ينقل تنصيب أبيلاردو دي لا إسبرييا رئيساً لكولومبيا البلاد من مرحلة سياسية إلى أخرى أكثر صدامية، بعدما اختار الناخبون في يونيو/حزيران الماضي إنهاء أربع سنوات من حكم اليسار بقيادة غوستافو بيترو، أول رئيس يساري في تاريخ البلاد، وتسليم السلطة إلى محامٍ ثري ذي توجهات يمينية متشددة، يحمل الجنسية الأمريكية، ويتمتع بعلاقة وثيقة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
لا تبدو المسألة مجرّد انتقال دوري للسلطة بين رئيسين يحملان رؤيتين متناقضتين، بل إعادة تعريف لأولويات الدولة الكولومبية. فبينما حاول بيترو معالجة ملف الجماعات المسلحة من خلال سياسة “السلام الشامل”، التي صبغت تحركاته الداخلية والخارجية وفتحت قنوات تفاوض مع “جيش التحرير الوطني” وفصائل منشقة عن “فارك” وجماعات إجرامية وحركات تمرد وتنظيمات أخرى متورطة في اقتصاد المخدرات، يدخل دي لا إسبرييا القصر الرئاسي متعهداً بإغلاق هذا المسار، واستعادة المبادرة الأمنية، وربط مكافحة المخدرات بسياسة خارجية أكثر قرباً من واشنطن.
ويحمل الرئيس الجديد، البالغ 48 عاماً والملقب بـ”إل تيغري” (النمر)، تصوراً مختلفاً لطبيعة الأزمة، فهو لا يتعامل مع الكوكايين والجماعات المسلحة باعتبارها مشكلة أمنية داخلية قابلة للاحتواء عبر التفاوض، بل باعتبارها منظومة إجرامية متكاملة تستفيد من ضعف الدولة، وتمتد شبكاتها عبر الحدود والأسواق الدولية. ومن هنا تبدأ ملامح التحول الذي قد يجعل كولومبيا واحدة من أبرز ساحات المواجهة الأمريكية مع اقتصاد المخدرات في القارة اللاتينية.
نهاية “السلام الشامل”
لم تحقق تجربة “السلام الشامل” للرئيس المنتهية ولايته، والتي راهنت على تقديم حوافز سياسية وقانونية واقتصادية يمكن أن تدفع المسلحين إلى التخلي عن السلاح، النتيجة التي أرادتها الحكومة. فقد استمرت الجماعات المسلحة في توسيع نفوذها في مناطق إنتاج الكوكايين والتهريب والتعدين غير الشرعي، فيما تعثرت المفاوضات مع عدد من التنظيمات وتزايدت مظاهر العنف في مناطق مختلفة من البلاد.
يأتي دي لا إسبرييا إلى السلطة مستفيداً من هذه الثغرة تحديداً. فانتخابه لا يعكس فقط تحولاً أيديولوجياً من اليسار إلى اليمين، بل يمثل أيضاً تصويتاً على طريقة إدارة الدولة لملف أمني ظل مفتوحاً لعقود. ولذلك يبدو تعهده بإنهاء مفاوضات السلام أكثر من مجرّد قرار سياسي؛ إنه إعلان عن انتقال مركز الثقل من التفاوض إلى الردع.
إلا أن الرهان على القوة وحدها يحمل مخاطرة أساسية: فالجماعات المسلحة الكولومبية لم تعد هياكل عسكرية تقليدية يمكن إسقاطها عبر استهداف قياداتها، بل تحولت إلى شبكات اقتصادية مرنة تتغذى من تجارة المخدرات والتهريب والتعدين غير القانوني.
المخدرات كاقتصاد حرب
تكمن صعوبة مهمة الرئيس الجديد في أن كولومبيا لا تواجه مجرّد مجموعات مسلحة تحمل السلاح، وإنما اقتصاداً متكاملاً تتشابك فيه الزراعة غير الشرعية مع المختبرات وشبكات النقل والتمويل والتهريب والتوزيع الدولي.
يُذكر أن كولومبيا تحتل موقع الصدارة عالمياً في إنتاج الكوكايين، ما يجعل مكافحة المخدرات بالنسبة إلى دي لا إسبرييا قضية أمن قومي، لكنها في الوقت نفسه قضية اقتصادية عابرة للحدود. فإغلاق مزرعة كوكا أو تدمير مختبر لا يعني بالضرورة القضاء على الشبكة التي تمولها، ما لم تصل الدولة إلى الوسطاء والمهربين ومغسلي الأموال والأسواق الخارجية.
وهنا يمكن أن تتجه استراتيجية “النمر” إلى توسيع تعريف الحرب على المخدرات. فبدلاً من التركيز على المناطق الزراعية وحدها، ستصبح حركة الأموال والأصول والشبكات اللوجستية جزءاً من المعركة. وهذه المقاربة، إذا اقترنت بالتعاون الاستخباري الأمريكي، يمكن أن تنقل المواجهة من الأدغال الكولومبية إلى الحسابات المصرفية والموانئ وشركات الواجهة وشبكات النقل الدولية. لكن هذا التحول يطرح سؤالاً أكبر حول طبيعة الدور الذي ستلعبه واشنطن.
واشنطن تستعيد موقعها
لم يكن التقارب بين دي لا إسبرييا وترامب تفصيلاً انتخابياً عابراً. فالجنسية الأمريكية للرئيس الجديد، إلى جانب مواقفه اليمينية الصارمة، تجعل وصوله إلى السلطة فرصة لإعادة بناء العلاقة الأمريكية-الكولومبية على أساس أمني أكثر وضوحاً.
وخلال عهد بيترو، شهدت العلاقة مع واشنطن تباينات حادة بشأن الحرب على المخدرات، وطرق مكافحة زراعة الكوكا، والتعامل مع الجماعات المسلحة. أما دي لا إسبرييا، فيقدم نفسه باعتباره شريكاً أكثر قرباً من الرؤية الأمريكية التقليدية: مكافحة المخدرات، تعزيز القوات الأمنية، واستعادة السيطرة على المناطق الخارجة عن نفوذ الدولة.
وبذلك يمكن أن تستعيد كولومبيا دورها كأحد أهم الحلفاء الأمنيين لواشنطن في المنطقة، بوصفها جزءاً من مقاربة أمريكية أوسع لمواجهة الجريمة المنظمة وحماية المصالح الاستراتيجية في نصف الكرة الغربي، لا مجرّد شريك في مكافحة المخدرات. ليكتسب هذا التحول أهمية أكبر في ظل التنافس الأمريكي مع قوى دولية أخرى تسعى إلى توسيع حضورها في أمريكا اللاتينية. فكلما اقتربت بوغوتا من واشنطن، أصبحت أكثر ارتباطاً بالاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، من أمن الحدود إلى مكافحة شبكات التهريب وحماية طرق التجارة.
التكنولوجيا سلاحاً
لا يتوقف مشروع دي لا إسبرييا عند زيادة الانتشار العسكري. فالحرب الجديدة على المخدرات مرشحة لأن تكون أكثر اعتماداً على التكنولوجيا والمعلومات، من الطائرات المسيّرة إلى أنظمة المراقبة وتحليل البيانات والقدرات الاستخبارية.
وهذا يعني أن المعركة قد تنتقل تدريجاً من مطاردة المسلحين في الأدغال إلى تعقّب الشبكات التي تحرك اقتصاد المخدرات. وإذا تمكنت الدولة من دمج المعلومات العسكرية والمالية والاستخبارية، فقد تصبح قادرة على ضرب البنية الاقتصادية للتنظيمات بدلاً من الاكتفاء بملاحقة عناصرها.
لكن دخول التكنولوجيا وشركات الأمن والخدمات الاستخبارية الخاصة إلى هذا المجال يفتح بدوره سوقاً أمنية متنامية. فكلما توسعت الحرب على الجريمة المنظمة، زاد الطلب على المسيّرات وأنظمة الرصد والاتصالات والأمن السيبراني وتحليل البيانات. وهنا يتحول ملف مكافحة المخدرات من سياسة أمنية روتينية إلى منظومة ذات موازنات وشركات وموردون وشراكات دولية.
خطر تصدير الأزمة
يبقى الاختبار الأصعب في قدرة دي لا إسبرييا على منع “تأثير البالون”، فالتشديد الأمني في منطقة لا يؤدي بالضرورة إلى اختفاء الجريمة، بل قد يدفعها إلى الانتقال نحو مناطق أقل تعرضاً للضغط.
وتملك كولومبيا حدوداً طويلة مع فنزويلا والإكوادور، إضافة إلى واجهتين بحريتين تفتحان المجال أمام شبكات التهريب الدولية. ولذلك، فإن أي حملة واسعة على الجماعات المسلحة قد تدفع بعضها إلى إعادة توزيع نشاطها جغرافياً، أو تفكيك بنيتها إلى مجموعات أصغر وأكثر مرونة.
وعليه، فإن انتقال شبكات المخدرات إلى المناطق الحدودية، أو تصاعد التنافس بين التنظيمات المسلحة على طرق التهريب، قد يضيف طبقة جديدة من التوتر إلى علاقات بوغوتا مع جيرانها، ويمنح واشنطن مبرراً أكبر لتوسيع حضورها الأمني في المنطقة.
اختبار “النمر”
يدخل دي لا إسبرييا قصر الرئاسة حاملاً وعداً بـ”عصر جديد”، لكن هذا العصر لن يُقاس بعدد العمليات الأمنية التي تنفذها الدولة، بل بقدرتها على استعادة المناطق التي فقدت فيها حضورها، وتجفيف مصادر تمويل الجماعات المسلحة، وتوفير بدائل اقتصادية للمجتمعات التي ارتبطت لعقود باقتصاد الكوكا.
نعم، قد يكون التحول من اليسار إلى اليمين سريعاً في صناديق الاقتراع، لكنه أكثر تعقيداً على الأرض. وإلغاء مسار التفاوض أسهل من بناء دولة قادرة على ملء الفراغ الذي تتركه الجماعات المسلحة.
لذا، فإن “النمر” الكولومبي لا يخوض معركة ضد المتمردين وتجار المخدرات فحسب؛ بل يخوض اختباراً لنموذج كامل في إدارة الأمن. فإذا نجح في الجمع بين القوة والتكنولوجيا والاستخبارات والضغط المالي والتعاون الدولي، فقد يعيد رسم موقع كولومبيا في المعادلة الأمنية لأمريكا اللاتينية.
أما إذا تحولت القبضة الأمنية إلى سياسة بلا مسار اقتصادي واجتماعي موازٍ، فقد لا تختفي تجارة المخدرات، بل تعيد إنتاج نفسها بأشكال أكثر مرونة، وتنتقل من الأدغال إلى الحدود والأسواق الدولية.
وفي الحالتين، ستكون كولومبيا أمام مرحلة مختلفة: من “السلام الشامل” الذي حاول استيعاب خصوم الدولة، إلى “الأمن الشامل” الذي يسعى إلى تفكيكهم؛ ومن مسافة أكثر استقلالاً عن واشنطن إلى شراكة أمنية أعمق معها. وبين النموذجين، يبقى الرهان الحقيقي على قدرة الدولة الكولومبية على هزيمة الاقتصاد الذي يغذي السلاح، لا السلاح وحده.













