بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

مقالات مشابهة

تقرير اقتصادي

ضريبة الحرب في الشرق الأوسط تُربك الاقتصاد الأمريكي.. موجة تكاليف تضرب الشركات والمستهلكين النهائيين

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

بدأت تداعيات الحرب في الشرق الأوسط تنعكس تدريجياً على الداخل الأمريكي، ليس عبر المسار السياسي فحسب، بل من بوابة الاقتصاد، حيث تتحول صدمات الطاقة إلى عبء ملموس يطال الشركات والمستهلكين على حد سواء. ومع تسارع ارتفاع أسعار الوقود واتساع كلف التشغيل، يدخل الاقتصاد الأمريكي مرحلة جديدة من الضغوط المركّبة، تتقاطع فيها اضطرابات الإمدادات مع هشاشة هوامش الربحية وتراجع القدرة الشرائية.

تواجه شركات مزيجاً من الضغوط المتزامنة، تشمل ارتفاع معدلات الرهن العقاري الذي أبطأ سوق العقارات، وزيادة أقساط التأمين، إلى جانب القفزة في أسعار الديزل المرتبطة بالحرب، ما يضع أعمالها أمام معادلة صعبة بين حماية هوامش الربحية والحفاظ على قاعدة العملاء.

تمرير التكلفة من الشركات إلى المستهلكين

مع اتساع تأثير ارتفاع الوقود عبر الاقتصاد، بدأت الشركات الكبرى بتمرير جزء من هذه التكاليف إلى المستهلكين، فرفعت كل من “يونايتد إيرلاينز” و”جيت بلو” رسوم الأمتعة، في حين فرضت “أمازون” رسوماً إضافية على الوقود بنسبة 3.5% على البائعين، في إطار مساعيها لموازنة التكاليف المتصاعدة مع الحفاظ على تنافسية الأسعار الأساسية.

غير أن هذه المرونة لا تتوافر بالقدر نفسه لدى الشركات الصغيرة، إذ يجد مقدمو الخدمات، خصوصاً في قطاعات مثل النقل، أنفسهم أمام عملاء قادرين بسهولة على التحول إلى بدائل أقل تكلفة أو حلول غير رسمية، ما يجعل أي قرار برفع الأسعار محفوفاً بالمخاطر.

تضخم التكاليف يضغط على نماذج الأعمال

في هذا السياق، تشير شركات إلى أن تكلفة الوقود ارتفعت من نطاق يتراوح بين 3% و5% من الإيرادات، كبندٍ من بنود المصروفات، إلى ما بين 6% و10% منذ اندلاع الحرب، وهو ما يضع نموذج الامتياز الذي تعتمد عليه تحت ضغوط متزايدة، وأن إدارة هذه الزيادة أصبحت تحدياً بالغ التعقيد من منظور الأعمال.

إن ارتفاع أسعار الطاقة يعمل فعلياً كضريبة غير مباشرة على المستهلكين، نظراً لامتداد أثره إلى طيف واسع من السلع والخدمات، وأن أولى علامات التباطؤ تظهر عادة في تراجع الإنفاق التقديري، حيث يبدأ المستهلكون بتقليص النفقات غير الأساسية. وبينما قد يلجأ البعض إلى مدخراتهم في حال كانت الأزمة قصيرة الأمد، فإن استمرارها لفترة أطول سيدفع إلى خفض أوسع في الإنفاق، ما ينعكس سريعاً على وتيرة النمو الاقتصادي.

بين الغموض السياسي والأدوات الاقتصادية

زاد من حالة القلق في الأسواق غموض مسار الحرب بعد خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي لم يقدم جدولاً زمنياً واضحاً لنهايتها، في وقت تبدو فيه أدوات التدخل الحكومي أقل فاعلية مقارنة بأزمات سابقة مثل الأزمة المالية العالمية أو جائحة “كوفيد-19”.

في المقابل، يواجه الاحتياطي الفيدرالي معضلة دقيقة، إذ إن خفض أسعار الفائدة قد يدعم النشاط الاقتصادي لكنه يحمل مخاطر تغذية التضخم، في حين أن رفعها قد يزيد من حدة التباطؤ، وقد أشار رئيسه جيروم بأول إلى أن صدمات النفط قصيرة الأجل لا تستدعي عادة تعديلاً فورياً في السياسة النقدية، مع تأكيده أن توقعات التضخم طويلة الأمد لا تزال مستقرة نسبياً.

صدمة ممتدة عبر سلاسل الإمداد

تحذر شركات عاملة في قطاع الطاقة والموارد، من أن ما يشهده الاقتصاد ليس مجرد ارتفاع عابر في الأسعار، بل نتيجة اضطراب واسع في الإمدادات يتقاطع مع سنوات من التقلبات الهيكلية، موضحة أن هذه الاضطرابات تمتد تدريجياً إلى قطاعات التصنيع والتغليف والزراعة والنقل والتجزئة، وتحتاج أشهراً لتظهر آثارها الكاملة، ما يعني أن ضغوط التكاليف ستتراكم بشكل مستمر عبر مختلف القطاعات.

وفي هذا الإطار، يتجه الاقتصاد الأمريكي نحو تعميق نمط الانقسام، إذ تمتلك القطاعات الأساسية والشركات الكبرى قدرة أكبر على تمرير التكاليف إلى المستهلكين، بينما تجد الشركات الصغيرة والخدمات التقديرية نفسها عالقة بين خيارين صعبين يتمثلان في رفع الأسعار مع خطر فقدان العملاء، أو الإبقاء عليها مع تحمل تآكل الهوامش الربحية.

تحول تدريجي في أنماط الاستهلاك

فيما يتعلق بسلوك المستهلك، فإن الضغوط الحالية تدفع نحو إعادة ترتيب الأولويات، حيث يتجه الإنفاق من الكماليات إلى الضروريات، مع تزايد الميل إلى المنتجات الأقل تكلفة على حساب العلامات التجارية. ومع استمرار الشركات في تمرير التكاليف المرتفعة إلى المستهلكين لن يكون قابلاً للاستدامة على المدى الطويل. كما سيُعدّ استمرار الصدمات الحالية، واستعداد الشركات لإعادة ضبط الأسعار عندما تعود التكاليف إلى مستوياتها الطبيعية، عاملين أساسيين في ثقة المستهلكين وقراراتهم المستقبلية.

يتقاطع ذلك مع تقييم فرناندو لوزانو، أستاذ الاقتصاد في كلية “بومونا”، الذي يرى أن المستهلكين لن يتسامحوا مع العلاوات الجديدة، في ظل تراكم ضغوط اقتصادية تشمل التعريفات الجمركية وارتفاع تكاليف الرعاية الصحية، ما يعني أن هامش تقبل أي أعباء إضافية بات محدوداً للغاية.

إعادة تشكيل قطاع الشحن

في سياق متصل، يواجه قطاع الشحن اختباراً حقيقياً يعكس تحولاً في تفضيلات المستهلكين بين السرعة والتكلفة. أن نموذج “الشحن السريع والمجاني” لم يعد مستداماً، مع توجه السوق نحو نموذج قائم على الاختيار والقيمة، وهو ما يتزامن مع طلب خدمة البريد الأمريكية بفرض رسوم إضافية 8% على خدمات الطرود والشحنات السريعة.

إن أفضل طريقة لفهم رسوم الوقود الإضافية هي اعتبارها “ضريبة تقلبات” على الشحن. إذ تمنح شركات النقل قدرة على التكيف مع تقلبات أسعار النفط، لكنها في المقابل تمثل عبئاً مالياً مباشراً على الشركات الصغيرة، التي ترى فيها تكلفة إضافية مفروضة لا تملك السيطرة عليها.

في المحصلة، يجد كل من أصحاب الأعمال والمستهلكين أنفسهم أمام ضغوط متزايدة ومتزامنة، تتقاطع خلالها ارتفاعات التكاليف مع محدودية الخيارات، ويستعيد فريدمان بدايات شركته خلال الأزمة المالية العالمية حين فرضت الظروف قدراً عالياً من المرونة والابتكار، إلا أنه يشير إلى أن الوضع الحالي أكثر تعقيداً في ظل توسع العمليات وضيق هامش المناورة، ليخلص إلى أن التأثير بات يشمل الجميع من دون استثناء.