تونس - نور الدين بالطيب
تونس - نور الدين بالطيب

مقالات مشابهة

مسرح

الفاضل الجعايبي.. مدخل نحو فن المواطنة

تونس - نور الدين بالطيب
تونس - نور الدين بالطيب

شكّل المسرحي الفاضل الجعايبي، المولود في أريانة في العام 1945، تجربة مغرية للباحثين في المسرح العربي على مدى ستة عقود. فقد اقترن اسمه بانطلاق تجربة مسرح الجنوب بقفصة، في الجنوب الغربي التونسي، مع مجموعة من المسرحيين الشباب آنذاك، بينهم الراحل الفاضل الجزيري، ورجاء فرحات، ورؤوف بن عمر، قبل أن تتوسع التجربة لاحقاً في “المسرح الجديد”.

كانت تلك المغامرة الفنية لافتة لأنها نشأت في مدينة لم تكن تمتلك تقاليد مسرحية محترفة راسخة، لكنها نجحت، خلال وقت قصير، في جعل اسم مسرح الجنوب بقفصة متداولاً في الوسط الثقافي التونسي. ومنذ تلك المحطة، لم تتوقف تجربة الجعايبي عن طرح سؤال المسرح بوصفه عملاً فنياً ومواطنياً في آن واحد.

حول هذه التجربة الاستثنائية في تراكمها وعمقها الفني وخصوصياتها، أصدر الباحث والمسرحي عبد الفتاح الكامل كتاباً جديداً بعنوان “البسيط والعميق في مسرح الجعايبي مدخل نحو فن المواطنة”، قدّمه الدكتور عبد الحليم المسعودي عميد المعهد العالي للفن المسرحي بتونس.

يرافق الكتاب تجربة الجعايبي منذ بداياتها أواخر ستينات القرن الماضي، بعد انتفاضة الطلبة في فرنسا المعروفة بثورة مايو/أيار 1968، التي ألقت بظلالها على الفن والثقافة في أنحاء مختلفة من العالم. وهو ما أشار إليه الباحث في بداية الكتاب: “إذا كانت النزعة البصرية لدى الجعايبي قد وجدت جذورها الأولى في طفولته وتبلورت تقنياً في سنوات التكوين، فإنّها لم تكتسب عمقها الجمالي والفلسفي إلاّ عبر تلك الصدمة الثقافية التي عاشها في باريس أواخر الستينيات وبداية السبعينيات”.

 باريس و”بريشت” 

يخصّص الكامل الفصل الأول من كتابه لتأثيرات مايو/أيار 1968 على تكوين الفاضل الجعايبي، الذي كان طالباً آنذاك في بعثة دراسية رسمية. فقد شكّلت باريس “مختبراً مفتوحاً تتقاطع فيه تيّارات فكرية وجمالية متعدّدة، وتكسر فيه الحواجز بين الفن والمجتمع، وبين الفن والسياسة”، وهذا الخيط حافظ عليه الجعايبي في كامل مسيرته المسرحية، فلم يخلُ عمل واحد من أعماله، سواء الفردية أو المشتركة في مجموعة المسرح الجديد من الهاجس والسؤال السياسي واعتبار أن المسرح التزام مواطني حسب تعبيره.

وتناول الكامل في هذا الفصل أيضاً علاقة الجعايبي بعلمين من أعلام المسرح والسينما، هما بريشت وبيرغمان، فأول عمل له كان في باريس عن نص قصير لإنغمار بيرغمان بعنوان “رسم على الخشب”، قدّمه بيرغمان مع طلبته سنة 1955، ثم جعله مقدمة لفيلم” الختم سنة 1957″.

وفي العام 1968، شكّل نص “رسم على الخشب” نقطة الانطلاق الفعلية للتجربة المسرحية الأولى للفاضل الجعايبي، والتي أعقبتها خطوات أخرى ترجمت ولعه ببيرغمان خاصة على مستوى الصورة أو “المسرح السينمائي”.

ويرى الكاتب أن المنجز المسرحي للفاضل الجعايبي بعد عودته من باريس وتقديمه لأعمال مسرحية مع مجموعة فرقة “مسرح الجنوب” أو “المسرح الجديد” فيما بعد (1975)، كان فيها ظلال المسرحي الألماني برتولد بريشت باعتبار المسرح مواجهة مع السائد وزرع للسؤال في بنى السلطة الفكرية والسياسية، وهو ما ظهر واضحاً في كل أعماله مثل “محمد علي الحامي” و”غسّالة النوادر” و”لام” التي منعتها السلطة من العرض.

مسرح نخبوي للجميع

رفع الجعايبي شعار “مسرح نخبوي للجميع”، وظلّ وفياً لهذا الشعار إلى آخر أعماله “(الـ)حُلم… كوميديا سوداء”، التي تتواصل عروضها في تونس. ومن خلال الحوارات التي أنجزها الباحث معه، نكتشف المؤثرات العميقة التي قادت مسيرة الجعايبي منذ طفولته في مدينة أريانة ضواحي العاصمة مروراً بباريس التي كان لها الدور الأكبر في تكوينه بين جامعة السوربون والمسرح الوطني الشعبي.

يتوقف الكتاب أيضاً عند رؤية الجعايبي للممثل، الذي يحتّل في مسرحه موقع الشريك لا مجرّد “أداة”، كما تحدّث عن الارتجال في مسرحه، فمعظم أعمال الجعايبي لا تنطلق من نص مكتوب مسبقاً، بل من فكرة تتطوّر وتكتمل عبر التمرين والارتجال، لذلك قد يستغرق إعداد عمل مسرحي واحد أكثر من عام.

ولم يُغفل الكتاب الجانب السينمائي في مسيرة الجعايبي، الذي أنجز أربعة أفلام منها ثلاث مسرحيات حوّلها إلى أفلام سينمائية: “العرس”، “عرب وجنون” وفيلم “شيشخان” مع محمود بن محمود. وهو يمثّل كذلك وثيقة أساسية للغوص في عالم واحد من أبرز المخرجين في المسرح العربي المعاصر، هو فنان نال تنويهاً خاصاً ضمن جائزة أوروبا للمسرح في العام 2017، وجائزة التواصل بين الثقافات في مهرجان “فيوز دافريك” بمونتريال في العام 2008، والتانيت البرونزي في أيام قرطاج السينمائية في العام 1988 عن فيلم “عرب”.

ومن خلال هذا الكتاب، نقترب أكثر من الرؤية الفكرية للفاضل الجعايبي، الذي ينظر إلى المسرح بوصفه واجباً مواطنياً وأداة لتفكيك المسكوت عنه في المجتمع، لا مجرد مساحة للعرض أو التلقي الجمالي.

 

الكتاب: البسيط والعميق في مسرح الجعايبي

المؤلف: عبد الفتّاح الكامل 

الناشر: دار الجنوب

عدد الصفحات: 202

الثمن: 9 دولارات أمريكية