بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تقرير إخباري

ترامب في مواجهة العاصفة الداخلية.. “لا للملوك” احتجاجات أمريكية غير مسبوقة تُربك الاقتصاد والسياسة

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

يواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب واقعاً معاكساً تماماً، في لحظةٍ يُفترض أن تتماسك فيها الجبهة الداخلية خلف القيادة السياسية في زمن الحرب. فبدلاً من ظاهرة “الالتفاف حول العلم” التي اعتادتها الولايات المتحدة خلال النزاعات الكبرى، فجّرت الحرب على إيران أزمة متعددة الأبعاد داخل الداخل الأمريكي، امتدت من الشارع إلى الاقتصاد، ومن الحزب الجمهوري إلى حسابات الانتخابات المقبلة.

شهدت الولايات المتحدة في الأيام الأخيرة واحدة من أوسع موجات الاحتجاج في تاريخها الحديث، إذ خرج نحو ثمانية ملايين أمريكي في أكثر من 3300 فعالية غطّت الولايات الخمسين، تحت شعار No Kings — “لا للملوك”.

الشارع.. جبهة ضغط

تحولت مدن كبرى مثل نيويورك وواشنطن ولوس أنجلوس إلى ساحات مكتظة بالغاضبين، لكن المفارقة الأبرز كانت في الامتداد الجغرافي للحراك؛ إذ لم يعد مقتصراً على معاقل الديمقراطيين، بل شمل ضواحي وبلدات صغيرة سبق أن صوّتت لصالح ترامب في انتخابات 2024.

حملت الاحتجاجات ثلاثة عناوين رئيسة: رفض الحرب على إيران، الاعتراض على سياسات الترحيل، والتحذير مما وصفه المحتجون بـ”النزعة السلطوية”. وقد لعبت شخصيات عامة دوراً بارزاً في تأجيج الحراك، من بينها الممثل العالمي روبرت دي نيرو الذي اعتبر الحرب “استنزافاً غير مبرر للموارد والأرواح”، إضافة إلى المغني بروس سبرينغستين، الذي شارك في فعاليات جماهيرية حاشدة.

لم يقتصر الحراك على الداخل الأمريكي، بل امتد إلى عواصم أوروبية كبرى، في مؤشر على اتساع دائرة القلق الدولي من مسار التصعيد.

الحرب تصل إلى جيوب الأمريكيين

لم تبق آثار الحرب محصورة في الجغرافيا البعيدة، بل انتقلت سريعاً إلى الحياة اليومية للأمريكيين. فقد أدى إغلاق مضيق “هُرمز” إلى ارتفاع أسعار الوقود أكثر من دولار للغالون خلال أسابيع، ما زاد من وطأة التضخم الذي كان يشكّل أصلاً أحد أبرز التحديات الاقتصادية.

انعكست هذه الضغوط على مؤشرات الرأي العام، حيث تراجعت نسبة الموافقة على أداء ترامب الاقتصادي إلى مستويات قياسية متدنية، وسط شعور متنامٍ بأن السياسة الخارجية باتت تُترجم مباشرة إلى أعباء مالية يومية.

تحوّلٌ لافت في المزاج الأمريكي

في هذا الإطار، تُظهر استطلاعات الرأي تحوّلاً لافتاً في المزاج الأمريكي تجاه إدارة ترامب للحرب على إيران، وتشير البيانات إلى تراجع واضح في مستويات التأييد الشعبي. فقد أظهرت استطلاعات حديثة أن نسبة الموافقة على أدائه العام هبطت إلى نحو 36%، فيما أعرب 64% من الأمريكيين عن رفضهم لطريقة تعامله مع الأزمة. 

على الصعيد الاقتصادي، تراجعت الثقة بقدرة ترامب على إدارة تكاليف المعيشة إلى مستويات غير مسبوقة، مع تصاعد الشعور بأن الحرب تزيد الأعباء اليومية على المواطنين. هذه الأرقام لا تعكس مجرد تراجع عابر، بل تشير إلى تحوّل بنيوي في الرأي العام قد تكون له تداعيات مباشرة على المشهد السياسي والانتخابي في المرحلة المقبلة.

دعم مشروط وتحذيرات مبكرة

لم تعد الأزمة محصورة في مواجهة بين البيت الأبيض والديمقراطيين، بل بدأت تتسلل إلى داخل الحزب الجمهوري نفسه. فقد عبّر عدد من المشرعين عن قلقهم من انزلاق الولايات المتحدة إلى حرب طويلة، محذرين من تكرار تجارب سابقة مثل فيتنام والعراق وأفغانستان.

ومن بين الأصوات البارزة، حذّر عضو الكونغرس الأمريكي مايكل ماكول من مخاطر التورط في نزاع مفتوح، داعياً إلى استخلاص الدروس من الحروب السابقة. كما تصاعدت الدعوات داخل الكونغرس لإعادة طرح مسألة تفويض استخدام القوة العسكرية، في خطوة تعكس تزايد الحذر حتى داخل المعسكر الجمهوري.

هذه التصدعات تترافق مع تراجع ملحوظ في نسب تأييد ترامب داخل قاعدته، خصوصاً فيما يتعلق بإدارة الملف الاقتصادي، ما يضعف موقعه السياسي مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.

رسائل متناقضة تربك الداخل والخارج

يزيد من تعقيد المشهد تضارب التصريحات الصادرة عن البيت الأبيض. ففي الوقت الذي يتحدث فيه ترامب عن “تقدم نحو تسوية”، يعود ليؤكد عدم اكتراثه بالاتفاق، قبل أن يلوّح مجدداً بخيارات عسكرية حاسمة.

هذا التذبذب لا يقتصر تأثيره على الخصوم، بل يثير قلق الحلفاء أيضاً، ويعزز حالة عدم اليقين داخل الولايات المتحدة نفسها. كما يضع الرئيس أمام معضلة سياسية، إذ يتعارض هذا النهج مع أحد أبرز وعوده الانتخابية بتجنب “الحروب المكلفة وغير الضرورية”.

يميل جزء متزايد من الرأي العام إلى إنهاء الحرب سريعاً، حتى لو لم تتحقق جميع الأهداف المعلنة، في حين يرى عدد كبير من الأمريكيين أن استمرارها قد يجعل البلاد أقل أمناً على المدى الطويل.

رهانات مفتوحة على المجهول

يقف ترامب اليوم أمام ثلاث جبهات متداخلة: حرب خارجية لم تتضح نهايتها، أزمة اقتصادية تتفاقم داخل الولايات المتحدة، واستحقاق انتخابي يقترب في ظل تراجع شعبيته.

وما تكشفه التطورات هو أن الداخل الأمريكي لم يعد ساحة صامتة يمكن تجاهلها. فملايين المتظاهرين في الشوارع، وتراجع المؤشرات الاقتصادية، والانقسامات السياسية، كلها عوامل تعيد رسم حسابات البيت الأبيض.

يتضح مما سبق أن ثمانية ملايين متظاهر في يوم واحد يمثلون رسالة سياسية واضحة: القرار في نوفمبر لن يُصاغ فقط في غرف الحرب، بل أيضاً في صناديق الاقتراع.