بعد أربعة عشر عامًا من الغياب، تعود العيساوة إلى قسنطينة، مدينة الجسور المعلقة، إحدى أعرق مدن الجزائر وأكثرها حضوراً من حيث الذاكرة الثقافية والفنية. لا تبدو عودة المهرجان الوطني لفن العيساوية، بين 26 و30 أغسطس، مجرد استئناف لتظاهرة ثقافية توقفت لسنوات، بل مناسبة لإعادة النظر في هذا التراث نفسه، أي كيف أصبح جزءًا من هوية قسنطينة الثقافية، وكيف استطاعت طقوس روحية متوارثة أن تستمر بعدما فقدت بعض فضاءاتها التقليدية؟
لم تبقَ العيساوة طقوس دينية مغلقة داخل الزوايا، بل تفاعلت مع البيئات الثقافية التي احتضنتها، فدخلت في نسيج الاحتفالات والمناسبات الدينية والاجتماعية، وحافظت على حضورها في الذاكرة الجماعية. أما الحضرة فهي قلب هذه الطقوس: حلقة جماعية من الذكر والإنشاد والمديح، تتصاعد فيها الإيقاعات تدريجيًا، برفقة آلات تقليدية كالبندير وغيرها، لتخلق حالة من التماسك والوجد الروحي. وقد يصل هذا التصاعد لدى بعض المريدين إلى الجذب، وهو أحد التعبيرات المرتبطة بالتجربة الصوفية للحضرة.
قسنطينة.. حاضنة العيساوة وذاكرتها
لكن ما يجعل العيساوة جديرة بالالتفات اليوم هو أنها لم تحفظ طقسًا دينيًا فحسب، وإنما حفظت أيضًا ذاكرة موسيقية وشعرية وطرائق أداء ومعارف شفوية انتقلت من الشيوخ إلى الأجيال اللاحقة. ولهذا يحذر القائمون على المهرجان من اختزالها في صورتها الأكثر مشاهدة على الخشبة؛ فحين تنفصل الموسيقى عن سياقها الروحي والتاريخي، يمكن أن تتحول الحضرة إلى مجرد فرجة، فيما تفقد شيئًا من معناها الأصلي. وهنا تحديدًا تبدأ خصوصية التجربة القسنطينية، أي كيف استطاعت مدينة ذات تقاليد موسيقية وصوفية عريقة أن تستوعب هذا التراث، وتمنحه مع الزمن صوتها وذاكرتها الخاصين؟
يصعب الحديث عن الحضرة العيساوية في الجزائر دون التوقف عند قسنطينة، إحدى أهم حواضنها في الشرق الجزائري. فالعيساوة هنا لم تكن مجرد ممارسة وافدة استقرت في المدينة، بل دخلت في نسيجها الثقافي والروحي، وتفاعلت مع بيئة موسيقية عريقة جعلت من المدينة فضاءً لتعدد الأشكال الفنية وتداخلها. وتكشف الروايات والدراسات المتعلقة بالعيساوة في المدينة عن حضور قديم للزاوية العيساوية، التي لم تكن فضاءً للعبادة والذكر فحسب، وإنما مركزًا لتعلم الموسيقى وحفظ القصائد والألحان وتناقلها.
من هنا تبدو خصوصية العيساوة القسنطينية في قدرتها على التعايش مع البيئة الموسيقية للمدينة والتفاعل معها. فكما حافظت المدينة على المالوف والحوزي، والفرقاني والجوزية، احتفظت أيضًا بتقاليد الحضرة العيساوية، التي ظلت حاضرة في المناسبات الدينية والاجتماعية وفي ذاكرة العائلات والفرق والشيوخ. وهكذا، لا تقدم قسنطينة العيساوة بوصفها فنًا وافدًا إليها، بل بوصفها تراثًا أعادت المدينة احتضانه وصياغة حضوره داخل نسيجها الثقافي. ومن هذه الزاوية تحديدًا يمكن فهم السؤال الذي يطرحه المهرجان اليوم، وهو ماذا يحدث لتراث ارتبط طويلًا بمكانه ومجتمعه عندما يتغير ذلك المكان، وتصبح الخشبة الحديثة فضاءه الجديد؟
الزاوية.. حاضنة مادية لتراث غير مادي
كانت الزاوية العيساوية في قسنطينة، لزمن طويل، أكثر من مكان للعبادة. فقد مثلت فضاءً لتعلم الموسيقى ونقل المعارف وحفظ الريبرتوار العيساوي، كما احتضنت أجزاء من الذاكرة الموسيقية للمدينة. وفيها كان التراث ينتقل من الشيوخ إلى المريدين، شفهيًا وعمليًا، ضمن ممارسة يومية تجعل من المكان جزءًا من عملية التوارث نفسها.

ولعل من بين أهم هؤلاء الشيوخ، ممن أصبحوا لاحقًا أبرز رموز وأعلام العيساوة نذكر الشيخ معمر بن عبد الله، والشيخ زين الدين بن عبد الله، وأحمد بن خلاف. ومن الزاوية إلى الجمعية، بدأت العيساوة تتكيف مع فضاءات جديدة، قبل أن تصل اليوم إلى فضاء أكثر اتساعًا، أي مهرجان وخشبة صارا يؤديان بعض الوظائف التي كانت تؤديها الزاوية، لكن مع إعادة صياغة العلاقة مع جمهور صار أوسع من مريدي الزاوية وفضاء عرض أرحب.
من هنا تأتي أهمية عودة المهرجان الثقافي الوطني للعيساوة إلى قسنطينة، فالموعد، بحسب القائمين عليه، لا يقتصر على العروض الفنية، وإنما يراهن أيضًا على البحث والتوثيق واللقاءات مع الشيوخ والمختصين، وجمع القصائد والمدائح والروايات الشفوية المتعلقة بهذا التراث، بما يسمح بتحويل الذاكرة المتداولة شفهيًا إلى مادة قابلة للحفظ والدراسة والنقل.
تحدٍ جديد!
في قسنطينة، لا تبدو عودة العيساوة إلى الخشبة مجرد عودة مهرجان غاب أربعة عشر عامًا، بل عودة لذاكرة ظلت حية رغم تغير فضاءاتها. فمن الزاوية إلى الجمعيات، ومن حلقات الذكر إلى خشبة المهرجان، تواصل الحضرة العيساوية انتقالها بين الأجيال، محتفظة بجوهرها الروحي وهي تعيد ابتكار حضورها في الحاضر.
ربما التحدي الحقيقي الذي يواجه المهرجان ليس أن يجعل العيساوة مرئية فحسب، وإنما أن يجعلها مفهومة وقابلة للتوارث. فحين يصعد التراث إلى الخشبة، يصبح مطلوبًا منه أن يخاطب من يعرفه ومن يراه للمرة الأولى؛ وأن يظل، في الوقت نفسه، متصلًا بالذاكرة التي جاءت به إلى هناك.















