الرباط - المهدي هنان
الرباط - المهدي هنان

مقالات مشابهة

تقرير إخباري

الانتخابات التشريعية في المغرب.. “الأصالة والمعاصرة” يتصدر الاستحقاق ويتجه لرئاسة “حكومة المونديال”

الرباط - المهدي هنان
الرباط - المهدي هنان

تدخل المملكة المغربية مرحلة سياسية جديدة مع تصدّر حزب “الأصالة والمعاصرة” نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت الأربعاء 23 سبتمبر/أيلول 2026، وحصوله على المرتبة الأولى للمرة الأولى في تاريخه. ويفتح هذا التقدم الباب أمام الحزب لقيادة مشاورات تشكيل الأغلبية الحكومية، في انتظار تعيين الملك محمد السادس رئيس الحكومة المقبل.

تواجه الحكومة الجديدة، التي باتت تُعرف بـ”حكومة المونديال”، استحقاقات سياسية واقتصادية واجتماعية متعددة، في مقدمتها الإعداد لتنظيم كأس العالم 2030، الذي تستضيفه المملكة بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال.

وفي انتظار حسم القصر الملكي هوية رئيس الحكومة المقبل، يبرز اسم فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم والمُلتحق حديثاً بحزب “الأصالة والمعاصرة”، ضمن أبرز الأسماء المتداولة لتولي المنصب، إلى جانب فاطمة الزهراء المنصوري، منسقة القيادة الجماعية للحزب، التي قد تصبح، في حال تعيينها، أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في تاريخ المغرب. 

خريطة البرلمان

حوالي الساعة الثالثة والنصف فجراً من صباح الخميس 24 سبتمبر/أيلول، أعلن وزير الداخلية المغربي، عبد الوافي لفتيت، عن نتائج الانتخابات التشريعية، التي أسفرت عن تقدم حزب “الأصالة والمعاصرة” بـ 97 مقعداً، من أًصل 395 مقعداً، يليه حزب “التجمع الوطني للأحرار”، الذي يقود الحكومة المنتهية ولايتها، بـ 66 مقعداً، فيما حل حزب “الاستقلال” في المرتبة الثالثة بـ 65 مقعداً، متبوعاً بـ”العدالة والتنمية” (الإسلامي)، الذي حصل على 54 مقعداً، ثم “الحركة الشعبية” بـ 29 مقعداً، فـ”الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” (يسار) بـ 26 مقعداً، يليه الحزب اليساري الآخر، “التقدم والاشتراكية” بـ 19 مقعداً، أما “تحالف اليسار” فقد حصل على 8 مقاعد.

بهذا يفوز حزب “الأصالة والمعاصرة”، لأول مرة في تاريخه، بصدارة الاستحقاقات التشريعية، فيما يتراجع حزب “التجمع الوطني للأحرار” إلى المرتبة الثانية مقارنة بانتخابات 2021، حيث تصدر الاستحقاق، أما حزب “الاستقلال” فقد حافظ على مرتبته الثالثة. الاستحقاق يشهد عودة قوية لحزب “العدالة والتنمية” الإسلامي، الذي لم يحظ في الانتخابات السابقة سوى بـ 13 مقعداً، مما شكل حينها مفاجأة مدوية باعتبار أنه كان الحزب المتصدر في انتخابات 2016 بـ 125 مقعداً.

وباستثناء “الاستقلال”، تكرس الأحزاب التاريخية لما يعرف بـ”الكتلة الديمقراطية”، المنبثقة من الحركة الوطنية (التي قاومت الاستعمار)، تراجعها في الاستحقاقات السابقة، منذ عقدين، إذ لم يحقق “الاتحاد الاشتراكي” و”التقدم والاشتراكية” نتائج توازي تاريخهما السياسي.

في المقابل، تتشكل ملامح بديل يساري في المستقبل، ممثلاً في “تحالف اليسار”، الذي لم يحصل خلال الاستحقاقات السابقة سوى على مقعدين، أضاف إليهما 6 مقاعد في الانتخابات الحالية.

“حكومة المونديال”

ينص الفصل 47 من الدستور المغربي على ضرورة تعيين الملك رئيس الحكومة من الحزب الحاصل على المرتبة الأولى في الانتخابات، وتعيين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها المعيّن. كما يفرض النظام الانتخابي في المغرب على الحزب المتصدر للانتخابات الدخول في تحالفات، نظراً إلى اعتماد نمط الاقتراع بالتمثيل النسبي، وهو نظام يوزّع المقاعد على الأحزاب بحسب نسبة أصواتها، بما يحول دون حصول أي حزب بمفرده على الأغلبية المطلقة في البرلمان.

من أهم المهام التي ستكون على عاتق الحكومة المقبلة، تنظيم منافسات كأس العالم 2030، التي سيحتضنها المغرب باشتراك مع إسبانيا والبرتغال، لذلك أطلق عليها اسم “حكومة المونديال”.

يبرز اسم فوزي لقجع، وزير الميزانية في الحكومة الحالية، ورئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، مرشحاً قوياً ليكون رئيساً للحكومة، خاصة أن من يوصف بـ”صانع أفراح الكرة المغربية”، التحق رسمياً بحزب “الأصالة والمعاصرة” أسابيع قليلة قبل الانتخابات، ونجح في وقت قياسي، من خلال حواراته، والأنشطة الحزبية التي حضرها، في أن يصبح حديث الشارع المغربي. وينافس لقجع في هذا السياق منسقة القيادة الجماعية لحزب “الأًصالة والمعاصرة”، فاطمة الزهراء المنصوري، التي يراها مراقبون مؤهلة لتكون أول رئيسة حكومة في تاريخ المغرب.

تراجع في نسبة المشاركة

بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية العامة، حسبما أعلنت وزارة الداخلية، 38.08 في المائة. إذ وصلت النسبة 4.23 في المائة في حدود الساعة العاشرة صباحاً، وارتفعت إلى 38.02 في المائة بعد إغلاق مكاتب التصويت بحلول الساعة السابعة مساءً بالتوقيت المحلي.

بذلك تتراجع نسبة المشاركة مقارنة بآخر انتخابات تشريعية سنة 2021، التي سجلت نسبة 50 في المائة، وتعتبر ثاني أقل نسبة مشاركة منذ سنة 2007 التي سُجلت فيها نسبة 37 في المائة، النسبة الأقل في ما يعرف ب”العهد الجديد”.

وعبّر عدد من السياسيين عن خيبة أملهم من نسبة المشاركة المسجلة، إذ وصفها الوزير السابق والقيادي في حزب “العدالة والتنمية”، إدريس الأزمي، بـ”المؤلمة”، مسجلاً في تصريحات للصحافة من مقر حزبه، أنها نسبة مؤسفة، “جاءت نتيجة لعمل الحكومة الحالية، التي بخست العمل السياسي”. من جهتها، اعتبرت القيادية بحزب “التقدم والاشتراكية”، اليساري، والوزيرة السابقة، شرفات أفيلال، أن نسبة المشاركة المسجلة “مقلقة” و”تساءلنا جميعا”، مضيفة أن حزبها سبق وحذر من أن هذا “الانسداد في الأفق وفقدان الثقة في السياسة خاصة في صفوف الشباب، سيكون له ما بعده”.

تحديات واستحقاقات

المحلل السياسي محمد شقير، في تصريح لـ”غلوبال ووتش عربية”، يوضح أن هذه الانتخابات تميزت بأهمية خاصة تتمثل في أنها ستفرز ما أصبح يُنعت بـ”حكومة المونديال” وما ستقوم به لتنظيم أول تظاهرة كروية عالمية بالمغرب، إلى جانب كل من إسبانيا والبرتغال، مما جعل الاهتمام الدولي يتركز على هذه الانتخابات بدليل عدد الملاحظين الدوليين الذين يتابعون سيرها.

وقد جرت الانتخابات التشريعية وسط مواكبة وطنية ودولية لسير عملية الاقتراع، بحيث اعتمدت اللجنة الخاصة لمُلاحِظات ومُلاحِظي الانتخابات، 26 جمعية غير حكومية ومؤسسة وطنية، و30 هيئة ومنظمة دولية، عبّأت ما مجموعه 3 آلاف و6 ملاحظين.

ويُضيف شقير أن هذه الانتخابات حظيت أيضاً باهتمام الرأي العام الداخلي لأن الحكومة المنبثقة عنها، من المنتظر أن تتولى مواجهة مجموعة من التحديات وعلى رأسها مواجهة غلاء المعيشة، وتحسين القدرة الشرائية للمواطنين واحتواء ظاهرة الوسطاء الذين أصبحوا يسيطرون على سوق المواد الغذائية، ويتحكمون في رفع الأسعار، بالإضافة إلى الحد من نسبة البطالة التي تطال فئات واسعة من الشباب بالمغرب.

كما تأتي هذه المحطة السياسية البارزة في سياق تقوم فيه المملكة المغربية بخطوات كبيرة لإغلاق ملف قضية الصحراء، عبر الدفع بخيار الحكم الذاتي على الأقاليم الجنوبية ليكون الحل الأمثل والأكثر واقعية.

تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية

تضع نتائج الانتخابات التشريعية المغربية لعام 2026 حزب “الأصالة والمعاصرة” في واجهة المشهد السياسي، لكنها لا تحسم وحدها شكل الحكومة المقبلة، في ظل الحاجة إلى بناء تحالف برلماني قادر على تأمين الأغلبية. وبين الاستعداد لاستضافة كأس العالم 2030، ومواجهة الغلاء والبطالة وتعزيز القدرة الشرائية واستعادة ثقة المواطنين، تواجه “حكومة المونديال” استحقاقات تتجاوز التنظيم الرياضي إلى تدبير ملفات اقتصادية واجتماعية وسياسية شديدة الحساسية. 

كما أن تراجع المشاركة الانتخابية، بالتوازي مع صعود قوى سياسية جديدة وعودة “العدالة والتنمية”، يكشف عن مشهد انتخابي متغير، ستكون قدرة الحكومة المقبلة على الاستجابة لتطلعات المغاربة أحد أبرز اختباراته خلال المرحلة المقبلة.