الجزائر - فتيحة بوروينة
الجزائر - فتيحة بوروينة

مقالات مشابهة

ثروات وطنية

من القفطان إلى الكُسكُس والحُمّص.. كيف تحوّل التراث إلى ساحة صراع على الهوية والذاكرة؟

الجزائر - فتيحة بوروينة
الجزائر - فتيحة بوروينة

لم تعد معارك الهوية الثقافية تُخاض حول الماضي فقط، بل أصبحت معارك على المستقبل أيضاً؛ على النفوذ، والمكاسب الاقتصادية، والصورة التي تريد الدول تقديمها عن نفسها للعالم. ففي القرن الحادي والعشرين، لم يعد التراث مجرد ذاكرة جماعية تحفظها الشعوب، بل تحول إلى رصيد استراتيجي يمكن أن يُترجم إلى قوة ناعمة، وعلامات تجارية، وعوائد سياحية واقتصادية.

من هنا، لم يعد الصراع يدور فقط حول من صنع هذا الطبق أو ابتكر تلك الحرفة، بل حول من يملك حق تمثيلها وتسويقها وحمايتها من الاستغلال. فكيف تحولت الثقافة من إرثٍ للماضي إلى ثروة استراتيجية تتنافس الدول والمجتمعات على حمايتها وإثبات ملكيتها؟ 

الإستيلاء الثقافي وأسواق الموضة والإعلانات

اليوم.. أصبح، ما يُعرف بـ، “الاستيلاء الثقافي” أحد أكثر أشكال الاعتداء على التراث غير المادي إثارة للجدل في العصر الحديث. فالخطر الذي يتهدد التراث اليوم، بات لا يقتصر على تهريب قطعة أثرية أو مخطوط نادر، بل قد يحدث أحياناً تحت أضواء عروض الأزياء وفي واجهات المتاجر الفاخرة، حين تتحول عناصر ثقافية متجذرة في ذاكرة الشعوب إلى سلع عالمية تُباع وتُستهلك دون ذكر أصحابها الأصليين أو تعويضهم.

في المكسيك مثلاً، اتهمت السلطات وشعوب من السكان الأصليين، بينها المايا والأزتيك، عدداً من دور الأزياء العالمية باستعمال زخارف ونقوش تقليدية تعود إلى مجتمعات محلية في تصميم حقائب وفساتين فاخرة، من دون إذن أو مقابل. كما واجهت علامات عالمية انتقادات بسبب استخدام رموز إفريقية أو أمريكية لاتينية أو آسيوية وتحويلها إلى منتجات تجارية مجردة من سياقها الثقافي والتاريخي. 

في أستراليا أيضاً، وكندا ونيوزيلندا أيضاً، خاضت جماعات من السكان الأصليين معارك قانونية وأخلاقية للدفاع عن تصاميمها ورموزها التقليدية التي استُخدمت تجارياً من قبل شركات خاصة. من هنا، يصبح دور الدبلوماسية الثقافية وآليات الحماية القانونية الدولية أكثر أهمية، ليس فقط لاسترجاع ما سُرق، بل أيضاً لضمان الاعتراف بحقوق المجتمعات في تراثها المادي وغير المادي، ومنع تحويله إلى مورد اقتصادي يستفيد منه الآخرون بينما يُهمَّش أصحابه.

الحدود بين التراث المشترك والتراث الوطني 

تحول التراث المادي وغير المادي اليوم من مجرد ذاكرة الماضي إلى مورد استراتيجي تتنافس عليه الدول في معارك النفوذ الرمزي والاقتصادي في القرن الحادي والعشرين. وقد برزت سجالات كثيرة بين الدول حول مسائل مرتبطة بالخصوصيات الثقافية المحلية وبالهوية، واتضح ذلك بشكل لافت في ملف القفطان، بوصفه أحد أشهر الملفات الثقافية في السنوات الأخيرة، حيث دار جدل واسع حول أصوله التاريخية، خاصة بعد محاولات تسجيل بعض عناصره أو تقديمه في تظاهرات دولية باعتباره جزءاً من التراث الوطني لهذا البلد أو ذاك. وقد أعاد هذا النقاش طرح أسئلة الملكية الثقافية والحدود بين التراث المشترك والتراث الوطني.

وامتد النزاع أيضاً طبق الكسكس بين دول المغرب العربي، قبل أن يتحول الخلاف إلى نموذجٍ جميلٍ للتعاون الثقافي، بعدما سُجل لدى “اليونسكو” عام 2020 بملف مشترك ضم الجزائر والمغرب وتونس وموريتانيا. لكن قبل ذلك، شهدت وسائل الإعلام نقاشات حادة حول أصل الطبق، ومن يملك شرعية تمثيله.

ويطفو على السطح كذلك الجدل المتكرر حول الزليج، فرغم عدم وجود نزاع رسمي دولي، ظل الجدل يتجدد حول أصول بعض مدارس الزخرفة والخزف التقليدي في المغرب الكبير، خاصة مع تصاعد أهمية تسجيل الحرف التقليدية ضمن قوائم التراث العالمي.

حروب الحُمّص والفلافل

بعيداً عن المغرب العربي، اندلعت منذ سنوات في المشرق ما سمي إعلامياً بـ”حروب الحُمّص والفلافل”، بعدما اعتبرت جهات لبنانية أن إسرائيل تُسوّق أطباقاً شرق أوسطية تقليدية بوصفها جزءاً من مطبخها الوطني، ما أثار نقاشاً حول الهوية الغذائية وحقوق الملكية. في آسيا الوسطى، شهدت دول مثل إيران وتركيا وأذربيجان وأرمينيا نقاشات متكررة حول أصول بعض أنماط السجاد التقليدي وحق نسبتها وطنياً.

لكن ما الذي يجعل هذه الأمثلة مهمة؟ تكمن أهميتها في تبيانها أن الصراع على التراث لم يعد يتعلق بالقيمة التاريخية فقط، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بالسياحة الثقافية، والعلامات التجارية المرتبطة بالمنتجات التقليدية والقوة الناعمة.

الهوية.. جزء من الثروة الوطنية

في الماضي كانت الجيوش تستولي على الذهب والأراضي، أما اليوم فقد أصبحت الدول تدافع أيضاً عن وصفة طعام، أو قطعة من اللباس، أو رقصة شعبية، أو حرفة تقليدية، لأنها تدرك أن الهوية نفسها أصبحت جزءاً من الثروة الوطنية. فكل عنصر تراثي يُسجَّل دولياً أو يُسوَّق عالمياً يتحول إلى مورد رمزي واقتصادي وسياحي.

ولهذا، لم تعد الدول تتعامل مع الكسكس أو القفطان أو الحرف التقليدية أو الرقصات أو قطع الموسيقى باعتبارها مجرد فولكلور، بل كجزء من رأسمالها الثقافي. فكلما ازدادت قيمة الثقافة في الاقتصاد العالمي، ازداد التنافس حول ملكية الرموز الثقافية.

في عالم تتزايد فيه قيمة الهوية والرموز، تحول التراث إلى ثروة وطنية ومصدر للقوة الناعمة والمكاسب الاقتصادية. لكن التحدي لا يكمن فقط في إثبات ملكيته، بل في حماية حقوق أصحابه والاعتراف بتاريخِه المشترك، في ظل صراع متصاعد بين التبادل الثقافي والاستيلاء عليه، وبين ذاكرة الشعوب وسوق عالمي تتزايد فيه قيمة الثقافة ونفوذها.