القاهرة - عبدالوهاب داود
القاهرة - عبدالوهاب داود

مقالات مشابهة

أدب وطب

رضا البهات.. رحيل طبيب الفقراء وكاتب المهمشين الذي لم يوفَ حقه

القاهرة - عبدالوهاب داود
القاهرة - عبدالوهاب داود

فقدت الحياة الثقافية في مصر والعالم العربي، صباح اليوم الثلاثاء 18 أغسطس/ آب 2026، واحداً من كبار كتاب القصة والرواية والنقد الأدبي خلال الـ 50 عاماً الماضية، وهو الكاتب والطبيب رضا البهات، صاحب روايات “بشاير اليوسفي”، و”شمعة البحر” و”ساعة رملية تعمل بالكهرباء”، والمجموعات القصصية “طقوس بشر” و”حكايات شتوية”، وغيرها من الأعمال التي رسّخت اسمه بين كبار الكتاب في جيل السبعينيات في الثقافة المصرية.

البهات، الذي سبق الجميع في رفض تقاضي أي أجر عن علاج أطفال الفقراء منذ لحظة تخرجه من كلية الطب بجامعة المنصورة كأخصائي في طب الأطفال، وحتى اليوم الأخير في مسيرته، كان نموذجًا للكاتب الزاهد في عصر الشهرة الزائفة، والإنسان العاكف على مداواة جراح الحياة وتطبيب مرضاها، ورفع آلام الأطفال والصغار.

نبوغ مبكر وإنسانية مفرطة

شهدت الساعات الأولى من صباح اليوم إعلان المخرج السينمائي عماد البهات، على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، نبأ رحيل شقيقه الكاتب الكبير الدكتور رضا البهات عن عمر يناهز 71 عامًا، بعد صراع طويل مع المرض، ومسيرة أدبية ممتدة وحاشدة بالنشاط والحضور المتميز والمتنوع ما بين القصة والرواية وأدب الأطفال والنقد الأدبي، وغيرها من الكتابات التي تناولت تحولات المجتمع المصري من زاوية إنسانية واجتماعية.

وُلد البهات عام 1955، بقرية “ميت مزاح” القريبة من مدينة المنصورة بوسط الدلتا، وعاش حياته ما بين عيادته وصومعته بالمدينة، وبين قريته الصغيرة التي آثر أن يبقى فيها يداوي الفقراء من أطفالها، إذ درس الطب في جامعة المنصورة قبل أن يُمارسه كمهنة بالتوازي مع اهتمامه المُبكر بالأدب، ويبني تجربته الأدبية الخاصة، والتي أسهمت في ترسيخ حضوره في المشهد الثقافي المصري.

ينتمي البهات إلى جيل السبعينيات في الأدب المصري، وقال نقاد ومثقفون إن كتابته تميّزت برصد التحوّلات الاجتماعية والسياسية والنفسية في المجتمع، مع اهتمام واضح بالبسطاء من الناس وتفاصيل حياتهم اليومية، وجمعت نصوصه بين السخرية، التي اتخذت أحيانًا طابعًا أسود، وبين مقاربة إنسانية لشخصياته. مستفيدًا من خبرته الطبية في الاقتراب من الجوانب النفسية والإنسانية لأبطال أعماله، التي تميزت بالتنوع والعمق ونجحت في المزج بين الرواية والقصة القصيرة وأدب الأطفال.

رصيد دقيق للتحولات

قدّمت مؤلفات رضا البهات رصدًا دقيقًا للتحولات الاجتماعية والسياسية التي شهدتها مصر، وبرز ذلك في عدد من أعماله الأدبية المهمة. ومن بينها رواية “بشاير اليوسفي” الصادرة عام 1992، بتقديم الكاتب الكبير الدكتور شكري عياد، والتي نشرتها سلسلة “كتاب أدب ونقد” التابعة لحزب التجمع التقدمي الوحدوي، في فترة كان فيها الحزب حاضرًا بقوة في الشارع السياسي.

كما صدرت له رواية “شمعة البحر” عام 2004، ضمن سلسلة “إبداعات التفرغ” بالمجلس الأعلى للثقافة، بعدما حصل البهات على منحة للتفرغ الأدبي من المجلس لمدة أربع سنوات، أنجز خلالها مجموعة متميزة من الأعمال. ومن أبرز أعماله أيضًا مجموعته القصصية “طقوس بشرية” التي صدرت عام 1995، إلى جانب مجموعات “ليلة للغنا” و”اختار ألا يموت” و”حكايات شتوية”.

GWA

وحظي البهات بتقدير مؤسساتي مهم، إذ فاز بجائزة ساويرس الثقافية مرتين؛ الأولى عام 2016 عن روايته “ساعة رملية تعمل بالكهرباء”، والثانية عام 2020 عن مجموعته القصصية “حكايات شتوية”. كما خاض تجربة الكتابة للأطفال من خلال عدة أعمال، لعل أبرزها مجموعته القصصية “أشياء لا تشتريها الفلوس”، وآخرها “الجميلة تتزوج الديك الشركسي” المستوحاة من الفلكلور المصري.

عائلة فنية مثقفة

ينتمي البهات إلى عائلة يعمل غالبيتها في حقول الفن والثقافة والإبداع، فشقيقه الأصغر هو المخرج السينمائي عماد البهات، المتخرج من مدرسة الراحل الكبير يوسف شاهين، حيث عمل معه كمساعد مخرج في عدد من أهم أفلامه، ومنها “المهاجر”، و”المصير”، و”سكوت هنصور”، وأخرج أفلام “استغماية” 2006، و”البلياتشو” 2007، و”صندوق الدنيا” 2020. وشقيقته الكاتبة الصحفية والناشرة سنية البهات، صاحبة ومؤسسة دار “بدائل” للنشر والتوزيع، وابنة شقيقته الكاتبة والفنانة غادة كمال التي كتبت على صفحاتها بمواقع التواصل الاجتماعي: “رحل أكثر من كان يشبهني وأشبهه من الحياة، لكن سيبقى حيا في كل حرف هكتبه وكتبته.. رضا معلمي الأول في هذه الحياة”.

قال الكاتب والفنان التشكيلي مجاهد العزب: “سألته مرة “انت بعيد ليه؟! فكان رده: “أنا كده رضا”، وكتب الروائي الدكتور شريف صالح ما نصه: “فقدنا روائيا كبيرا وإنسانا حقيقيا، الدكتور رضا البهات الذي للأسف التقيت به مرتين أو ثلاث في صدف عشوائية منها في بهو مارشال المحطة في المنصورة.. طبيب نبيل، وروائي قدير، تعفف عن الشهرة، ولم يتكالب على جوائز، كتب ما أراد كتابته ومضى”، فيما كتبت قريبته النائبة ضحى عاصي، أمين سر لجنة الإعلام والثقافة والآثار بمجلس النواب المصري: “فقدت اليوم مدينة المنصورة رمزًا من رموزها الراسخة الذي حلق بإبداعه في كل العالم العربي، ولكنه اختار أن يعيش في مدينته التي أحبها، رحل الكاتب الكبير تاركًا خلفه مكانًا خاصًا به لا يعوضه أحد”.

رفيق الجلسات والنقد العميق

قال القاص والروائي إبراهيم فرغلي: “تعرفت على الصديق العزيز الجميل الراحل رضا البهات في أكتوبر 1990، في زيارة لبيته في المنصورة مع عدد من أصدقائه، وبدأت بيننا علاقة طويلة تمثلت في لقاءات ليلية مطولة في بيته أغلبها بحضور الصديق خالد أبو بكر، وأدين بالنقد العميق الذي تلقيته عن قصصي الأولى قبل النشر لرضا، كانت لدينا بعض الاختلافات الفنية حول مفهوم المعاناة والتعبير عنه في الأدب، خصوصًا أنه وهب حياته تقريبًا كطبيب لعلاج أطفال الفقراء في الريف، وكنت أحياناً أمر عليه في عيادته التي تقع في قرية قريبة من المنصورة ونعود معًا”. 

وأضاف فرغلي: “بعد انتقالي للقاهرة، وكان أحد المعارضين لفكرة الحياة في القاهرة باعتبارها ’مفرمة’ يمكن أن تأكل أي أديب، كان يحرص على أن نلتقي في جلسات طويلة مملوءة بالأفكار وتجارب الحياة التي ينقلها لنا، وقراءات ونقد لنصوصنا”.

أما الكاتب والروائي سعيد نوح فرثى الفقيد قائلًا: “رحمة الله الواسعة على روحه الطاهرة المباركة المبدعة المحبة الطيبة، صاحب السمو الإنساني، وصاحب المشروع الإبداعي السردي المتميز الذي خلد اسمه في تاريخ البشرية”.

نموذج نادر

برحيل رضا البهات، لا تفقد الثقافة المصرية والعربية كاتبًا وروائيًا وناقدًا فحسب، بل تفقد نموذجًا نادرًا للمثقف الذي اختار أن يعيش بعيدًا عن صخب الشهرة، وأن يوزع حياته بين الكتابة ومداواة الأطفال والفقراء. ترك وراءه أعمالًا ستبقى شاهدة على موهبته ورؤيته الإنسانية العميقة.

كما ترك سيرة شخصية لا تقل قيمة عن منجزه الأدبي؛ سيرة طبيب رأى في علاج الناس رسالة، وكاتب وجد في الأدب طريقًا لفهم الإنسان وآلامه وتحولاته. وبين عيادته في المنصورة وصفحات كتبه، عاش رضا البهات حياته على طريقته الخاصة، هادئًا ومخلصًا لما يؤمن به، ليغادر تاركًا أثرًا يصعب تعويضه، واسمًا سيبقى حاضرًا في ذاكرة الأدب المصري والعربي.