بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تحليل سياسي

واشنطن بين مُهلة جديدة وحسم مُؤجل: هل تعجز القوة العظمى عن القرار أم تدير لعبة الوقت في مواجهة طهران؟

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

في لحظة سياسية شديدة الحساسية، يتكشف المشهد بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران على أنه صراع إرادات بامتياز، يتجاوز كونه مواجهة تقليدية بين قوتين غير متكافئتين عسكرياً، بل ويتحول في ساعاته الأخيرة إلى ما يشبه صراع “عضّ أصابع” عالمي، حيث يختبر كل طرف قدرة الآخر على التحمل والصمود.

بينما تمتلك واشنطن أضخم آلة عسكرية في التاريخ، تبدو خطواتها محسوبة إلى درجة التردد، في وقت تُظهر فيه طهران قدرة لافتة على امتصاص الضغوط وإدارة التصعيد ببرود محسوب.

هذا التناقض الظاهري لا يعكس ضعفاً بقدر ما يكشف عن تعقيد المشهد، ويطرح سؤالاً جوهرياً: هل تعاني “القوة العظمى” من عجز في اتخاذ القرار، أم أنها تنتهج استراتيجية أكثر عمقاً تقوم على استنزاف الخصم ودفعه تدريجياً نحو الزاوية الحرجة؟

تمديد المهلة: تكتيك محسوب أم إشارة ارتباك؟

يعكس قرار تمديد المهلة الممنوحة لإيران لـ 10 أيام إضافية في ظاهره رغبة في منح الدبلوماسية فرصة أخيرة، لكنه في العمق يكشف عن معادلة أكثر تعقيداً. فمن جهة، تسعى واشنطن إلى الحفاظ على زخم الضغط من دون التورط في مواجهة مفتوحة قد تتدحرج إلى حرب إقليمية واسعة. ومن جهة أخرى، فإن تكرار هذه المُهل يضعف من هيبة التهديدات الأمريكية، ويمنح طهران وقتاً إضافياً لإعادة ترتيب أوراقها وتعزيز موقعها.

هذا التمديد لا يمكن فصله عن إدراك متزايد داخل المؤسسات الأمريكية بأن أي ضربة عسكرية، مهما كانت دقيقة، لن تكون نهاية الأزمة، بل قد تكون بدايتها الفعلية. وهنا يتحول “التأجيل” من أداة ضغط إلى ضرورة استراتيجية لتفادي قرارات غير قابلة للتراجع.

معضلة القرار: كلفة الحرب وحدود الردع

تواجه واشنطن معضلة مركبة تجعل من الصعب اتخاذ قرار حاسم. فالحرب ضد إيران ليست مجرّد عملية عسكرية محدودة، بل سيناريو مفتوح على احتمالات متعددة، تبدأ بضربات متبادلة ولا تنتهي عند حدود جغرافية معينة.

يتمثّل أول هذه التحديات في أسواق الطاقة، حيث يشكل أي اضطراب في إمدادات النفط تهديداً مباشراً للاقتصاد العالمي. فإغلاق أو حتى تهديد الممرات الحيوية قد يدفع الأسعار إلى مستويات قياسية، ما ينعكس سلباً على الداخل الأمريكي، ويقوض أي مكاسب سياسية محتملة من العمل العسكري.

أما التحدي الثاني، فيكمن في طبيعة الجغرافيا الإيرانية وقدراتها الدفاعية، التي تجعل من أي حملة عسكرية طويلة الأمد خياراً مكلفاً وغير مضمون النتائج. فالحروب الحديثة لا تُحسم بالقوة الجوية فقط، بل تحتاج إلى استقرار سياسي وأمني في مرحلة ما بعد العمليات، وهي معادلة تبدو شديدة التعقيد في الحالة الإيرانية.

الدبلوماسية تحت الضغط: مفاوضات بلا أفق واضح

في موازاة التصعيد، تواصل واشنطن التلويح بخيارات دبلوماسية، في محاولة للحفاظ على مسار تفاوضي يمنع الانفجار. غير أن هذه الدبلوماسية تبدو حتى الآن أقرب إلى إدارة الأزمة منها إلى حلها.

المقترحات المطروحة، التي تتضمن شروطاً صارمة تتعلق بالبرنامجين النووي والدفاعي، تُفسَّر في طهران على أنها محاولة لفرض معادلة استسلام، لا تسوية متوازنة. وهذا ما يُفسر استمرار حالة الجمود، حيث يتمسك كل طرف بسقوفه العالية من دون استعداد فعلي لتقديم تنازلات جوهرية.

ومع مرور الوقت، تتحول هذه المفاوضات إلى أداة لكسب الوقت أكثر من كونها وسيلة للوصول إلى اتفاق، ما يعزز الانطباع بأن الأزمة تُدار لا تُحل.

إيران: استراتيجية النفس الطويل

في المقابل، تعتمد طهران على استراتيجية تقوم على الصبر والمناورة، مستفيدة من خبرتها الطويلة في التعامل مع الضغوط الدولية. فكل تأجيل أو تمديد للمهلة يمثل فرصة لتعزيز أوراقها، سواء عبر تطوير قدراتها أو تحسين شروطها التفاوضية.

هذا النهج لا يعني بالضرورة السعي إلى التصعيد، بل يعكس رغبة في تجنب المواجهة المباشرة مع الحفاظ على عناصر القوة. ومن خلال هذه المقاربة، تنجح إيران في تحويل عامل الوقت إلى أداة ضغط مضادة، تجعل من الصعب فرض إيقاع زمني عليها من الخارج.

حلفاء مترددون ومشهد دولي معقد

العامل الدولي يلعب دوراً حاسماً في تعقيد المشهد. واشنطن، على الرغم من قوتها، لا تتحرك في فراغ، بل ضمن شبكة من التحالفات التي لم تعد متماسكة كما في السابق. التباينات مع الحلفاء، خصوصاً في أوروبا، تعكس اختلافاً في تقدير المخاطر والأولويات.

هذا التباين يُضعف القدرة على تشكيل جبهة موحدة، ويجعل من أي تحرك عسكري قراراً أحادياً تتحمل واشنطن تبعاته بشكل أكبر. كما أن غياب توافق دولي واسع يقلل من فعالية الضغوط السياسية والاقتصادية، ويمنح طهران هامشاً أوسع للمناورة.

الشرق الأوسط: بين القلق والحذر الاستراتيجي

أما على صعيد منطقة الشرق الأوسط، فإن دول التعاون الخليجي تتابع التطورات بقلق متزايد، حيث تدرك أن استمرار حالة “اللا حسم” قد يكون أكثر خطورة من المواجهة المباشرة. فالتوتر المستمر يرفع من احتمالات الانزلاق إلى صدام غير محسوب، ويؤثر على الاستقرار الاقتصادي والأمني.

لذلك، تتبنى هذه الدول سياسة مزدوجة تقوم على دعم المسار الدبلوماسي، مع تعزيز قدراتها الدفاعية ورفع مستوى الجاهزية. كما تحرص على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، لتفادي أن تكون نتائج أي تسوية على حساب مصالحها.

أما الأردن، فينظر إلى الأزمة من منظور الاستقرار الإقليمي، حيث يشكل أي تصعيد تهديداً مباشراً لأمنه واقتصاده، ما يجعله من أكثر الأطراف حرصاً على تجنب المواجهة.

ما يبدو للبعض تردداً أمريكياً، يمكن تفسيره على أنه إدراك عميق لحدود القوة في عالم مُعقد. فالتفوق العسكري لا يعني بالضرورة القدرة على تحقيق أهداف سياسية بسرعة أو بكلفة منخفضة.

إن اتخاذ قرار بالحرب لا يتعلق فقط بإمكانية تحقيق النصر، بل بقدرة تحمل تبعاته. وفي الحالة الإيرانية، تبدو هذه التبعات أكبر بكثير من أي مكاسب مُحتملة، وهو ما يفسر هذا الحذر الشديد في اتخاذ القرار.

الحسم المُؤجل ومعادلة “اللا حرب واللا سلام”

في ضوء كل ما سبق، يتضح أن المشهد الحالي لا يعكس عجزاً بقدر ما يعكس تعقيداً استراتيجياً عميقاً. فالولايات المتحدة لا تفتقر إلى القوة، لكنها تفتقر إلى خيار واضح منخفض الكلفة يمكنه تحقيق أهدافها من دون مخاطر كبيرة.

بين تمديد المهلة واستمرار المفاوضات، تدخل الأزمة مرحلة “الحسم المُؤجل”، حيث تتعايش احتمالات الحرب والتسوية في آن واحد. وفي هذا السياق، يصبح الوقت عاملاً حاسماً، ليس فقط في تحديد مسار الأزمة، بل في إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة.

يبقى السؤال مفتوحاً: هل يقود هذا المسار إلى تسوية متأخرة تنهي حالة التوتر، أم أن العالم يقف على أعتاب مواجهة مؤجلة، تتراكم أسبابها يوماً بعد يوم بانتظار لحظة الانفجار؟