بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

قراءة تحليلية

حرب “الربيع الساخن” تقرع طبولها: مُهلة دبلوماسية تقترب من نهايتها وحشد عسكري أمريكي غير مسبوق يُطوّق إيران

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

يوماً بعد يوم، تتبلور ملامح مشهد بالغ التعقيد في الشرق الأوسط، مع بداية ربيع يبدو الأكثر سخونة سياسياً وعسكرياً منذ عقود، تتقاطع خلاله مهلة دبلوماسية ضيقة مع تصعيد عسكري أمريكي-إسرائيلي متسارع وغير مسبوق ضد إيران. فقد منح دونالد ترامب طهران مهلة زمنية حتى السادس من إبريل 2026 للدخول في تسوية جدية بشأن برنامجها النووي والصاروخي، فيما كانت إسلام آباد تحتضن حراكاً دبلوماسياً إقليمياً يسعى لاحتواء التدهور ومنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.

لكن المسار السياسي يبدو، حتى الآن، أبطأ بكثير من وتيرة التحشيد العسكري على الأرض. وبالتوازي مع الحديث عن “فرصة أخيرة”، تمضي واشنطن في استكمال استعداداتها القتالية عبر نشر منظومة انتشار عسكري تُعد الأضخم منذ عقود. بما يعكس بوضوح استراتيجية تفاوض تحت الضغط، حيث تتحول المهلة الزمنية إلى ما يشبه غطاءً سياسياً يمنح الولايات المتحدة الوقت اللازم لاستكمال انتشارها العسكري قبل الانتقال إلى لحظة القرار.

حشد متعدد الأبعاد: من الانتشار إلى الجاهزية

تشير تقديرات عسكرية متداولة إلى أن الولايات المتحدة دفعت بأكثر من 65 ألف جندي إلى مسرح العمليات، موزعين بين قوات برية وبحرية وجوية، في انتشار يعكس مستوى عالياً من الجاهزية وليس مجرد تموضع احترازي.

في البر، تتصدر قوات التدخل السريع المشهد، وعلى رأسها الفرقة 82 المحمولة جواً، المدعومة بعناصر من الفرقة 101، إلى جانب وحدات النخبة من القوات الخاصة، مثل “دلتا فورس” و”نايفي سيلز” و”رينجرز”. هذه التشكيلات، التي يتراوح عددها بين 15 و20 ألف عنصر، ليست قوات تقليدية، بل أدوات لتنفيذ عمليات دقيقة وسريعة داخل العمق المعادي.

في البحر، تتمركز مجموعات قتالية ضاربة تضم أكثر من 20 ألف عنصر، تقودها حاملات طائرات مثل “أبراهام لينكولن” و”جورج بوش” التي من المتوقع أن تصل قريباً إلى الشرق الأوسط بعد مغادرة “جيرالد فورد” لإجراء أعمال صيانة في كرواتيا، إلى جانب سفن هجومية برمائية مثل “بوكسر” و”تريبولي”، المصممة لتنفيذ عمليات إنزال مباشر على السواحل.

أما في الجو، فقد تجاوز عدد الطائرات الأمريكية 300 طائرة، تضم مزيجاً متقدماً من مقاتلات F-35 وF-15 وF-16 وF/A-18، إلى جانب طائرات الحرب الإلكترونية والإنذار المبكر والتزود بالوقود، ما يمنح واشنطن قدرة شبه مطلقة على التحكم بالمجال الجوي في حال اندلاع المواجهة.

شبكة القواعد وهندسة الانتشار

ما يعزز فعالية هذا الحشد ليس حجمه فحسب، بل شبكة القواعد العسكرية التي يستند إليها، والتي تمتد من الخليج إلى شرق المتوسط والقرن الإفريقي.

في الخليج، تشكل قاعدة العديد في قطر مركز العمليات الجوية، فيما تلعب قاعدة الأمير سلطان في السعودية دوراً محورياً في إدارة الطلعات القتالية. وتستضيف الإمارات قاعدة الظفرة، التي تُعد منصة متقدمة للطائرات الشبحية، في حين توفر الكويت، عبر معسكر عريفجان وقاعدة علي السالم، العمق اللوجستي للقوات البرية.

في البحرين، يقود الأسطول الخامس العمليات البحرية، بينما تشكل القواعد في الأردن والعراق، مثل موفق السلطي وعين الأسد وأربيل، نقاط ارتكاز متقدمة لأي عمليات داخل العمق الإيراني.

أما في سوريا، فتبرز قاعدة التنف كعقدة استراتيجية على المثلث الحدودي، في حين تبقى قاعدة إنجرليك في تركيا وقاعدة رامشتاين في ألمانيا شريان الإمداد الرئيسي من أوروبا إلى الشرق الأوسط.

هذه الشبكة لا تعكس مجرد انتشار، بل بنية عملياتية متكاملة تسمح بتنفيذ هجمات متزامنة، وإعادة التموضع بسرعة، والحفاظ على استمرارية العمليات لفترات طويلة.

تقسيم المهام: حرب “الشلل السريع”

تعتمد الاستراتيجية الأمريكية على مبدأ واضح، وهو شل القدرات الإيرانية خلال الساعات الأولى من المواجهة.

القوة الجوية ستقود الضربة الأولى، مستهدفة أنظمة الدفاع الجوي والرادارات ومنصات الصواريخ، بهدف فرض سيادة جوية خلال 24 إلى 48 ساعة. بالتوازي، تتحرك القوات الخاصة لتنفيذ عمليات “قطع الرأس”، عبر استهداف مراكز القيادة والسيطرة، وتأمين أو تدمير المنشآت النووية الحساسة.

الفرقة 82 المحمولة جواً ستؤمن المطارات والمواقع الحيوية عبر إنزال مظلي سريع، فيما ستتولى وحدات المارينز السيطرة على الجزر والسواحل عبر عمليات إنزال برمائي. وفي الصفوف الخلفية، تعمل وحدات الحرب الإلكترونية على تعطيل الاتصالات الإيرانية، ما يعمق حالة الارتباك ويحد من القدرة على الرد.

محاور التدخل: جغرافيا الهجوم المحتمل

تتجه التقديرات إلى أن أي عملية عسكرية ستنطلق عبر أربعة محاور متزامنة، هي:

أولاً: في الجنوب، تبرز منطقة بندر عباس والجزر الاستراتيجية مثل قشم وخرج، حيث يمكن تنفيذ إنزال برمائي لتأمين مضيق “هُرمز” وقطع شريان النفط الإيراني.

ثانياً: في العمق، قد تشهد مناطق نطنز وأصفهان وفردو عمليات إنزال جوي تستهدف البرنامج النووي بشكل مباشر.

ثالثاً: في الغرب، تتركز العمليات على المناطق الحدودية مع العراق، بهدف تدمير أنظمة الرادار والاتصالات وعزل القيادة الإيرانية.

رابعاً: في محيط طهران، مع سيناريوهات تشير إلى عمليات خاصة تستهدف مراكز القرار، في محاولة لشل القيادة السياسية والعسكرية.

لا تهدف هذه الاستراتيجية إلى احتلال شامل، بل إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسة: تفكيك البرنامج النووي، وتدمير القدرات الصاروخية، وخنق الاقتصاد النفطي عبر استهداف منشآت التصدير، خصوصاً في جزيرة خرج.

على الرغم من التفوق العسكري الأمريكي، فإن الطريق إلى النصر ليس مضموناً، إيران تمتلك عناصر قوة قد تحول أي مواجهة إلى حرب استنزاف معقدة، سواء عبر قوات “البسيج” أو عبر الجغرافيا الصعبة.

كما أن خطر توسع الصراع إقليمياً يبقى قائماً، في ظل وجود حلفاء لإيران في ساحات عدة، ما قد يفتح جبهات متعددة في آن واحد. ويظل الغموض المحيط بالقدرات النووية الإيرانية عاملاً حاسماً، قد يُغير قواعد الاشتباك في حال تم اللجوء إلى خيارات قصوى.

مُهلة قصيرة.. وقرار كبير

في ظل مُهلة الأيام العشرة التي يتوقع أن تكون الأخيرة من الإدارة الأمريكية التي حدّدها دونالد ترامب حتى السادس من إبريل الجاري، والتحركات الدبلوماسية التي تقودها عواصم مثل إسلام آباد، تبدو المنطقة أمام سباق مع الزمن بين السياسة والعسكر.

لكن الواقع الميداني يشير إلى أن كفة الاستعداد العسكري هي الأرجح حتى الآن، ما يجعل هذه المُهلة أقرب إلى العدّ التنازلي لقرار كبير، قد يحدد مصير المنطقة لسنوات طويلة.

وبين خيار “الضربة الجراحية” واحتمال “الحرب المفتوحة”، يبقى ربيع 2026 مرشحاً لأن يكون نقطة التحول الأبرز في تاريخ الشرق الأوسط الحديث.