استيقظت القاهرة صباح اليوم، الاثنين 20 يوليو/ تموز، على نبأ رحيل الموسيقار الكبير هاني شنودة عن عمر يقارب الثلاثة وثمانين عامًا، لتكتسي سماؤها بأطياف مروره الموسيقي اللطيف، فهو الذي ساهم، مع مجموعة كبيرة من المطربين والمؤلفين الموسيقيين المؤثرين، في تغيير وجه الموسيقى والغناء في عالمنا العربي خلال النصف قرن الأخير، وتحويلها إلى مسار الأغنية العالمية بإيقاعاتها الخفيفة والحديثة، وكلماتها المعبرة عن روح العصر.
في مسيرة الموسيقار الكبير التي امتدت لنحو ستة عقود، أكثر من محطة غنائية وموسيقية فارقة، ربما كانت أبرزها مساهمته في تطوير الموسيقى التصويرية لكثير من الأفلام المهمة في تاريخ السينما المصرية، وتأسيس الفرق الغنائية الكبيرة والمؤثرة، أشهرها فرقة “الأصدقاء” التي ظهرت لأول مرة في نهاية سبعينيات القرن الماضي، إلى جانب اكتشافه للعديد من الأصوات الأكثر شهرة وحضورًا في عالمنا العربي في السنوات الأخيرة، وأنه الموسيقي المسيحي الذي وضع ألحانه في المديح النبوي لرسول الإسلام، وهو ما ظهر في كلمات نعيه التي شملت كبار المطربين والموسيقيين وشعراء الأغنية، فقال عنه النجم عمرو دياب الذي كتب على حساباته المختلفة بمواقع التواصل الاجتماعي ما نصه: “خالص التعازي لأسرة الموسيقار الكبير هاني شنودة في الفقيد العزيز، الذي ترك إرثًا فنيًا عظيمًا، وأسهم في تشكيل وجدان أجيال كاملة من خلال موسيقاه وإبداعه.. ستبقى أعماله خالدة، وسيظل اسمه حاضرًا في تاريخ الموسيقى العربية.. رحمه الله، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أسرته ومحبيه الصبر والسلوان”.
والمعروف أن شنودة يعد مكتشف عمرو دياب، وأول من قدمه إلى الساحة الفنية في مطلع الثمانينيات، حيث شارك في تلحين عدد من أغنيات ألبومه الأول “يا طريق” الذي صدر عام 1983. وحرص دياب على المشاركة في حفل تكريمه بالمملكة العربية السعودية عام 2023، وغنى معه على خشبة المسرح أغنية “الزمن” التي قدمه شنودة فيها لأول مرة عبر شاشة التلفزيون.
مدرسة خاصة في التلحين
من جانبها، نعت دار الأوبرا المصرية برئاسة الدكتور رضا الوكيل، وجميع الفنانين والعاملين بها، الموسيقار الكبير شنودة، وقالت في بيان رسمي: “إن الساحة الموسيقية المصرية والعربية فقدت أحد أبرز المبدعين الذين أسهموا في تطوير الأغنية العربية، وإعادة تشكيل ملامحها الحديثة.. قدم أعمالًا خالدة جمعت بين الأصالة والتجديد، واستطاع أن يصنع مدرسة موسيقية خاصة به، كان لها تأثير كبير على أجيال متعاقبة من الفنانين والموسيقيين”.
وأضافت: “لم يكن هاني شنودة مجرد ملحن أو موزع موسيقي، بل صاحب رؤية فنية متكاملة، نجح من خلالها في تقديم ألوان موسيقية جديدة، وأسهم في إثراء الحركة الفنية المصرية والعربية بإبداعات ما زالت تحتفظ ببريقها رغم مرور السنوات، وتميز بموهبة استثنائية جعلته أحد أهم رموز الموسيقى العربية، حيث ترك بصمات واضحة في مجال التلحين والتوزيع الموسيقي، وقدم تجارب رائدة ساهمت في تطوير شكل الأغنية الحديثة، لتظل أعماله مصدر إلهام للأجيال الجديدة من المبدعين”.
وقالت نقابة المهن الموسيقية المصرية، برئاسة الفنان مصطفى كامل في بيان رسمي إن “رحيل هاني شنودة يمثل خسارة كبيرة للوسط الفني، باعتباره أحد أبرز رواد الموسيقى الحديثة في مصر، وصاحب مدرسة خاصة في التلحين والتوزيع الموسيقي، أسهمت في تشكيل وجدان أجيال متعاقبة من الجمهور، كما كان له دور بارز في تقديم العديد من الأصوات والمواهب التي أصبحت فيما بعد من أهم نجوم الغناء في الوطن العربي”.
وأشارت النقابة إلى أن الراحل “لم يكن مجرد موسيقار وموزع بارع، بل كان رمزًا للعطاء والإبداع، كرّس حياته لخدمة الفن الراقي، وترك إرثًا موسيقيًا خالدًا سيظل حاضرًا في ذاكرة محبيه وفي تاريخ الأغنية العربية، بما قدمه من أعمال أثرت المكتبة الموسيقية وأسهمت في الارتقاء بالذوق الفني”. وأضاف البيان، أن هاني شنودة “كان صاحب تجربة فنية فريدة، استطاع من خلالها أن يمزج بين الأصالة والتجديد، وأن يقدم رؤية موسيقية مختلفة جعلته واحدًا من أهم الأسماء في تاريخ الموسيقى العربية، لتظل أعماله شاهدة على موهبته الاستثنائية وإسهاماته الكبيرة في تطوير صناعة الموسيقى”.
لقاء مع نجيب محفوظ
ولد شنودة في مدينة طنطا بمحافظة الغربية عام 1943، وتخرج من كلية التربية الموسيقية عام 1966، وارتبط اسمه بالموسيقى التصويرية لعدد كبير من أهم الأفلام السينمائية، كما كان من بين الموسيقيين الذين قدموا أنماطًا موسيقية مختلفة عن السائد في ذلك الوقت، وساهموا في إدخال أساليب وتوزيعات موسيقية جديدة إلى الأغنية المصرية، حيث شارك في أواخر ستينيات القرن الماضي مع كل من عزت أبو عوف وعمر خيرت في تأسيس فرقة “القطط الصغيرة”، التي تعد من أوائل الفرق التي قدمت موسيقى الروك وأنماطاً موسيقية غربية أخرى في مصر، وحظيت بشعبية واسعة بين الشباب. وفي عام 1977، أسس فرقة “المصريين”، التي أصبحت واحدة من أشهر الفرق الموسيقية الحديثة في مصر، وصنعت لونًا موسيقيًا مختلفًا عن السائد، كما أسهمت في تقديم عدد من الفنانين إلى الساحة الغنائية.
وهي الفرقة التي كشف في أكثر من لقاء سابق أن الشرارة الأولى لتأسيسها جاءت من الأديب العالمي نجيب محفوظ، وروى أنه بعد تخرجه كوّن فرقة موسيقية كانت تقدم مقطوعات وأغنيات غربية، وجابت عددًا من الدول العربية، من بينها لبنان وسوريا، وخلال إحدى الحفلات التي حضرها نجيب محفوظ، سأله عن طبيعة الموسيقى التي يقدمها، ثم وجه إليه سؤالًا ظل عالقًا في ذهنه: “لماذا لا تقدمون هذا اللون بالعربية”؟
قال شنودة إن هذا السؤال كان نقطة التحول التي دفعته للتفكير في تقديم موسيقى عربية بروح عصرية، تعتمد على التوزيع الموسيقي الحديث والهارموني، بعيدًا عن القوالب الموسيقية التقليدية السائدة في ذلك الوقت، وبدأ تنفيذ فكرته من خلال التعاون مع الشاعرين شوقي حجاب وعبد الرحيم منصور في ألبوم “علموني عنيكي” للمطرب محمد منير، الذي كان بمثابة أولى خطوات المشروع الموسيقي الجديد، ورغم أن الألبوم لم يحقق نجاحًا جماهيريًا وقت صدوره بسبب ضعف انتشار شرائط الكاسيت، وعدم شهرة منير في ذلك الوقت، فإنه كان الأساس الذي انطلقت منه تجربة مختلفة، ومن رحم هذه التجربة خرجت فكرة “المصريين” التي سرعان ما حققت نجاحًا كبيرًا بأول ألبوماتها “بحبك لا”، والذي تضمن أغنيات فاقت شهرتها الحدود، ومن بينها “ماشية السنيورة” و”ما تحسبوش يا بنات” و”بنات كتير”، وفتحت الباب أمام ظهور عشرات الفرق الغنائية، مثل “الفور إم” و”الأصدقاء” و”النهار” وغيرها.
هدية من العندليب
في الموسيقى التصويرية، وضع شنودة موسيقى عدد من الأفلام البارزة في السينما المصرية، من أشهرها “المشبوه” و”الحريف” للنجم عادل إمام، الذي قدم له موسيقى الكثير من الأفلام، ومن بينها “عصابة حمادة وتوتو” و”الأفوكاتو” و”المولد” و”مسجل خطر” و”شمس الزناتي”، و”الهلفوت” و”سلام يا صاحبي” و”اتنين على الطريق”.
وإلى جانب عمله كملحن وموزع موسيقي، كان هاني شنودة عازفًا بارعًا على آلة الأورغ، وحكى أنه تعرف خلال بداياته على أسطورة الغناء العربي الراحل عبدالحليم حافظ، حيث التقاه في فندق “فلسطين” بمدينة الإسكندرية، وتعرف إليه خلال عزفه في إحدى السهرات، وقال إنه بعد عودته إلى القاهرة، تلقى اتصالاً من عبد الحليم أبدى خلاله رغبته في التعاون معه، وإنه أهداه آلة أورغ كانت هي الأحدث في وقتها، واتفق معه على تشكيل فرقة موسيقية صغيرة ترافقه في حفلاته الخارجية بديلاً عن الفرقة الكبيرة التي كانت تصاحبه في جولاته، وشارك بالفعل في إحدى حفلات عبد الحليم في نادي الجزيرة، غير أن المشروع لم يستمر بسبب تدهور الحالة الصحية للمطرب المصري الراحل ووفاته لاحقًا.
رد الجميل لنبي الإسلام
قبل وفاته، تحدث هاني شنودة في تصريحات تلفزيونية عن علاقته بالموسيقى الروحية، واستماعه إلى القرآن الكريم، مؤكدًا أنه كان يستمتع بجمال التلاوة، وأداء كبار القراء، بعيدًا عن أي تصنيف أو اختلاف. وقال: “في المصحف المرتل لا يعجبني غير الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، لأنه يفعل كل شيء في الإنشاد الديني بشكل منضبط، ومريح للأذن”، مضيفًا أن لكل مقرئ أسلوبه المميز، وأن من بين من تعجبه طريقتهم في التلاوة الشيخ محمود خليل الحصري، والشيخ محمد محمود الطبلاوي و”أن جمال التلاوة يرتبط بإحساس المستمع بالكلمات والمعاني”، قائلًا: “في الأول والآخر الناس تستريح للكلام والمعنى”. كما تحدث عن تقديمه لأعمالٍ في مدح نبي الإسلام قائلًا أنه فعل ذلك كنوع من التعبير عن المحبة والامتنان، وقال: “عملت مدايح في الرسول، وكان واجب إني أعمل كده، وأحب أعمل كده”، موضحًا أن دافعه في ذلك مرتبط بما ورد في الحديث الشريف عن مكانة أقباط مصر، قائلًا: “ده رد الجميل، أنا مقدرش أمدحه، أنا برد جميله عليّ”.
وكان هاني شنودة قد تعرض خلال الأيام الأخيرة لغيبوبة استدعت نقله إلى العناية المركزة، حيث خضع لمتابعة طبية مكثفة، في محاولة لإنقاذ حالته الصحية التي شهدت تدهورًا ملحوظًا. ورغم جهود الفريق الطبي، ساءت حالته بشكل كبير صباح اليوم، ليفارق الحياة وسط حالة من الحزن بين أسرته ومحبيه وزملائه في الوسط الفني.
وخلال الفترة الماضية، عانى الموسيقار الكبير من أزمات صحية متكررة نتيجة عوامل السن، إلا أنه ظل حاضرًا في المشهد الفني، محافظًا على شغفه بالموسيقى وحرصه على تقديم أعمال جديدة، مؤكدًا أن الإبداع لا يرتبط بالعمر بقدر ارتباطه بالشغف والعطاء. وكان آخر أعماله إعادة تقديم أغنية “بحلم معاك”، التي اشتهرت بصوت الفنانة نجاة الصغيرة، في رؤية موسيقية جديدة شارك فيها مغني الراب زياد ظاظا والمطربة تينا، في تجربة عكست رغبته الدائمة في التواصل مع الأجيال الجديدة وتقديم التراث الموسيقي بروح عصرية.















