القاهرة - عبدالوهاب داود
القاهرة - عبدالوهاب داود

مقالات مشابهة

وثائق سرية

قبل كامب ديفيد بسنوات.. وثائق “نوبل” تكشف: نجيب محفوظ دخل سباق الجائزة قبل 13 عامًا من تتويجه

القاهرة - عبدالوهاب داود
القاهرة - عبدالوهاب داود

قبل أيام من الذكرى العشرين لرحيله، كشفت الوثائق السرية الخاصة بترشيحات جائزة “نوبل” (1975) عن ورود اسم المصري نجيب محفوظ ضمن المرشحين للجائزة في ذلك العام. وأفرج عن هذه الوثائق وأتيح الاطلاع عليها بعد مرور أكثر من 50 عامًا، بما يغلق الباب أمام شائعات تحدثت عن دعم إسرائيلي لفوزه بالجائزة عام 1988 بسبب موقفه الداعي للسلام مع الاحتلال.

يكتسب ترشيحه عام 1975 دلالة خاصة؛ إذ لم يكن قد مضى على حرب أكتوبر 1973 سوى عامين، ولم تكن تلوح في الأفق آنذاك مؤشرات إلى سلام أو تطبيع، ولم تكن هناك اتفاقيات أو معاهدات ولا حتى مفاوضات معلنة أو خلف الكواليس.

الوثائق التي تم الإفراج عنها كشفت أن اهتمام المؤسسات الثقافية العالمية بإنتاج نجيب محفوظ الأدبي، وارتباط اسمه بالجائزة لم يبدأ في عام تتويجه بها، ولا قبلها بعدد محدود من السنوات، بل بنحو 13 عامًا، إذ قالت الوثائق أن ترشيحات الباحث والأكاديمي الفرنسي ميشيل كادو عام 1975 تضمنت ظهور اسم الكاتب المصري نجيب محفوظ كمرشح للجائزة للمرة الأولى. وكادو واحد من أبرز المتخصصين في الأدب الروسي والأدب المقارن في فرنسا، وكان يشغل وقتها منصب نائب رئيس جامعة السوربون.

15 ترشيحًا لطه حسين

الوثائق المفرج عنها حديثًا تكشف عن وجود عدد كبير من المرشحين العرب خلال تلك الفترة، منهم من تظهر أسماؤهم للمرة الأولى، وآخرون ظهرت أسماؤهم قبلها وبعدها لمرات عدة، وربما كان أسبقهم جميعًا عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين الذي ظهر اسمه ضمن قائمة المرشحين للجائزة الأشهر عالميًا لخمس عشرة مرة، أولها عام 1949، حيث رشحه لها المصري أحمد لطفي السيد، وظل اسمه حاضرًا في ترشيحات الجائزة لعقود طويلة، وحتى رحيله عام 1973، العام الذي شهد إدراج اسمه في قائمة المرشحين لجائزة نوبل في الأدب للمرة الأخيرة.

وتشير سجلات الأرشيف إلى ترشيح طه حسين عامي 1950 و1952، يليها سلسلة من الترشيحات بين عامي 1965 و1969، إضافة إلى عدة ترشيحات عام 1968 من جامعات ومؤسسات أكاديمية، بينها جامعة الكويت والجامعة الأردنية ومجمع اللغة العربية، ثم ترشيحين عام 1969.

دخل توفيق الحكيم دائرة المرشحين عام 1972، من خلال ثلاثة ترشيحات، وهي السنة التي شهدت وصول عدد الجهات التي يمكنها الترشيح لجائزة الأدب إلى 151 جهة، وجاء ترشيح ميشيل كادو لنجيب محفوظ عام 1975، ليضيف اسمًا مصريًا جديدًا إلى سباق “نوبل”. 

ويكتسب ترشيح كادو لمحفوظ أهميته بالنظر إلى ترشيحاته السابقة التي ضمت كلا من الفرنسيين لويس أراجون وأندريه مالرو، والأرجنتيني خورخي لويس بورخيس، وارتباط اسمه بالتقاليد الأكاديمية الفرنسية في دراسة الأدب الروسي، والعلاقات الثقافية الروسية-الفرنسية، إلى جانب توليه رئاسة الجمعية الفرنسية للأدب العام والمقارن في فترتين، وإسهاماته البحثية البارزة في الدراسات السلافية والأدب المقارن، مع اهتمام خاص بأعمال عدد من كبار الأدباء الروس، وفي مقدمتهم فيودور دوستويفسكي وألكسندر بوشكين، وأبحاثه حول التبادل والتأثيرات الثقافية والأدبية.

منافسة لبنانية جزائرية

الجائزة التي ذهبت في سنتها إلى الشاعر الإيطالي إيجينيو مونتالي، شهدت حضورًا عربيًا بارزًا، إذ ظهر في قائمة عام 1975 اسم الأديب اللبناني ميخائيل نعيمة في سجلات الترشيحات، وهو أحد أبرز رموز أدب المهجر العربي، وعضو “الرابطة القلمية” التي أسسها نخبة من الأدباء ذوي الأصول العربية في الولايات المتحدة الأمريكية خلال النصف الأول من القرن العشرين. 

جاء ترشيح نعيمة من قبل أكاديمي فرنسي من أصول لبنانية، هو توفيق فهد، المتخصص في التاريخ والحضارة الإسلامية، وأستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة ستراسبورغ. كما شهد العام نفسه ترشيح الكاتب والروائي الجزائري محمد ديب (21 يوليو 1920 – 2 مايو 2003)، وقد رشحته وقتها البروفيسورة جان ليدي جوريه، الأستاذة الفخرية لعلم اللغويات واللغة الإنجليزية بجامعة السوربون الجديدة “باريس 3″، والحاصلة على الدكتوراة من جامعة هارفارد في النحو والصياغة اللغوية وعلاقة الجملة بالخطاب.

23 مصريًا و5 كُتاب عرب

وثائق أرشيف “نوبل” كشفت ارتفاع عدد ترشيحات المصريين طوال عمر الجائزة الأشهر عالميًا إلى 23 ترشيحًا من 4 مدن و8 جامعات مختلفة، ومن قبل 20 جهة، كما كشفت أن ترشيحات عام 1972 ضمت أسماء 101 كاتب من أنحاء العالم، وهو العام الثاني الذي يتجاوز فيه عدد المرشحين مئة اسم، سبقه عام 1969 باقتراح أسماء 104 كُتاب.

وتنوعت جنسيات المُرشَحين في قائمة الجائزة، إذ ضمت 5 كُتاب وشعراء عرب، بينهم ثلاثة لبنانيين، أولهم الشاعر الراحل سعيد عقل الذي جاء ترشيحه من قبل رابطة الأندية الثقافية في لبنان، وميخائيل نعيمة، ثم الشاعر والروائي جورج شحادة، بترشيح من جوزيف باسيلا وكميل أبو صوان وفؤاد البستاني. 

وكان محفوظ أول فائز عربي بها عام 1988، حيث أقيمت مراسيم تسليم الجائزة في ستوكهولم، بينما تعذر على محفوظ حضور الاحتفال، فتسلمت ابنتاه أم كلثوم وفاطمة الجائزة نيابة عنه من الملك كارل السادس عشر جوستاف.

وبحسب بيان “نوبل” الرسمي، منحت الأكاديمية السويدية الجائزة في الأدب عام 1988 لنجيب محفوظ، تقديرًا لأعماله التي جمعت بين الواقعية الدقيقة والرمزية، وأسهمت في تشكيل فن سردي عربي ذي أبعاد إنسانية عالمية. وأشادت الأكاديمية السويدية بمسيرة محفوظ، معتبرة أن القاهرة تحولت في أعماله إلى عالم أدبي متكامل، ظهرت فيه أحياؤها وشوارعها وشخصياتها في رواياته وقصصه ومسرحياته، من “زقاق المدق” و”الثلاثية” إلى “ثرثرة على النيل”، كما أكدت الأكاديمية أن محفوظ أسهم بصورة أساسية في نضج الرواية العربية خلال القرن العشرين، عبر تنوع أساليبه بين الواقعية والرمزية والتأملات الفلسفية والصوفية، وناقشت أعماله قضايا إنسانية كبرى، بينها الزمن، والإيمان، والحرية، والحب، والمعرفة ومصير الإنسان.