قدّمت المخرجة التونسية وفاء الطبوبي مسرحيتها “الهاربات” على ركح رباط المنستير مطلع أغسطس، حاملة إلى الخشبة شخصيات عالقة بين أعمال هشّة وعنف اجتماعي وآمال مؤجلة. ومن محطة انتظار لا تصل إليها الحافلة، تبني المسرحية سؤالها المركزي: هل يكون الهروب خلاصاً حين لا يعرف الهاربون إلى أين يذهبون؟
يندرج العرض ضمن الجولة الصيفية للمسرحية التي انطلقت من مهرجان الحمامات الدولي الذي افتتحت المسرحية ذاتها فعالياته، كما عرضت في بنزرت (شمال) وجربة (جنوب شرق)، وستتواصل جولتها الصيفية طيلة شهر أغسطس.
وسبق لـ”الهاربات” أن حصدت أبرز الجوائز المسرحية التونسية والعربية، بينها التانيت الذهبي في الدورة 26 لأيام قرطاج المسرحية، وجائزة أفضل عمل متكامل في مهرجان “مواسم الإبداع”، قبل أن تفوز في يناير الماضي بجائزة الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي لأفضل عرض مسرحي عربي، وهي الجائزة الكبرى لمهرجان المسرح العربي في القاهرة.
انتظار اللاشيء
هذه المسرحية هي الثالثة في مسيرة وفاء الطبوبي خريجة المعهد العالي للفن المسرحي بتونس، وهي العمل الثالث في رصيدها كمخرجة بعد “الأرامل” و”آخر مرة”، بعد أن شاركت في أعمال عدة كممثلة مع كبار المسرحيين التونسيين.
لم تكتفِ الطبوبي بإخراج “الهاربات”، إذ يعود إليها أيضاً نص وسينوغرافيا هذا العمل المسرحي الذي أشاد به النقّاد التونسيين والعرب، وقد اختارت لإنجازه خمس ممثلات هن فاطمة بن سعيدان، ومنيرة الزكراوي، ولبنى نعمان، وأميمة البحري، وصبرين عمر، إلى جانب الممثل أسامة الحنايني. الذين يلعبون دور مجموعة من الشخصيات تجمعها الصدفة في مكان يبدو وكأنه محطّة انتظار حافلة على رصيف عار، ينتظرون شيئاً لا يأتي، ليبدأ الصراع بينهم وليبوح كل منهم بأوجاعه وعذاباته ومحنته الخاصة، ويكشف الصراع بينها محنة المجتمع التونسي وصعوبات الحياة اليومية: البنية الأساسية المهترئة، العنف ضدّ المرأة، الجريمة، مشاكل المؤسسة الزوجية.

هذه الشخصيات التي تعيش أزمة وجودية بين واقعها المفتوح على المجهول وآمالها المجهضة، تضع الشخصيات أمام واقع يبدو فيه الهروب خلاصاً ممكناً، قبل أن تكشف الحركة الدائرية للعرض أن هذا الخلاص نفسه بلا منفذ. لذلك تضمنّت المسرحية مشاهد “هروب” عديدة لكن إلى أين؟! إنها رحلة دائرية بلا منفذ كأن الشخصيات تعيش في سجن تحاول الهروب منه لكن بلا جدوى.
على تخوم مسرح العبث
رغم أنّها مسرحية اجتماعية تطرح العديد من المشاكل التي يعاني منها المجتمع التونسي مثل هشاشة فرص العمل (الأساتذة الذين يعملون بعقد مؤقت) وعاملات التنظيف اللاتي يعانين من عبودية مقنّعة، وما يعرف في تونس بـ”البرباشة” الذين يلتقطون علب البلاستيك من المزابل، ومعاناة عاملات المصانع اللاتي يعانين من التحرّش مع أجور زهيدة وساعات عمل طويلة.. إلا أنّ المسرحية تطرح قضايا وجودية تذكرنا بمسرح العبث لدى يونسكو وبيكيت وغيرهما.
كل شخصية من شخصيات المسرحية الست تحاول الإفلات من مصيرها الخاص لكن دون جدوى، الهروب هو الخلاص الوحيد لكن إلى أين؟! لا أحد منهم يملك الإجابة؛ فوفاء الطبوبي ولئن انطلقت من قضايا اجتماعية في المجتمع التونسي اليوم إلا أنّها نجحت من خلال هذه القضايا في طرح سؤال أكبر حول أزمات الإنسان المعاصر بطرح قضية كونية وجودية هي مواجهة الإنسان مع ذاته ومصيره، ويعزز غياب الأسماء إمكانية قراءة الشخصيات بوصفها نماذج تتجاوز السياق التونسي، من دون أن تفقد جذورها الاجتماعية المحلية.
الضوء والعتمة
خلال ساعة ونصف تقريباً تنتقل وفاء الطبوبي بين الضوء والظلام، بين الصراخ والصمت، بين السكينة والاحتجاج. وتلك هي حياة الإنسان الذي يعاني مصيره الخاص إلى أن يسلم روحه.
تتويج جماهيري
مسرحية “الهاربات” التي عرضت مساء السبت في المنستير، ستواصل عروضها في المهرجانات الصيفية، وهي من المسرحيات القليلة التي تسجّل حضورها في المهرجانات الصيفية التي ضاقت فيها مساحات الفن الرابع.
وبالتوازي مع حصدها للعديد من الجوائز في تونس والعالم العربي، تبقى أكبر جائزة هي تفاعل الجمهور وتصفيقه الطويل لأداء الممثلات خاصة للمبدعة فاطمة بن سعيدان و المخضرمة منيرة الزكراوي والممثلة والمغنية العائدة إلى المسرح لبنى نعمان.
وفي النهاية، لا تمنح “الهاربات” شخصياتها طريقاً واضحاً للنجاة؛ تتركها، وتترك الجمهور معها، أمام السؤال الذي بدأ منه العرض: ماذا يبقى من فكرة الهروب حين يتحول الطريق نفسه إلى دائرة؟















