بقلم آدمز وايت
بقلم آدمز وايت

مقالات مشابهة

تقرير اقتصادي

البنوك المركزية الكبرى تتمسك بالفائدة المرتفعة.. ومعركة التضخم تدخل مرحلة “التثبيت المتشدد” في الاقتصادات الغربية

بقلم آدمز وايت
بقلم آدمز وايت

لم تأتِ قرارات البنوك المركزية في الولايات المتحدة وبريطانيا لتعلن نهاية معركة التضخم، بل لتؤكد أن المرحلة المقبلة ستكون أكثر حذراً وأقل قابلية للتوقع. فقد قرر مجلس الاحتياطي الفيدرالي تثبيت نطاق الفائدة عند نطاق 3.50% إلى 3.75%، بينما أبقى بنك إنجلترا سعر الفائدة عند 3.75%، في لحظة تبدو فيها الأسواق أكثر رغبة في الخفض، بينما تبدو البنوك السيادية أكثر انشغالاً بمنع التضخم من التحول إلى موجة ثانية.

الرسالة المشتركة ليست أن دورة التشديد عادت بالكامل، ولا أن الخفض أصبح مستحيلاً. الرسالة الأدق أن البنوك المركزية الكبرى دخلت مرحلة “التثبيت المتشدد”: لا تتحرك بسرعة نحو رفع جديد، لكنها لا تمنح الأسواق تفويضاً مبكراً لتسعير خفض قريب. السبب واضح: التضخم لا يزال فوق الهدف، وأسواق العمل لا تزال متماسكة بما يكفي كي لا تفرض على صناع السياسة النقدية تراجعاً سريعاً.

الفيدرالي: التثبيت ليس خفضاً

في واشنطن، بدى قرار الفيدرالي ظاهرياً كاستمرار لسياسة الانتظار. لكن تفاصيل التوقعات النقدية تجعل القرار أقرب إلى تحذير منه إلى تهدئة. فرفع توقعات التضخم وفق مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي إلى 3.6% لعام 2026، والتضخم الأساسي إلى 3.3%، يعني أن صناع السياسة لا يتعاملون مع التضخم بوصفه انحرافاً مؤقتاً قابلاً للامتصاص السريع.

معدل التضخم الأمريكي بلغ 4.2% في مايو، مع ضغوط واضحة من أسعار الطاقة. وفي الوقت نفسه، بقي معدل البطالة عند 4.3%، مع إضافة الاقتصاد 172 ألف وظيفة. هذه المعادلة تمنح الفيدرالي مساحة للاستمرار في موقفه الحذر: الأسعار لا تزال مرتفعة، لكن سوق العمل لم يرسل بعد إشارة ضعف حادة تفرض خفض الفائدة.

هنا تكمن النقطة المركزية. الفيدرالي لا يستطيع تجاهل التضخم، ولا يستطيع الادعاء بأن سوق العمل انهارت. وفي غياب صدمة ركودية واضحة، تصبح تكلفة التراجع المبكر أكبر من تكلفة الانتظار. فخفض الفائدة قبل تثبيت مسار الأسعار قد يعيد إشعال توقعات التضخم، خصوصاً إذا استمرت الطاقة في تغذية الأسعار النهائية والمنتجة.

بنك إنجلترا: اقتصاد بارد وتضخم قلق

في لندن، أبقى بنك انجلترا الفائدة عند 3.75%، لكن التصويت نفسه حمل رسالة مهمة: سبعة أعضاء أيدوا التثبيت، بينما صوّت عضوان لصالح رفعها إلى 4%. هذا الانقسام المحدود يكشف أن النقاش داخل البنك لم يعد يدور فقط حول موعد الخفض، بل حول ما إذا كان التثبيت الحالي كافياً لمواجهة مخاطر التضخم المقبلة.

التضخم البريطاني بلغ 2.8% في مايو/أيار، وهو أقل من التضخم الأمريكي ومن تضخم منطقة اليورو، لكنه لا يكفي لمنح بنك إنجلترا راحة كاملة. التضخم الأساسي ارتفع إلى 2.6%، وتضخم الخدمات وصل إلى 3.7%، ما يعني أن ضغوط الأسعار المحلية لم تختفِ بعد. الخدمات تحديداً هي المؤشر الأكثر حساسية للبنك، لأنها ترتبط بالأجور والإيجارات والتكاليف المحلية، ولا تهبط عادة بالسرعة نفسها التي تهبط بها أسعار السلع.

سوق العمل البريطاني يضيف طبقة أخرى من التعقيد. فقد بلغت البطالة 4.9% في الفترة بين فبراير/شباط وأبريل/نيسان، فيما هبط عدد الوظائف الشاغرة إلى 707 آلاف، وهو أدنى مستوى منذ أوائل 2021. كما تشير بيانات الأجور إلى استمرار نمو الأجور الاسمية، وإن بوتيرة لا تبدو مريحة بما يكفي في بيئة تضخم فوق الهدف.

لذلك تبدو معضلة بنك إنجلترا أكثر هشاشة من معضلة الفيدرالي. الاقتصاد البريطاني لا يمتلك الزخم الأمريكي نفسه، وسوق العمل يبرد، لكن التضخم لم يهبط إلى منطقة آمنة. رفع الفائدة قد يزيد الضغط على الأسر والشركات، وخفضها قد يرسل إشارة خاطئة للأسواق والأجور والأسعار.

منطقة اليورو: بطالة بنيوية أعمق

أما منطقة اليورو فتقدم معادلة مختلفة وأكثر حساسية. التضخم السنوي ارتفع إلى 3.2% في مايو/أيار، مقابل بطالة عند 6.3% في أبريل/نيسان. هذه الأرقام تضع أوروبا بين ضغطين: أسعار أعلى من هدف البنك المركزي الأوروبي، وسوق عمل أضعف بنيوياً من السوق الأمريكية.

في الحالة الأوروبية، لا يمكن قراءة التضخم بمعزل عن الطاقة والخدمات. ارتفاع أسعار الطاقة يضغط على تكاليف الإنتاج والنقل، بينما تعكس الخدمات صلابة أكبر في الأسعار المحلية. وفي المقابل، تجعل البطالة الأعلى أي تشدد نقدي إضافي أكثر تكلفة سياسياً واقتصادياً. أوروبا لا تملك ترف التعامل مع التضخم كما تتعامل معه الولايات المتحدة، لأن قدرتها على امتصاص الفائدة المرتفعة أضعف، وتفاوت اقتصاداتها الداخلية أكبر.

هذا يعني أن منطقة اليورو تتحرك داخل هامش ضيق: لا تستطيع تجاهل التضخم، ولا تستطيع تشديد السياسة النقدية بثقة كاملة. وكلما امتدت صدمة الطاقة أو سلاسل الإمداد، زادت صعوبة الفصل بين التضخم المستورد والتضخم المحلي.

الفائدة كأداة دفاع عن المصداقية

ما يجمع هذه القرارات ليس مستوى الفائدة وحده، بل طبيعة اللحظة الاقتصادية. البنوك المركزية لا تدير دورة اقتصادية تقليدية، بل تحاول منع انتقال صدمات الطاقة والإمداد إلى توقعات الأسعار والأجور. الفائدة هنا لم تعد مجرد أداة لضبط الطلب، بل أصبحت أداة دفاع عن مصداقية السياسة النقدية.

هذه نقطة جوهرية للأسواق. المستثمرون الذين راهنوا على خفض سريع للفائدة سيواجهون بيئة أكثر صعوبة: تمويل أغلى، تقييمات أكثر حساسية، وضغط أكبر على الشركات ذات الديون المرتفعة. كما أن أسواق العملات ستظل مرتبطة بالفارق بين قدرة كل بنك مركزي على التشدد وبين هشاشة اقتصاده المحلي.

في الولايات المتحدة، لا يزال الفيدرالي يملك هامش انتظار أوسع. في بريطانيا، الهامش أضيق بسبب تراجع سوق العمل وتباطؤ الاقتصاد. وفي منطقة اليورو، تصبح المعادلة أكثر هشاشة بسبب ارتفاع البطالة وتفاوت القدرة على تحمل الفائدة بين دول العملة الموحدة.

انعكاسات على الأسواق الناشئة

بالنسبة للاقتصادات الخليجية، لا تبدو هذه القرارات بعيدة. إن ارتباط معظم العملات الخليجية بالدولار يجعل مسار الفائدة الأمريكية مؤثراً مباشراً في تكلفة السيولة والائتمان. وكلما تأخر الفيدرالي في خفض الفائدة، بقيت تكلفة التمويل مرتفعة نسبياً في قطاعات مثل العقار، والتمويل المصرفي، والاستثمار المؤسسي.

لكن الصورة ليست سلبية بالكامل. ارتفاع أسعار الطاقة قد يدعم الإيرادات العامة للدول المنتجة، لكنه في الوقت نفسه يطيل عمر التضخم العالمي ويؤخر دورة التيسير النقدي. هذه مفارقة الخليج الدائمة في مثل هذه اللحظات: ارتفاع الطاقة يعزز جانب الإيرادات، لكنه يعقّد جانب الفائدة والسيولة وتكلفة رأس المال.

قرارات الفيدرالي وبنك إنجلترا لا تعلن عودة كاملة للتشديد، لكنها تنهي عملياً فكرة الخفض السريع بوصفها مساراً مضموناً. التضخم في الولايات المتحدة لا يزال مرتفعاً، وسوق العمل متماسك بما يكفي لإبقاء الفدرالي حذراً. في بريطانيا، التضخم أقل، لكن الخدمات والأجور وسوق العمل المتباطئة تفرض سياسة انتظار دقيقة. وفي منطقة اليورو، تتعايش ضغوط الأسعار مع بطالة أعلى، ما يجعل أي قرار نقدي أكثر حساسية.

العنوان الحقيقي للمرحلة ليس “تثبيت الفائدة”، بل “تجميد التوقعات” في ظل حالة من اللايقين. لا البنوك المركزية مستعدة للاعتراف بانتهاء التضخم، ولا الأسواق قادرة على تجاهل أثر الفائدة المرتفعة. بين الاثنين، ستبقى الأشهر المقبلة محكومة بثلاثة مؤشرات: أسعار الطاقة، تضخم الخدمات، وقدرة سوق العمل على الصمود من دون أن يتحول الصمود نفسه إلى سبب جديد للتشدد.