تعيد الضغوط الدولية رسم المشهد الأمني في جنوب لبنان بعد الحرب، مع انتقال الاهتمام من تثبيت وقف إطلاق النار إلى بناء ترتيبات تمنع العودة إلى المواجهة. وتتحرك باريس وواشنطن على مسارين متوازيين: الأولى تبحث عن صيغة تضمن عدم نشوء فراغ بعد انتهاء مهمة “اليونيفيل”، والثانية تدفع نحو مسار تفاوضي بين لبنان وإسرائيل يعيد ملف الحدود إلى الإطار الرسمي للدولة.
لا يتعلق الأمر بإعادة إنتاج ترتيبات وقف النار السابقة، بل بمحاولة تغيير المعادلة التي حكمت الجنوب لعقود، عندما فرض وجود “حزب الله” المسلح خارج إطار الشرعية اللبنانية واقعاً أمنياً موازياً للدولة، فيما أبقت العمليات العسكرية الإسرائيلية المنطقة تحت ضغط دائم.
باريس تبحث صيغة ما بعد “اليونيفيل”
يأتي اجتماع باريس في توقيت حساس، قبل انتهاء ولاية “اليونيفيل” في نهاية 2026، وفق القرار الدولي الذي جعل التمديد الأخير للمهمة ينتهي في 31 ديسمبر/كانون الأول المقبل، على أن يبدأ بعده انسحاب منظم وآمن للقوات الدولية. وتبحث فرنسا مع شركائها خيارات تمنع تحول الانسحاب إلى فراغ أمني، بينها صيغة دولية أو أوروبية تركز على تدريب الجيش اللبناني وتجهيزه وتبادل المعلومات ودعمه ميدانياً.
وتدفع بيروت وباريس باتجاه تمديد إضافي للمهمة، بينما تفضل واشنطن وإسرائيل الانتقال إلى صيغة مختلفة. ويعكس الخلاف تبايناً في الرؤية أكثر مما يعكس خلافاً على مبدأ دعم الجيش: باريس تخشى أن يؤدي الانسحاب السريع إلى فجوة أمنية، فيما ترى واشنطن أن الهدف النهائي يجب أن يكون قدرة الدولة اللبنانية على تولي المسؤولية بنفسها.
واشنطن تنقل الملف إلى الدولة
يتقاطع المسار الفرنسي مع تحرك أمريكي أكثر مباشرة. فقد التقت السفيرة اللبنانية لدى الولايات المتحدة ندى حمادة معوض والسفير الإسرائيلي يحيئيل لايتر في واشنطن، في اجتماع وُصف بأنه إيجابي، مع اتفاق على استكمال اللقاءات في أكتوبر/تشرين الأول المقبل. وجاء ذلك بعد تأجيل جولة المفاوضات الأوسع التي كانت مقررة في روما.
أهمية اللقاء تتجاوز كونه اتصالاً دبلوماسياً، فالمفاوضات تجري بين ممثلي الدولة اللبنانية وإسرائيل، برعاية أمريكية، بينما يبقى “حزب الله” خارج القناة الرسمية. وهذا يعكس توجهاً أمريكياً لإعادة وضع الحكومة اللبنانية في موقع الطرف المسؤول عن إدارة الحدود وترتيبات الأمن، بدلاً من ترك الملف رهينة التوازن العسكري بين إسرائيل والحزب.
وتتركز المفاوضات على قضايا أساسية تشمل الانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش اللبناني، وترتيبات المناطق الحدودية، ومستقبل سلاح “حزب الله”. وإذا نجحت الجولة المقبلة في روما في الانتقال من التفاهمات العامة إلى آليات تنفيذ، فقد تصبح واشنطن صاحبة الدور الأبرز في إدارة المرحلة الجديدة.
“حزب الله” أمام اختبار مختلف
يضع هذا المسار “حزب الله” أمام واقع لم يعد فيه سلاحه مجرد عنصر في معادلة الردع، بل أصبح جزءاً من النقاش الدولي حول مستقبل الدولة اللبنانية. المطلوب من بيروت تنفيذ مبدأ حصرية السلاح بيد المؤسسات الرسمية، فيما يرفض الحزب التخلي عن ترسانته التي يعتبرها جزءاً من قدرته على مواجهة إسرائيل.
لكن استمرار السلاح خارج الدولة يفرض كلفة سياسية وأمنية تتجاوز الحزب نفسه، فهو يعني بقاء قرار الحرب والسلم موزعاً بين مؤسسات الدولة وقوة عسكرية مستقلة عنها، ويمنح إسرائيل في الوقت نفسه مبرراً دائماً للضغط العسكري باعتبار أن الخطر المسلح لم يُزل.
وتواجه الحكومة اللبنانية لذلك معادلة شديدة الحساسية: تنفيذ مسار حصر السلاح من دون تحويله إلى مواجهة داخلية، مع توفير الظروف العسكرية والسياسية التي تسمح للجيش بفرض حضوره في الجنوب.
الجيش هو الحلقة الحاسمة
أصبح الجيش اللبناني محور المعادلة، لكن مهمته تصطدم بعائق ميداني أساسي يتمثل في استمرار السيطرة العسكرية الإسرائيلية على أجزاء من المنطقة الحدودية. ولا يمكن التعامل مع انتشار الجيش جنوب الليطاني باعتباره عملية مكتملة؛ فالقوات اللبنانية تستطيع تعزيز حضورها في المناطق التي تخضع لسيطرة الدولة، بينما تبقى مناطق أخرى خارج قدرتها العملياتية المباشرة ما دامت القوات الإسرائيلية متمركزة فيها. ويجعل ذلك مسألة الانسحاب الإسرائيلي جزءاً أساسياً من أي ترتيبات تسمح للجيش بتولي مسؤولياته كاملة، بالتوازي مع الضغط على “حزب الله” لمنع عودة بنيته العسكرية إلى المنطقة.
المطلوب هو بناء مؤسسة قادرة على مراقبة الحدود، وتفكيك المنشآت العسكرية غير التابعة للدولة، وضبط حركة السلاح، والاستجابة للخرق من أي جهة. وهذا يحتاج تمويلاً وتسليحاً وتدريباً، لكنه يتطلب أيضاً قراراً سياسياً لبنانياً واضحاً بعدم السماح بعودة صيغة السلاح الموازي.
وتكمن صعوبة المهمة في البيئة الداخلية للجنوب. فأي عملية تنفيذ قسرية قد تتحول إلى مواجهة سياسية أو اجتماعية، بينما يؤدي التردد إلى إبقاء سلطة الدولة منقوصة. لذلك تحتاج بيروت إلى دعم دولي لا يقتصر على المعدات، بل يوفر غطاءً سياسياً واقتصادياً للمؤسسة العسكرية.
إسرائيل أمام التزام موازٍ
لا يمكن بناء هذه المعادلة من طرف واحد، فكما يواجه “حزب الله” ضغطاً للتخلي عن دوره العسكري المستقل، تواجه إسرائيل التزاماً واضحاً بالانسحاب من الأراضي اللبنانية واحترام السيادة اللبنانية ووقف العمليات العسكرية وفق الترتيبات المتفق عليها.
وتكمن العقدة في أن إسرائيل تربط أمن حدودها بقدرة لبنان على منع عودة “حزب الله” إلى الجنوب، بينما ترى بيروت أن استمرار الوجود أو الضربات الإسرائيلية يقوض سلطة الدولة ويمنح الحزب مادة جديدة لتبرير الاحتفاظ بسلاحه.
هذه الحلقة لا يمكن كسرها بالرد العسكري المتبادل. المطلوب آلية رقابة وتنفيذ تجعل خرق الاتفاق مكلفاً سياسياً، وتمنع أي طرف من تفسير “الدفاع عن النفس” باعتباره تفويضاً مفتوحاً للعمليات العسكرية.
معادلة جديدة للجنوب
تكشف تحركات باريس وواشنطن أن الجنوب دخل مرحلة مختلفة، إذ إن مؤتمر باريس يعالج قدرة الدولة على الإمساك بالأرض، فيما يفتح مسار واشنطن قناة سياسية لمعالجة القضايا العالقة مع إسرائيل. وبينهما يبقى مستقبل “اليونيفيل” نقطة انتقالية تحدد شكل الأمن في المنطقة بعد نهاية المهمة الحالية.
لكن نجاح هذا المسار لن يتوقف على المواقف الدولية وحدها. لبنان مطالب باستعادة القرار الأمني، و”حزب الله” مطالب بالتعامل مع واقع يتراجع فيه هامش السلاح الموازي، وإسرائيل مطالبة بالالتزام بالانسحاب واحترام السيادة اللبنانية.
المعادلة الجديدة، إذا نجحت، لن تكون انتصاراً لـ”حزب الله” ولا تفويضاً لإسرائيل، بل انتقالاً تدريجياً من منطق الردع المتبادل إلى منطق الدولة. أما إذا بقي السلاح خارج المؤسسات، واستمرت العمليات الإسرائيلية، ولم يحصل الجيش على الدعم اللازم، فإن وقف إطلاق النار سيبقى مجرد هدنة قابلة للانهيار.
الاختبار الحقيقي للمرحلة المقبلة ليس قدرة الأطراف على توقيع تفاهم جديد، بل قدرة الدولة اللبنانية على تحويله إلى واقع أمني دائم.















