة مؤسسيه يوسف الرقيق وإسماعيل حابة في الحفاظ على هذا المهرجان الذي حوّل مدينة صغيرة معظم سكّانها في أوروبا إلى متحف مفتوح. ففي كل الشوارع والساحات لا ترى إلاّ التنصيبات الفنية والجداريات وكأن المدينة تتنفّس ألواناً.

 

D.R

لم يكن المهرجان يقتصر على الفنانين التشكيليين فقط، بل يستضيف الكتّاب والسينمائيين والمسرحيين والموسيقيين في علاقة بالفن التشكيلي، وهو ما حوّله إلى مهرجان استثنائي في منظومة المهرجانات الصيفية التونسية التي تطغى عليها السهرات الفنية دون أي جانب فكري أو معرفي.

العودة 

للمرة الأولى (باستثناء سنة 2020 بسبب جائحة كورونا) غاب العام الماضي مهرجان المحرس للفنون التشكيلية لأسباب إدارية، وقد خلّف غيابه حالة استياء في المدينة التي تعتبر هذا المهرجان واجهتها في العالم، وتداركت هيئة المهرجان هذا العام غياب العام الماضي تُعدّ دورة محاطة بالصعوبات. وقد تمّ الافتتاح مساء الإثنين 17 أغسطس/آب وسط احتفالات شعبية تكشف تعلّق المواطنين بمهرجانهم الذي يمثّل حلم المدينة في مواجهة محاولات أطراف محلية محافظة وقريبة من “الإخوان المسلمين” لقتل المهرجان.

وفي عودته هذا العام، حافظ المهرجان على فقراته التقليدية خاصة ورش الأطفال والناشئة التي شارك فيها على مدى السنوات عشرات ممن أصبح بعضهم اليوم فنانين تشكيليين ومسرحيين، منهم ناشطون في تنظيم المهرجان مع ورش للمحترفين ومعرض جماعي للمشاركين من تونس والعراق والجزائر والسودان وفلسطين وسوريا والمملكة العربية السعودية وليبيا وسلطنة عمان. كما يكرّم المهرجان الفنان التونسي الكبير علي البرقاوي في معرض استيعادي. ويصل عدد الفنانين التشكيليين في هذه الدورة إلى نحو37 فناناً تشكيلياً.

متحف مفتوح 

عندما تمرّ حافلات السياح من الشارع الرئيسي لمدينة المحرس الذي يتوسط المدينة الصغيرة، تلفت انتباههم التنصيبات الفنية لنحّاتين تونسيين ومن القارات الخمس، وهي ظاهرة فريدة في العالم العربي الذي يندر فيه الاحتفاء بالأعمال الفنية في الفضاء العام، وهو استثناء نجحت فيه مدينة المحرس بإرادة فنانين وناشطين يعملون في ظروف صعبة للمحافظة على مهرجان استثنائي رسالته نشر ثقافة الجمال والألوان في مجتمع محافظ وبيئة تقليدية. وعلى مدى نحو أربعين عاماً أصبح للمهرجان جمهور ومتابعين من الشباب خاصة.