بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

مقالات مشابهة

أزمة دولية

كلفة الحرب عند مضخة الوقود.. صدمة الأسعار تختبر قدرة الحكومات على احتواء الغضب الشعبي

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

أشعلت الارتفاعات الحادة في أسعار الوقود موجة احتجاجات عالمية واسعة، نقلت تداعيات الحرب الجارية في الشرق الأوسط من جبهات القتال إلى الشوارع والمدن، بعدما لامست فاتورة الطاقة بشكل مباشر حياة الملايين، وتحولت إلى مصدر مباشر للتوتر الاجتماعي والسياسي من الولايات المتحدة وأوروبا إلى أمريكا اللاتينية وآسيا والمنطقة العربية.

لم تعد الزيادة في سعر الديزل أو البنزين تقتصر على سائقي السيارات، بل امتدت تداعياتها إلى قطاعات النقل والزراعة والصيد وأسعار الغذاء وسلاسل الإمداد، ما جعل الوقود أحد أكثر المؤشرات ضغطاً على كلفة المعيشة التي تواجهها الأسر والاقتصادات.

تتزامن هذه الزيادة مع معاناة أسواق الطاقة العالمية من تداعيات الحرب وتعطل حركة الشحن عبر مضيق هرمز، ومع ارتفاع خام برنت فوق 100 دولار للبرميل. وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن إمدادات النفط العالمية ظلت في يوليو أقل بنحو 6.3 مليون برميل يومياً من مستويات العام السابق، فيما بقي 8.3 مليون برميل يومياً من إنتاج الخليج خارج الخدمة، بينما تراجعت المخزونات العالمية المرصودة 69 مليون برميل خلال الشهر نفسه. 

الوقود يشعل سوريا  

يكشف المثال السوري بوضوح كيف يمكن لقرار تسعير الوقود أن يتحول سريعاً إلى احتجاج اجتماعي واسع. فقد شهدت مناطق عدة، بينها القامشلي ذات الغالبية الكردية، مظاهرات ضد الارتفاعات الحادة في أسعار المحروقات، وسط شعارات تربط بين الوقود والخبز وسياسة المعيشة.

ورفعت الحكومة السورية سعر الديزل بنحو 40%، إلى نحو 5 دولارات للغالون، فيما تجاوز ارتفاع البنزين 95 أوكتان منذ فبراير 86%. وتبرر السلطات الزيادات بارتفاع تكاليف الاستيراد وتعطل الإمدادات، إضافة إلى توقف مؤقت لمصفاة بانياس وانخفاض صادرات الخام الروسي.

وبينما اتسمت عشرات الاحتجاجات بالطابع السلمي، قطع متظاهرون الطريق السريع الرابط بين الحسكة ودير الزور، حيث أشعلوا الإطارات وأوقفوا شاحنات نقل النفط.

فرنسا ضد الصيادين  

في فرنسا، انتقلت الضغوط إلى قطاع الصيد، حيث لجأ مئات الصيادين إلى تعطيل مستودعات ومنشآت نفطية في جنوب البلاد احتجاجاً على ارتفاع أسعار الوقود وتدهور ظروف العمل.

تزامنت الاحتجاجات مع إضرابات أوسع، ففي 16 سبتمبر، أغلق نحو 100 صياد مستودعاً نفطياً في فرونتيان، بعدما أظهرت بيانات محلية وصول سعر الديزل إلى نحو 2.35 يورو للتر، أي بزيادة 43.5% مقارنة بعام 2025. 

سبق ذلك تحركات مماثلة في مدينتي سيت وفوس-سور-مير. وقال ممثل عن الصيادين، إن التحرك سيستمر إلى حين لقاء الوزيرة المكلفة بشؤون البحار والصيد، كاترين شابو.

تكتسب احتجاجات الصيادين الفرنسيين أهمية اقتصادية تتجاوز حجم القطاع نفسه، لأن الوقود يمثل تكلفة تشغيل مباشرة لا يمكن امتصاصها بسهولة. وعندما ترتفع كلفة الرحلة البحرية، تتقلص هوامش الربح أو تنتقل الزيادة إلى أسعار المنتجات الغذائية، ما يخلق حلقة جديدة من التضخم.

بوليفيا بين دعم الوقود وأزمة الغذاء

في بوليفيا، تتقاطع زيادة أسعار الديزل مع سنوات من نقص الوقود والدولارات واستنزاف احتياطيات البلاد نتيجة سياسة الدعم. وتظاهر مئات المنتجين والمزارعين في كوتشابامبا احتجاجاً على مضاعفة سعر الديزل بنسبة كبيرة بلغت 163.4% مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي إلى 3.21 دولار للغالون، فيما حذرت قطاعات زراعية من انعكاس التكلفة على الحبوب واللحوم والدواجن والحليب والبيض.

وتحاول الحكومة الحد من تهريب الوقود إلى دول مجاورة باعتباره أحد أسباب النقص، فيما سمحت لاحقاً لصغار المزارعين المسجلين بشراء ما يصل إلى 2500 لتر شهرياً بالسعر القديم. غير أن الإجراء لم ينهِ الاحتجاجات. وتوضح هذه الحالة أن رفع الدعم قد يعالج ضغطاً مالياً على الدولة، لكنه يحمل في المقابل كلفة اجتماعية إذا لم يترافق مع ضمان الإمدادات وحماية القطاعات الإنتاجية الأكثر اعتماداً على الوقود.

غواتيمالا وإندونيسيا.. الديزل قضية سياسية

في غواتيمالا، تحولت أسعار الوقود إلى أزمة نقل واحتجاجات متواصلة. وشهدت البلاد خلال سبتمبر إغلاقات لطرق رئيسية، فيما وصل سعر غالون الديزل إلى نحو 6.1 دولار، بارتفاع 69% على أساس سنوي. وأقر الكونغرس قانوناً يحدد أسعاراً قصوى للوقود وينشئ صندوقاً للتعويض، لكن قطاع النقل طالب بدلاً من ذلك بإلغاء بعض الضرائب على الوقود.

المفارقة، أن السلطات قالت إن البلاد تمتلك مخزونات كافية من الوقود، وإن المشكلة الأساسية تكمن في تعطيل الطرق الذي يعيق توزيعه. أي أن أزمة الأسعار يمكن أن تتحول بحد ذاتها إلى أزمة إمداد عندما تتسبب الاحتجاجات في تعطيل حركة الشاحنات.

أما في إندونيسيا، فتجاوزت الاحتجاجات ملف الوقود إلى انتقاد الإنفاق الحكومي وبرنامج الوجبات المدرسية المجانية. وتظاهر المئات في سورابايا ومدن أخرى بعد زيادة أسعار الديزل 80% على أساس سنوي إلى نحو 5.44 دولار للغالون.

وتواجه جاكرتا معضلة خاصة؛ فعلى الرغم من كونها منتجاً للنفط، فإن إنتاجها المحلي لا يكفي لتلبية الطلب، ما يجعلها مستورداً صافياً للنفط ومنتجاته، في وقت تنفق فيه الحكومة مبالغ كبيرة للحفاظ على دعم أسعار بعض أنواع الوقود.

جزر القمر.. اشتباكات دامية

اتخذت أزمة الوقود في جزر القمر منحى أكثر خطورة، بعدما رفعت الحكومة في مايو سعر الديزل 46% والبنزين 33%، مبررة القرار بارتفاع أسعار النفط العالمية المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط. وأشعلت الزيادات إضراباً شل النقل العام في العاصمة موروني، وانضمت إليه قطاعات من الصيادين والتجار، قبل أن تندلع مواجهات مع قوات الأمن في جزيرة أنجوان. وأعلنت السلطات مقتل شخص وإصابة خمسة آخرين.

وتحت ضغط الاحتجاجات، علّق الرئيس غزالي عثمان في 16 مايو المراسيم الخاصة بالزيادة، داعياً إلى إجراء مشاورات بشأن تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية. لكن الأزمة لم تنته؛ ففي سبتمبر عادت الحكومة إلى بحث رفع أسعار الوقود مجدداً، في ظل خسائر شركة المحروقات الحكومية وضغوط مالية متزايدة، ما يعكس صعوبة الموازنة بين حماية المستهلكين والحفاظ على استدامة إمدادات الوقود والمالية العامة.

أمريكا.. الوقود يدخل معركة التضخم  

في الولايات المتحدة، أصبحت أسعار الطاقة جزءاً من معركة اقتصادية وسياسية أوسع، بعدما تجاوز متوسط سعر الديزل 6 دولارات للغالون للمرة الأولى على الإطلاق، مسجلاً 6.28 دولار في 15 سبتمبر، مقابل 3.69 دولار قبل عام، ما يعني قفزة تقارب 70% على أساس سنوي.

ولا تقتصر الصدمة على سائقي الشاحنات؛ إذ تضرب بقوة المزارعين والصيادين والأسر، خصوصاً في الولايات الريفية والحاسمة قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر.

كما يواجه مزارعو ولايات مثل آيوا وكانساس ونبراسكا ارتفاعاً حاداً في كلفة تشغيل الجرارات والحصادات والشاحنات مع اقتراب موسم الحصاد، بينما تعتمد نسبة كبيرة من الأسر في ولايتي مين ونيوهامبشير على زيت التدفئة خلال الشتاء. وقد بلغ سعر هذا الزيت 5.39 دولار للغالون في 8 سبتمبر، بزيادة تتجاوز 40% منذ اندلاع الحرب، ما يضيف مئات الدولارات شهرياً إلى الأعباء الاجتماعية.

في الوقت ذاته، تتفاقم الأزمة بسبب تشابك أسواق الديزل وزيت التدفئة، في ظل تراجع تدفقات المنتجات المكررة عبر مضيق هرمز، بالتزامن مع حظر روسيا صادرات الديزل، ما أدى إلى تضييق الإمدادات العالمية. 

الوقود.. بين صدمة الأسعار وكلفة الاحتجاجات 

تكشف هذه الاحتجاجات، رغم اختلاف أسبابها المحلية، عن فكرة مشتركة، وهي أن الوقود هو نقطة التقاء الطاقة بالتضخم والأمن الغذائي والنقل والسياسة الاجتماعية. وبينما تستطيع الحكومات تخفيف الصدمة عبر الدعم أو خفض الضرائب أو السحب من الاحتياطيات، فإن هذه الحلول تحمل كلفة مالية وقد تؤجل المشكلة بدلاً من حلها. 

أما استمرار اضطراب الإمدادات، يعني أن أسعار الطاقة قد تبقى قناة رئيسية لانتقال التوتر الجيوسياسي إلى الاقتصاد العالمي، فيما تظل الشوارع في دول عدة مقياساً مباشراً لمدى قدرة الحكومات على امتصاص تلك الصدمة.