ليس من السهل الكتابة عن الثورات من خارج قاموس المديح أو الإدانة. فالثورة، منذ أن تحولت إلى واحدة من الأساطير المؤسسة للعالم الحديث، كثيراً ما وضعت مؤرخيها ومفكريها أمام خيارين متقابلين: إما الاحتفاء بها بوصفها لحظة خلاص وانعتاق، أو هجاؤها باعتبارها باباً للفوضى والعنف والاستبداد. بين هذين الحدّين، يختار الإعلامي والمفكر اللبناني حازم صاغية أن يقيم في المنطقة الأكثر التباساً، وأن يسائل الثورة لا بوصفها أيقونة، بل باعتبارها تجربة بشرية قابلة لأن تبدأ وعداً بالحرية وتنتهي كنظام جديد للقهر.
ذلك هو الرهان الفكري الذي يحمله كتاب «في مديح الثورات وهجائها»، والذي يضم ثلاث مقالات مطوّلة تتناول ثلاثاً من أكثر الثورات تأثيراً في التاريخ الحديث: الثورة الفرنسية، والثورة الروسية، والثورة الإيرانية.
اختيار هذه الثورات الثلاث ليس اعتباطياً. فكل واحدة منها تجاوزت حدود بلدها وزمنها، وتحولت إلى نموذج سياسي وفكري قابل للتصدير. فرنسا 1789 لم تغيّر الملكية الفرنسية فحسب، بل أعادت تعريف مفاهيم المواطنة والأمة والحقوق والمساواة. وروسيا 1917 لم تُسقط القيصرية وحدها، بل أنجبت مشروعاً أممياً أدى إلى تقسيم العالم بأسره إلى معسكرين. أما إيران 1979 فقد دشنت نموذجاً آخر للثورة، حيث تداخل الاحتجاج الاجتماعي والسياسي مع الدين، وأتبع سقوط نظام الشاه تأسيس جمهورية إسلامية لم تلبث أن سعت لتصدير مشروعها الأيديولوجي إلى ما وراء الحدود الإيرانية.
ثورات تتجاوز حدودها
لكن حازم صاغية لا يكتب هنا تاريخاً مدرسياً للانفجارات الثورية الكبرى. فهو لا يعيد ترتيب الوقائع ضمن روزنامة تقليدية تبدأ بسقوط الباستيل وتنتهي بنصب المقاصل، أو تنطلق من قصر الشتاء القيصري لتنتهي عند البلاشفة، أو تمتدّ من بازار طهران المشتعل غضباً لتصل إلى عودة الخميني. اهتمامه ينصبّ في رصد ما يسبق اللحظة الثورية وما يأتي بعدها: التحولات الاجتماعية، الأفكار، الصراعات، المصالح، والتناقضات التي تجعل نظاماً ما عاجزاً عن الاستمرار أو التجدّد.
لذا قد يبدو الكثير من التفاصيل التي تتخلل المقالات وكأنها ثانوية أو غير ذات أهمية. غير أن وظيفتها سرعان ما تتضح: توسيع الخلفية التي ننظر من خلالها إلى الثورات، والتشويش العمدي على الصورة الرومانسية التي تختصر التاريخ في شعب غاضب ينتفض فيقتحم قصراً أو يطيح تمثالاً. فالناس لا يستيقظون ذات صباح ليقرروا بأنهم أصبحوا ثوريين. ثمة عالم كامل يتوغل فيه الصدع طويلاً قبل أن تعصف اللحظة الثورية: سلطة تفقد شرعيتها، مجتمع تتغير حاجاته، أفكار جديدة تصطدم بمؤسسات متحجرة، وفئات اجتماعية تشعر بأنها مقصاة وأن الوضع القائم لم يعد يتسع لطموحاتها.
الثورة، بهذا المعنى، ليست لحظة الانطلاقة بقدر ما هي اللحظة التي تطفو فيها إلى السطح أزمة نشأت وتنامت في الأعماق، بعيدا عن الأنظار والتوقعات. من هنا تأتي الفكرة المركزية في الكتاب: الثورة ليست كتلة واحدة متجانسة، ولا مساراً خطيّاً مستقيماً يبدأ بالتمرد وينتهي بالتحرير. بل قد تختبئ داخل الثورة الواحدة ثورتان مختلفتان، وربما متعارضتان.
من إصلاح الواقع إلى إخضاعه
يرصد حازم صاغية هذه الازدواجية بوضوح في التجربتين الفرنسية والروسية. هناك، أولاً، ثورة تنشأ من ضرورة «تصويب الواقع» عندما يبلغ تناقضه مع شروط الحياة الكريمة حدوداً لا تطاق. تلك ثورة تسعى لإزالة ظلم ملموس، أو كسر امتيازات فقدت مبرراتها، أو توسيع دائرة الحقوق والمشاركة والحرية. لكن ثورة ثانية قد تولد في أعقابها. والثورة الثانية أخطر وأشدّ وقعاً، لأنها لا تكتفي بتغيير ما هو سيئ لبناء واقع أفضل، بل تريد إخضاع الواقع بالمطلع لفكرة متعالية عليه. هنا يتحول الحلم الثوري في إصلاح حياة الناس وتحسين ظروف معيشتهم إلى كابوس يسعى لتغيير الناس أنفسهم، وإعادة صياغة طبعهم البشري وفق نموذج نظري متعال ومحدّد سلفاً. عندئذ تنقلب الثورة على أعقابها، فما إن يقاوم الواقعُ النظريةَ أو يعارضها حتى يبرز العنف كوسيلة ثورية لتطويع الواقع وتأديب المعارضين.
بهذا المعنى، يمكن قراءة المسافة الفاصلة بين 1789 و«عهد الرعب» في الثورة الفرنسية بوصفها انتقالاً من ثورة الحقوق إلى ثورة الفضيلة المفروضة بالقوة. ويمكن النظر إلى الثورة الروسية بالطريقة ذاتها: من انهيار نظام قيصري استنفد شرعيته إلى سلطة حزبية تدّعي امتلاك تفسير مطلق للتاريخ بما يحدّد اتجاهه النهائي.
عند هذه النقطة تحديداً يتنقل الكتاب من المديح إلى هجاء. فالمشكلة مع الثورة لا تكمن فقط في كونها قد تخفق في تحقيق أهدافها، بل أيضاً في كونها قد تنجح أحياناً بأكثر مما ينبغي: تنجح في تحطيم النظام القديم، لكنها لا تكتفي بذلك، بل تقنع نفسها بأنها قادرة على تحطيم المجتمع لإعادة تركيبه على الوجه الأمثل. ومن هنا يتولّد ذلك الإغراء بالقوة الذي يصاحب ثورات كثيرة: إذا كانت العقبة أمام السعادة البشرية هي الواقع القائم، فلماذا لا نغيّر هذا الواقع بالقوة؟
بذلك تصبح المقصلة، والسجن، والتطهير، والإقصاء، أدوات شريرة لكنها مشروعة بحجة أنها شرّ مؤقت يؤسّس لمستقبل نهائي سعيد! أضف لذلك كون المؤقت الثوري لديه ميل جارف للاستمرار والديمومة.
حين تبتلع الثورةُ أبناءها
الثورة الإيرانية تضيف إلى هذه الإشكالية بعداً مختلفاً. فهي لم تنشأ داخل مرجعية فكرية موحدة كتلك التي أنجبت الثورتين الفرنسية والروسية، وإن تشابهت معهما في القدرة على التجنيد والحشد الشعبي لإسقاط نظام كان يبدو، حتى وقت قصير من انهياره، متماسكاً وشديد البطش.
تقاطعت في الشارع الإيراني المنتفض ضد الشاه تيارات شديدة الاختلاف: إسلاميون ويساريون وليبراليون وقوميون وطلاب وتجار وطبقات وسطى وفئات شعبية. جمع بينها رفض الشاه والتطلع لإسقاطه. لكن ذلك لم يكن يعني أنها تتشارك في تصور واحد او متناسق لما ينبغي أن يأتي بعد سقوط الشاه.
من هذا المنطلق تتولّد إحدى مفارقات الثورات الأكثر بؤساً وقتامة: وحدة الصف التي تتبلور في مواجهة العدو المشترك سرعان ما تتبدد بعد سقوطه. عندئذ تدبّ الصراعات داخل الجسدي الثوري، ويصبح الهاجس الرئيسي: من يفوز بالسلطة ليرث الثورة.
بهذا المعنى، لا يهتم حازم صاغية بتأليف كتاب عن ثلاث ثورات متباعدة، بعيدة بقدر ما يعنى بالتأمل في الفكرة الثورية ذاتها، وفي الحدّ الفاصل بين اللحظة الثورية التي تولد من الحاجة المشروعة إلى تغيير واقع ظالم، وبين اللحظة الثورية المضادة الهادفة إلى فرض «فردوس سياسي» بالقوة.
مثل هذه التأملات تكتسي أهمية خاصة بالنسبة إلى القارئ العربي الذي عاش، خلال العقود الأخيرة، انهيار أنظمة وقيام انتفاضات وثورات مضادة وحروب أهلية، وشاهد كيف يمكن للشعار الثوري أن يُرفع على الأكتاف ثم سرعان ما يُزجّ به في غياهب المحظورات، فور سقوط العدو المشترك، وكيف يمكن للثائر من أجل الحرية أن يسهِم في إسقاط نظام مستبد، ليجد نفسه، في وقت قياسي، حيال مستبدّ جديد لا يتورّع عن مصادرة حريته، بالرغم من أنه كان قبل توليه السلطة رفيقه في النضال الثوري.
ولعل فضيلة الكتاب الأساسية تكمن في رفض الثنائية الكسولة التي تريد تخيير الناس بين تقديس الثورة وتقديس الاستقرار. فليس كل استقرار عدلاً، وليس كل ثورة حرية.
حين تنقلب الثورة على نفسها
الثورات تصبح حتمية تاريخيّة حين يعجز النظام القائم عن إصلاح نفسه، وتتسع الهوة بين المجتمع ومؤسساته الحاكمة بما يفضي إلى الانفجار. لكن الحلم الثوري ينقلب كابوساً عندما تتحول الثورة من وسيلة لصناعة التاريخ إلى عقيدة مغالية تزعم لنفسها امتلاك الحقيقة المطلقة التي تخولها إنهاء التاريخ لا التأثير فيه وحسب.
وهنا تكمن المفارقة التي يخيل اليها عنوان الكتاب. ففي الثورة ما يستحق المديح حين تكسر أبواباً أوصدها الاستبداد، وفيها أيضاً ما يستحق الهجاء حين تعيد إغلاق تلك الأبواب ذاتها بمفاتيح تؤسّس لاستبداد جديد.
وبين الباب الذي يُفتح والباب الذي يُغلق، يضعنا كتاب حازم صاغية في مواجهة إشكاليات جوهرية تلاحق الثورات الشعبية الحديثة منذ أكثر من قرنين: لماذا تأكل الثورة أبناءها؟ ولماذا تجهض أحلامها بيدها؟ وكيف ينتهي الأمر بمن ثاروا لإسقاط أنظمة لا تُطاق إلى إقامة منظومات حكم لا تقل عنها قسوة ودموية؟















