بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تحليل سياسي

اضطرابات فرنسا.. كيف توظّف الحركات الإسلامية واليسار الراديكالي الغضب الاجتماعي لتوسيع النفوذ

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

تفتح الاضطرابات الفرنسية مجالاً أمام الحركات الإسلامية المتشددة لاستثمار أزمة الدولة وتحويل الغضب الاجتماعي إلى رافعة للنفوذ الأيديولوجي داخل الجامعات والأحياء ذات الكثافة المهاجرة. وحين تتداخل المظالم المعيشية مع التوترات المرتبطة بالهجرة والهوية والقضية الفلسطينية، يصبح الشارع ساحة للتنافس على تمثيل الفئات الغاضبة وإعادة توجيه مطالبها نحو مواجهة أوسع مع مؤسسات الجمهورية.

لا يتوقف الخطر عند استغلال الاحتجاجات إعلامياً، بل يمتد إلى احتمال بناء شبكات تعبئة تستثمر التحالفات الطلابية والجمعيات ومنصات التواصل لتثبيت حضور يتجاوز عمر الاضطرابات. وتكمن المسألة الحاسمة في تحديد ما إذا كانت جهات إسلامية منظمة تنتقل من مجرد المشاركة في الحراك أو التقاطع معه إلى استثماره بصورة منظمة لتوسيع نفوذها، من دون الخلط بين هذا الاحتمال وبين ادعاء غير مثبت بأنها تقود الاحتجاجات أو توجه أعمال العنف.

الغضب الاجتماعي وفرص الاستقطاب

تتداخل شكاوى الطلاب بشأن التعليم ونقص الموارد مع الاعتراض على تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة، ما يمنح التيارات الأيديولوجية فرصة لربط المطالب المباشرة بأجندات سياسية أوسع، وتقديم الأزمة باعتبارها دليلاً على إخفاق النظام القائم.

ولا يشترط استثمار الحراك قيادته؛ فقد يتحقق التأثير عبر توجيه تفسير الأحداث، واستقطاب المشاركين، وربط المطالب الاجتماعية بمشروعات سياسية محددة. وتتعزز هذه الفرصة لدى الجهات التي تمتلك جمعيات قائمة وقنوات إعلامية وشبكات علاقات قادرة على مواصلة نشاطها بعد انحسار الاحتجاجات.

شملت قائمة تضم 54 منظمة وحركة جهات متفاوتة الأدوار، بينها نقابات وأحزاب يسارية ومجموعات طلابية ومنظمات تضامن مع فلسطين وجمعيات طلابية مسلمة. ولا يعني تعدد هذه الجهات وجود قيادة موحدة بينها، لكنه يشير إلى تنوع قنوات التعبئة والتحالفات التي قد تتيح استثمار الاحتجاجات وتوسيع نطاق التأثير.

الهجرة ومعركة الهوية

تتحول الهجرة إلى محور للصراع على تفسير الأزمة الفرنسية. فخطاب اليمين القومي يربط الاضطرابات بمشكلات الاندماج والأمن، بينما تركز تيارات أخرى على التفاوت الاجتماعي وأداء المؤسسات العامة. في المقابل، تستطيع حركات إسلامية استثمار التوتر لتقديم نفسها بوصفها ممثلاً للمسلمين والمدافع عن حقوقهم، وربط النقاش بشأن الهوية بما تصفه باستهداف الجماعات الدينية.

يوفر الاستقطاب المتبادل فرصة لتوسيع خطاب المظلومية، خصوصاً إذا صُوِّر النقاش بشأن التطرف أو الاندماج باعتباره مواجهة مع المسلمين جميعاً. وقد يسهم ذلك في بناء ولاء سياسي يتجاوز المطالب الاجتماعية، ويعزز نفوذ الجهات التي تسعى إلى احتكار التمثيل داخل بعض الأوساط.

لكن تحميل المهاجرين، أو الفرنسيين من أصول مهاجرة، مسؤولية جماعية عن العنف يطمس الفروق بين فئات متباينة. كما أن الخلفية الدينية لا تثبت الانتماء التنظيمي. ويقتضي التقييم تحديد الجهات التي تستثمر التوترات، وفحص علاقاتها، ومدى انتقال خطابها إلى نشاط ميداني أو نفوذ مؤسسي.

الجامعات وشبكات النفوذ

تتيح الجامعات بيئة لبناء علاقات مستمرة مع الشباب عبر الجمعيات والهيئات التمثيلية والأنشطة الطلابية. ويختلف هذا الحضور عن المشاركة في احتجاج عابر، إذ قد يوفر قاعدة مؤسسية للتأثير في النقاش العام وتوسيع التحالفات السياسية.

يكتسب ملف جمعية “طلاب فرنسا المسلمون” أهمية في هذا السياق. فقد أدرجها تحقيق «فوكس نيوز» ضمن المنظمات المرتبطة بمشهد الاحتجاجات، مشيراً إلى نشاطها في التمثيل الطلابي والتضامن داخل الجامعات، لكنه لم يثبت اضطلاعها بدور تنظيمي محدد في تحركات 17 أكتوبر/تشرين الأول. 

فلسطين والتحالفات الأيديولوجية

يوفر الحضور الفلسطيني مساحة لتقاطع تيارات اليسار والنقابات ومجموعات التضامن والناشطين الإسلاميين، بما يتيح نقل القضية من إطار التضامن مع الفلسطينيين إلى ساحة أوسع للتعبئة السياسية ومنافسة الدولة الفرنسية على تفسير قضايا الهوية والاندماج والسياسة الخارجية. وقد ظهرت أعلام فلسطينية وفرنسية في ساحة الجمهورية بباريس، إلى جانب كتابات Free Gaza على واجهة محل مغلق، في مشاهد تعكس حضور القضية الفلسطينية داخل الحراك الاحتجاجي.

وتبرز منظمة “أورجانس فلسطين” ضمن الجهات التي روّجت لتحركات ومبادرات مؤيدة للفلسطينيين. وتكتسب أنشطة هذه المنظمات أهميتها من قدرتها على جمع أطراف متعددة حول قضية مشتركة، وفتح قنوات تواصل مع الأوساط الطلابية والنقابية واليسارية. وقد يتحول هذا التقاطع إلى رافعة نفوذ للجهات الأكثر تنظيماً، إذا نجحت في تحويل المشاركة المؤقتة إلى علاقات مستمرة وقواعد تعبئة قابلة لإعادة الاستخدام.

يحمل شعار Viva Palestina دلالة على توظيف الرموز الفلسطينية في التعبئة العامة، فيما يتطلب تحديد الجهة التي تقف وراء استخدامه في كل تحرك فحص هوية المنظمين وطبيعة ارتباطاتهم. وتكمن المسألة في قدرة الجهات المنظمة على توظيف القضية الفلسطينية لتوسيع حضورها خارج دوائرها التقليدية، وربط التضامن السياسي بخطاب أيديولوجي أوسع.

لا يتوقف التحدي عند حجم المشاركة في المظاهرات، بل يمتد إلى مدى إتاحة التحالفات التي تنشأ حول فلسطين تتيح لبعض الحركات الإسلامية تعزيز حضورها داخل الجامعات والجمعيات والأحياء ذات الكثافة المهاجرة. وقد يشكل التقاطع في الشارع نقطة انطلاق لنفوذ أطول أمداً، لكن إثبات هذا المسار يستلزم تتبع العلاقات والتنسيق والأنشطة اللاحقة للاحتجاجات.

العنف وصراع الروايات

أعادت أعمال التخريب والاشتباكات التي رافقت احتجاجات أكتوبر النقاش إلى مسؤولية الجهات المشاركة في العنف. ونسبت تقارير وتصريحات رسمية جانباً من الاضطرابات إلى مجموعات من اليسار الراديكالي ومخربين، فيما وظفت أطراف سياسية الأحداث في سجال أوسع بشأن أداء الحكومة والهجرة ومستقبل الجمهورية. 

تستثمر شخصيات من اليمين الأمريكي التقاطع بين اليسار الراديكالي والجماعات الإسلامية لتسليط الضوء على تحالفات سياسية تتجاوز الخلافات الأيديولوجية التقليدية، وتقوم على تقاطع المصالح في مواجهة السياسات الفرنسية بشأن الهجرة والهوية والقضية الفلسطينية. ويبرز حزب “فرنسا الأبية” ضمن هذا المشهد، في ظل اتهامات باستثمار الاضطرابات لتوسيع قاعدته السياسية وتعبئة الفئات الساخطة. وتستدعي هذه التقاطعات فحص طبيعة التعاون بين الأطراف، ومدى انتقاله من التنسيق في الاحتجاجات إلى بناء تحالفات تخدم أهدافاً سياسية مشتركة.

تمنح المنصات الرقمية هذه الجهات مجالاً لتوسيع أثر المواجهات، عبر إعادة نشر المشاهد التي تدين السلطات الفرنسية، وتكثيف خطاب المظلومية، وربط الأحداث بأجندات أيديولوجية أوسع. ويتجاوز هذا النشاط نقل صور الاحتجاجات إلى توظيفها في التعبئة والاستقطاب وتوسيع دوائر التأييد، بما يجعل الفضاء الرقمي امتداداً للصراع على النفوذ داخل الشارع والجامعات والأحياء.

مؤشرات النفوذ المستدام

تتمثل المسألة الأساسية في قدرة الحركات الإسلامية على استثمار الاحتجاجات الفرنسية لتوسيع نفوذها عبر الجامعات والأحياء ذات الكثافة المهاجرة وشبكات التضامن مع فلسطين. ولا يتطلب التأثير قيادة التحركات أو تنظيم أعمال العنف، بل قد يتحقق عبر استثمار الغضب الاجتماعي، وبناء التحالفات مع قوى اليسار الراديكالي، وتوظيف المنصات الرقمية لترويج خطاب أيديولوجي يتجاوز المطالب المباشرة للمتظاهرين.

تتوقف دلالة هذا الحضور على مدى قدرة الجهات المنظمة على تحويل التقاطع المؤقت في الشارع إلى علاقات مستدامة، وقواعد تعبئة متكررة، ومواقع نفوذ داخل الجمعيات والهيئات الطلابية. ويظل الاختبار الأهم هو ما إذا كانت الاحتجاجات ستنتهي بانحسار أسبابها المباشرة، أم ستتحول إلى فرصة لتعزيز حضور هذه الجهات في المؤسسات والبيئات الاجتماعية التي تسعى إلى التأثير فيها.