الرباط - المهدي هنان
الرباط - المهدي هنان

مقالات مشابهة

المغرب

كيف فتح الفن المستقل أبواب العالمية أمام الموسيقى الأمازيغية؟

الرباط - المهدي هنان
الرباط - المهدي هنان

تحت السماء المفتوحة في المهرجانات الموسيقية الكبرى عبر أوروبا، مثل مهرجان “روسكيلده” (Roskilde) الدنماركي أو “غلاستنبوري” (Glastonbury) البريطاني، يقف آلاف الشباب الذين لا يتحدثون كلمة واحدة من اللغة الأمازيغية، ويستجيبون بحماس متدفّق لنقرات القيثارة الكهربائية المشبعة بوهج الصحراء، ونبضات “البندير” (آلة موسيقية تقليدية)، وأنين آلة “الرباب” السوسية (نسبة إلى منطقة سوس الأمازيغية جنوب المغرب) العريقة.

لم يعد هذا المشهد مجرد لحظة احتفالية عابرة، بل غدا ظاهرة موسيقية ثنائية التلاقح وعابرة للقارات، تحولت خلالها ثقافة ولغة، ظلت لقرون طويلة محصورة في المداشر والجبال وفي عمق الصحراء الكبرى، إلى صوت عصري يستعير أدوات “الروك البديل”، و”بلوز الصحراء”، و”الجاز فيزيون”. وبذلك يُعلن الفن المستقل عن ميلاد هوية سمعية وبصرية حية، ترفض الانزواء في رفوف المتحف أو التجمّد في الأرشيف الفولكلوري، لتفرض حضورها الفني، وتخاطب الوجدان الإنساني على كبرى الخشبات الدولية. فكيف شهدت الموسيقى الأمازيغية بلهجاتها المختلفة هذا التحول؟ ومن هم سفراء أنغام شمال إفريقيا في العالم؟

من تراث مناسباتي إلى العالمية

لعقود طويلة، حُصرت الأغنية الأمازيغية في صورة نمطية تبسيطية، اختزلتها في “بطاقة بريدية سياحية” أو تراث مناسباتي محلي يُستدعى في الاحتفالات الموسمية. غير أن الحراك الموسيقي المستقل للجيل الجديد أقام قطيعة جمالية مع هذا التأطير الضيق، مُعيداً صياغة التراث ببُعدٍ فني قائم على الصدق التعبيري واحتضان قضايا الهامش وتطلعات الشباب.

تأسّست فرقة Meteor Airlines في إقليم تنغير بالجنوب الشرقي المغربي، وكما يحدث في كثير من المشروعات الفنية الصادقة: مجموعة من أصدقاء الطفولة وجدوا أنفسهم يتشاركون الغُرف نفسها، وجلسات العزف الحر، والاستماع إلى الأسطوانات الغربية والعالمية نفسها. وكان السؤال الجوهري الذي يؤرقهم: لماذا يتعين على الموسيقى التي نشأوا عليها، والموسيقى العالمية التي اكتشفوها لاحقاً، أن تعيشا في عالمين منفصلين؟

لم تكن الكيمياء بينهم مفتعلة، فعلى الرغم من الخلفية الموسيقية المتنوعة لكل عضو، جمعتهم لغة مشتركة بلسان تمازيغت وغريزة إيقاعية واحدة. وكأي فرقة مستقلة في المغرب، كانت البدايات شاقة لوجستياً: من البحث عن أماكن للتدريب، وتوفير المعدات، إلى إقناع المتعهدين بالمراهنة على نمط موسيقي لا يندرج بسهولة ضمن التصنيفات التقليدية السائدة.

GWA

يرى أعضاء الفرقة، في شهادة لـ”غلوبال ووتش عربية”، أن تطعيم ألحان تمازيغت وإيقاعات “أحواش” بالروك البديل والبلوز ليس قطيعة أو افتعالاً هجيناً، بل هو “إغلاق لدائرة تاريخية”. البلوز يمتلك جذوراً إفريقية عميقة تتصل بشمال وغرب إفريقيا. وحين تمزج ألحان الأطلس بالروك، تلتقي السلاسل الخماسية (Pentatonicscales)، وأسلوب النداء والاستجابة (Call and response)، والإيقاعات التكرارية الاستغراقية التي تزخر بها التقاليد الموسيقية الأمازيغية مع نظيراتها في الروك العالمي.

ويُسجّلون: “نحن نرى في ذلك امتداداً لا قطيعة. لقد دأبت الموسيقى الأمازيغية دائماً على السفر واستيعاب كل ما تقاطعت معه في طريقها، وتلك هي طبيعة الثقافة الحية. إن لموسيقى البلوز جذوراً عميقة تعود إلى شمال وغرب إفريقيا، لذا فعندما نمزج الألحان الأمازيغية بموسيقى الروك، فإننا نغلق دائرةً ما بطريقة ما بدلاً من فتح باب غريب. فالسلم الخماسي، وأسلوب النداء والجواب، والتكرار الذي يشبه حالة النشوة، كلها عناصر موجودة في كلا التقليدين. وما يهم حقاً هو النية؛ فإذا تم الدمج احتراماً ومعرفة حقيقية بالتقاليد، فإنه يُقوي الموسيقى ويحملها إلى أشخاص ما كانوا ليصادفوها لولا ذلك. أما إذا تم بشكل سطحي ومجرد زينة، فإنه يُفرغ الموسيقى من معناها”.

يتعامل أعضاء الفرقة مع جولاتهم الدولية بامتنان وشعور عالٍ بالمسؤولية؛ إذ يدركون أنهم يدشنون المواجهة الأولى للجمهور الغربي مع الموسيقى الأمازيغية والمغربية. ولا يتملكهم الفخر بصفتهم “سفراء”، بل بكونهم يصنعون موسيقى تشبه ذواتهم وتستمد صدقها من التعبير عن قضايا البيئة والهامش بالجنوب الشرقي. ويعتبرون أن أصدق لحظات نجاحهم هي رؤية جماهير أجنبية لا تفهم كلمة واحدة من تمازيغت وهي تردد المقاطع الغنائية معهم عن ظهر قلب في المهرجانات العالمية. 

أنغام صحراوية

في موازاة تجارب الأطلس وسوس، شكّلت موسيقى الطوارق، أو ما يُعرف بـ “التشومارن” رأس الحربة في تدويل اللسان الأمازيغي (التماشق)، بحيث حوّلت القيثارة الكهربائية الصحراء من جغرافيا عازلة وقاسية إلى رمزية إنسانية عالمية تحكي قصص الحرية، والانعتاق، والشوق العميق.

تأسست فرقة تَامِيكْرِسْت (Tamikrest) عام 2006 في قرية تين ظواتين الحدودية بين الجزائر ومالي، وتأثرت بكبار فناني الروك والبلوز عالمياً، وفي مقدمتهم إريك كلابتون ومارك نوفلر. ورغم أن أعضاء الفرقة لا يتحدثون اللغة الإنجليزية، التي يُغني بها فنانو الروك والبلوز هؤلاء، إلا أنهم شعروا بالعواطف والرسائل المنسابة من بين أوتارهم. هذه التجربة جعلتهم يدركون مبكراً أن الموسيقى لغة تحس بها الروح قبل أن تفككها المعاجم واللغات الشفهية.

فرقة تاميكْرسْت Tamikrest

يقول عثمان موسى، وهو من مؤسسي المجموعة، لـ”غولبال ووتش عربية”: “الموسيقى لا تحتاج إلى ترجمة لتلامس قلوب الناس. لقد جعلني ذلك أدرك أن الموسيقى لغة تشعر بها الروح قبل أن تُفهم لغوياً. فالروك يُوفّر أرضية عالمية ومألوفة للجمهور الدولي؛ ولم تعد لغة التاماشِق عائقاً لأن الناس يشعرون بعاطفتنا، وطاقة الصحراء، وتاريخنا من خلال النغمات”.

بالنسبة لفرقة تَامِيكْرِسْت، تشكل القيثارة الكهربائية امتداداً للآلات الصحراوية التقليدية لا بديلاً يمحو أصالتها، إذ تظل روح الموسيقى والشعر الطوارقي الأمازيغي متماسكة وصافية. وإن إدخال القيثارات والصوت العصري يسمح لثقافة “التماشق” بالتحدث إلى الجيل الجديد من الشباب وإبقاء الموروث حياً ومتحركاً عبر أرجاء العالم.

وترى الفرقة أن تفاعل الجماهير الغربية وترديدها للكلمات دون ترجمة هو دلالة على قوة الفن في جمع البشر حول قيم مشتركة، وبالنسبة لهم، فإن القيثارة تعمل كجسر ثقافي ينقل مشاعرهم ونضالهم الإنساني من أجل الحرية والسلام مباشرة وبصدق، بدلاً من أسلوب العنف أو السلاح.

قطيعة جمالية وتجديد موسيقي

لم يتوقف التجديد في الموسيقى الأمازيغية عند حدود الكلمة أو اللحن، بل شمل التوزيع الآلي، حيث نُزعت الآلات التراثية، وفي مقدمتها آلة “الرباب” السوسية العريقة ذات الوتر الواحد، من وضعها الاحتفالي البسيط لتتصدّر وتطبع أوركسترا الجاز، والفانك والروك في أضخم العروض.

تأسست مجموعة “رباب فيزيون” في أواخر عام 2008 بين الدار البيضاء وأكادير، على يد الفنان والعازف فُولَان بُوحْسِين، برفقة نخبة من أصدقاء العمر والموسيقيين الموهوبين الذين جمعتهم المحبة والصدق والتاريخ المشترك، كما صرَّح بذلك مؤسس المجموعة لـ”غلوبال ووتش عربية”.

جاء إطلاق مشروع الفرقة متزامناً مع الحراك الموسيقي الشبابي بالمغرب المعروف بـ “نايضة” (Nayda) وظهوره في مهرجانات كبرى مثل “البولفار” و”موازين” لاحقاً. كما استفادت الفرقة من التوجه والإرادة الوطنية المشجعة للموسيقى الشبابية آنذاك، ما أتاح لها فرصاً واسعة، حيث قدّمت في سنتها الأولى وحدها، خلال عامي 2009 و2010، قرابة 32 عرضاً في المهرجانات.

تمحورت رؤية “رباب فيزيون” حول نقل الموسيقى الأمازيغية المغربية من خانة الفولكلور إلى رحاب الفن المستقل القائم بذاته، وإبراز آلة “الرباب” السوسية كآلة عالمية تقود الصفوف الأولى وتتفاهم مع كافة الآلات الغربية والعالمية.

فرقة ميتيور أيرلاينز Meteor Airlines

وتعمل الفرقة كجسر بين الثقافات عبر جولات دولية واسعة، كان من أبرزها جولتها في الولايات المتحدة الأمريكية عام 2015، التي شملت 24 ولاية، فضلاً عن عروضها في أوروبا وإثيوبيا والكونغو، ويقوم أسلوبهم على منح المستمع العالمي نكهة أمازيغية منسوجة ببراعة داخل القوالب الموسيقية العالمية التي يألفها كـ”الجاز”، و”الروك”، و”الفانك”، ما يجذبه لاستكشاف الموروث الأمازيغي والتعمق فيه.

ونظير هذه المجهودات في تجديد الموسيقى الأمازيغية وإعطائها إشعاعاً عالمياً، حصلت الفرقة سنة 2013، في شخص مؤسسها، على وسام المكافأة الوطنية من درجة فارس، منحه إياه العاهل المغربي، محمد السادس، بمناسبة عيد الشباب.

شيء من التاريخ

قبل ظهور “الروك” و”البلوز” الصحراوي الحديث، شهدت فترة السبعينيات أولى شرارات تدويل الأغنية الأمازيغية عبر القيثارة الخشبية الصوتية (Acoustic) والتوزيع العصري المحافظ على الروح التراثية.

وهكذا برزت ظاهرة الفنان الجزائري “إيدير” وأغنية “أفافا إينّوفا” التي تُعتبر الوثيقة التأسيسية العالمية للأغنية الأمازيغية. فقد أُذيعت الأغنية في أكثر من 77 دولة وتُرجمت إلى أكثر من 20 لغة، وقد برهنت أن لحناً قبائلياً بسيطاً، يعتمد على القيثارة الأكوستيكية والصوت الشجي، قادرٌ على اختراق الإذاعات الأوروبية والتحول إلى “أيقونة” في الموسيقى العالمية.

وفي المغرب، غيّرت فرقة “أوسمان” التي ضمّت قامات مثل مبارك عموري وبلعيد العكاف، وجه الأغنية الأمازيغية المغربية، حيث أخرجت الشعر الأمازيغي من أسلوب الروايس والأنماط التقليدية إلى قالب المجموعات الحضرية باستخدام القيثارة والكمان والتوزيع العصري. وفي عام 1977، وقفت الفرقة على خشبة مسرح “الأولمبيا” الشهير في باريس، لتكون أول فرقة أمازيغية مغربية تخاطب الجمهور الأجنبي في قلب العاصمة الفرنسية.

شكَلت منطقة الصحراء الكبرى (مالي، النيجر، الجزائر، ليبيا) مسرحاً لولادة أبرز الظواهر الأمازيغية ذات الحضور العالمي، والمعروفة ببلوز الصحراء. وتبقى أبرز فرقة في هذا التوجه الفني “تيناريوين”، التي تأسست في مخيمات الطوارق، وحوّلت العزف التقليدي على آلات مثل “التيهردينت” و”الإمزاد” إلى عزف ملتهب على القيثارات الكهربائية. ففي سنة 2012 نالت فرقة “تيناريوين” جائزة “الغرامي العالمية” لأفضل ألبوم في فئة “موسيقى العالم” عن ألبومها Tassili، ما جعل “البلوز الصحراوي الأمازيغي” تصنيفاً مستقلاً يُدَرَّس في الأكاديميات الموسيقية وتتسابق عليه شركات الإنتاج الدولية.

لم يكن وصول الموسيقى الأمازيغية إلى جمهور المهرجانات عبثياً، بل تقاطع مع تحولات صناعة الموسيقى في الغرب خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. فتأسيس مظلة “World Music”، ومهرجان WOMAD، بمساهمة الموسيقار البريطاني بيتر غابرييل، فتحا المجال أمام الموسيقى الشفهية لشمال إفريقيا للوصول إلى الجمهور الغربي المتعطش للاكتشاف.

فرقة تروا نتينيري Tarwa N-tiniti

وقد أشارت المراجع الأكاديمية والأنثولوجيات المتخصصة، مثل كتاب “World Music: The Rough Guide” للمؤرخ الموسيقي ديف موديمان، والقاموس التاريخي للأمازيغ للباحث حسين إيلاهيان، إلى أن سر الجاذبية العالمية للموسيقى الأمازيغية يكمن في أمرين: “السلالم الخماسية” (Pentatonic Scales) التي تشترك فيها الموسيقى الأمازيغية مع البلوز الأمريكي الأفريقي، ما يجعل أذن المستمع الغربي تتآلف معها فوراً. و”البنية التكرارية الاستغراقية” (Trance and Hypnotic Rhythms) التي تمنح المستمع تجربة شبيهة بنشوة الموسيقى الإلكترونية. 

ثورة المنصات الرقمية

أحدثت منصات التوزيع والبث الرقمي مثل “يوتيوب” و”آبل ميوزيك” و”سبوتيفاي” تحولاً جذرياً، إذ سمحت للفرق المستقلة بتجاوز الوساطات الإعلامية والاحتفاظ باستقلاليتها الفنية، لنقل موسيقاها مباشرة من العمق المحلي إلى أسماع المستمعين حول العالم.

انطلقت فرقة “تَارْوَا نْتِينِيرِي” عام 2012 من مدينة ورزازات، على يد أصدقاء طفولة جمعهم حب الفن والشغف بالهوية الأمازيغية تحت اسم يعني “أبناء الصحراء”. وعلى الرغم من بداياتهم الصعبة ومحدودية الإمكانيات، اعتمدوا على التكافل والعمل الجماعي لتطوير أسلوبهم الغنائي والموسيقي.

تعتمد الفرقة نمط “بلوز الصحراء”، ويؤكد محمد لمباركي، أحد مؤسسيها، في شهادة لـ”غلوبال ووتش عربية”، أن الأمازيغية ليست مجرد نوع غنائي، بل هي لغة وذاكرة وهوية وقصص عاشها أبناء المنطقة. وتعتبر الفرقة أن استخدام الآلات الحديثة والمزج مع البلوز والروك هو حوار حضاري طبيعي، إذ يستعير الفنان الأدوات العالمية الحديثة ليروي قصته المحلية الخاصة دون أن يفقد روحه أو أصالة انتمائه للأرض. واليوم تشق الفرقة طريقها بثبات نحو المسارح الأوروبية والمهرجانات الدولية، حاملة معها القصة الأمازيغية وهوية أصيلة أصالة شمال إفريقيا ذاتها.

تثبت هذه التجارب الموسيقية المتنوعة أن اللغة الأمازيغية لم تعد مجرد تراث محفوظ في الأرشيف أو لغة مهددة بالانزواء، بل استعادت مع الفن المستقل عافيتها كلسان حي ومستقبلي. لقد نجحت هذه الفرق في منح الأغنية الأمازيغية شرعية عالمية، مؤكدة أن الانطلاق من عمق الهامش والمحلي والالتزام بالصدق الفني هما المسلك الأوحد للوصول إلى العالمية والتأثير في الوجدان الإنساني المشترك.

إن التحول من القرية إلى العالمية كان نتيجة توافق نادِر بين الصدق التراثي والانفتاح الجريء على الآلات الغربية، وهو ما جعل لغة “تمازيغت” تسافر عبر الأثير كرمز كوني للحرية والارتباط بالأرض.