ليست قيمة تيبازة، المدينة المتوسطية المفتوحة على البحر غرب العاصمة الجزائر، في كثافة معالمها التاريخية والسياحية فحسب، وإنما في قدرتها على جعل الحضارات والثقافات التي عبرتها جزءاً من هوية المكان. ومن هذه الخلفية يكتسب احتضانها النسخة الـ 14 للمهرجان الثقافي الوطني للموسيقى الحالية، من 27 إلى 30 أغسطس/آب، دلالة تتجاوز البعد السياحي، إذ تلتقي فيها ذاكرة المكان بأصوات الحاضر، ويصبح السؤال عن الموسيقى سؤالاً عن الجزائر التي تتغير، وعن الأجيال التي تعيد اليوم صياغة علاقتها بالمكان والثقافة.
ليس من السهل اختزال التحولات التي تعرفها الموسيقى الجزائرية اليوم في القول إن جيلاً جديداً بات يفضل الإيقاع السريع والأغنية القصيرة على الطرب، فهذا وضع ليس خاصاً بالشباب الجزائري وحده، وإنما السؤال الذي يفرض نفسه هو هل تغيرت ذائقة الشباب فقط، أم أن المجتمع الذي تُصغي إليه هذه الذائقة قد تغير هو الآخر؟ فالموسيقى، في النهاية، لا تولد خارج سياقها الاجتماعي.
الموسيقى مرآة لتحولات المجتمع
كلما تغيرت طريقة العيش واللغة والعلاقات والفضاءات التي يتحرك فيها الأفراد، تغيرت معها حاجتهم إلى التعبير الفني. لذلك فإن صعود الراب، واستمرار الراي في أشكال جديدة، وظهور تجارب تمزج بين الطبوع المحلية والإيقاعات العالمية، يمكن قراءته بوصفه جزءاً من تحولات أوسع في المجتمع الجزائري، لا مجرد انقلاب في الأذواق.
إن الشاب الذي يسمع اليوم أغنية عبر هاتفه، ويختارها من بين ملايين الأعمال، ثم يعيد نشرها أو يضعها خلفية لصورة أو فيديو أو يحول مقطعاً منها إلى مادة متداولة، لم يعد يتعامل مع الموسيقى بالطريقة التي تعاملت بها أجيال سابقة مع الأغنية. لقد أصبحت الموسيقى جزءاً من هويته الرقمية ومن طريقته في تقديم نفسه للآخرين. وفي الجزائر، كما في أماكن أخرى، وفّرت المنصات فضاءً أكثر لامركزية للوصول إلى الموسيقى، فيما أصبح الجمهور نفسه طرفاً في تحديد نجاح العمل وانتشاره. لا يعني هذا الانفتاح بالضرورة قطيعة مع المحلي. العكس قد يكون صحيحاً في بعض التجارب. فاستعادة إيقاع محلي أو آلة تقليدية داخل إنتاج حديث، أو مزج الراي بالراب والإلكتروني، تكشف عن محاولة لجعل الموروث قابلاً للتداول داخل لغة العصر.
من الراي إلى الراب والبوب والروك
إذا كانت تيبازة تختزن في حجارتها طبقات متعاقبة من التاريخ والذاكرة، فإن الموسيقى التي يسمعها شبابها اليوم تقول شيئاً عن الجزائر التي تتشكل أمام أعينهم. فالأغنية المحلية لم تعد تستقر في قالب موسيقي واحد، ولا في علاقة ثابتة بين الفنان والجمهور. لقد انتقلت الذائقة الشبابية خلال السنوات الأخيرة، من جيل كان يجد في الراي والشعبي والأنماط المحلية فضاءً للتعبير عن يومياته، إلى جيل تتسع أمامه الخريطة لتشمل الراب والبوب الحضري والأشكال الهجينة التي تمزج الإيقاعات المحلية بالأصوات العالمية.
وليس التحول مجرد استبدال لون موسيقي بآخر. فالراب الجزائري، على سبيل المثال، أصبح بالنسبة إلى جزء واسع من الشباب لغة للتعبير عن الشارع، بما يحمله من أسئلة البطالة والهجرة والحب والقلق الاجتماعي والبحث عن مكان في مدينة تتغير بسرعة. أما الراي، فلم يختفِ، وإنما أعاد تشكيل نفسه ليستوعب الإيقاعات الإلكترونية والتوزيعات الجديدة ولغة الجيل الرقمي. وبينهما تظهر تجارب تستعيد القناوي والشاوي والقبائلي والنايلي والصحراوي والديوان وغيرها من الطبوع، ثم تعيد تركيبها داخل موسيقى البوب أو الروك أو الراب.
من هنا يصعب النظر إلى تغير الذائقة الموسيقية باعتباره مجرد تراجع في الاهتمام بالموسيقى القديمة. فما يحدث أقرب إلى إعادة تعريف وظيفة الأغنية نفسها. فالأجيال السابقة كانت تتلقى الأغنية عبر الإذاعة والتلفزيون والحفلات والأسطوانة، بينما بات المستمع الشاب اليوم يشارك في دورة إنتاجها وانتشارها، وقد يحوّل أغنية غير معروفة إلى ترند!
ذاكرة النغم الجزائري
في مقابل موسيقى تتشكل اليوم على المنصات الرقمية وتخاطب ذائقة شابة سريعة التغير، تأتي مبادرة “ذاكرة النغم الجزائري” التي ستطلقها وزارة الثقافة والفنون، ابتداءً من سبتمبر وإلى غاية مارس المقبل، لإثارة النقاش حول ما يجب فعله تجاه الرصيد الموسيقي الذي صنع ذائقة أجيال سابقة؟ وهل يكفي أن نكرّم أصحابه، أم أن حفظ الذاكرة الموسيقية يقتضي إعادة قراءتها وإتاحتها للأجيال الجديدة؟
الأهم أن المبادرة تضع، من حيث لا تبدو، سؤالاً موازياً لسؤال الموسيقى الحالية: إذا كان شباب اليوم يصنعون ذائقتهم عبر المنصات الرقمية، فكيف يمكن أن تصل إليهم ذاكرة موسيقية ولدت في زمن الإذاعة والأسطوانة والحفلة والتسجيلات التناظرية؟
في بلد مثل الجزائر، لا تبدو الإجابة بسيطة؛ فتنوع الأسماء التي اختيرت للمبادرة يكشف أن “الموسيقى الجزائرية” ليست لوناً واحداً، وإنما فسيفساء من البيئات واللغات والطبوع والذاكرات. والحفاظ على هذه الفسيفساء لا يعني تجميدها، بل إبقاء الاختلافات التي صنعتها واضحة وهي تعبر إلى المستقبل. ولعل تيبازة تختصر هذه الفكرة، أي حجارة تحفظ طبقات التاريخ، وأصوات تحفظ طبقات الذاكرة، وبينهما تواصل الجزائر إعادة اكتشاف نفسها.















