بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تقرير إخباري

السويداء بين الرواية المحلية والتوصيف الدولي.. تضارب السرديات يُفاقم غياب الدولة في سوريا

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

لم تعد أحداث صيف 2025 في محافظة السويداء مجرد اشتباك عابر في سياق أمني هش، بل تحوّلت إلى واحدة من أكثر الوقائع تعقيداً في الجنوب السوري، سواء من حيث تعدد الأطراف المشاركة أو من حيث التباين الحاد في توصيف ما جرى.

مع صدور تقارير التحقيق المحلية والدولية في مارس/أذار الماضي، باتت هذه الوثائق نقطة الانطلاق الأساسية لفهم طبيعة الاقتتال، الذي دار بشكل رئيس بين مجموعات مسلحة من أبناء الطائفة الدرزية وعشائر بدوية، قبل أن تتداخل فيه قوات حكومية وميليشيات موالية، ما أدى إلى تصعيد واسع النطاق.

اختلاف في التوصيف وتقاطعات في الوقائع

أعلنت اللجنة الوطنية السورية للتحقيق نتائجها في 17 مارس، موثّقة مقتل 1760 شخصاً وإصابة أكثر من 2000، مع الإشارة إلى أن الاقتتال دار أساساً بين مجموعات محلية درزية وأخرى من أبناء العشائر البدوية. وأقرّ التقرير بوقوع انتهاكات من قبل عناصر تابعة لجهات رسمية، لكنه اعتبرها في إطار “تجاوزات فردية”، مشيراً إلى توقيف عدد محدود من المتورطين.

في المقابل، جاء تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا في 27 من الشهر نفسه أكثر توسعاً في توصيف الأطراف ومسؤولياتها. فقد أكد التقرير أن العنف بدأ بمواجهات بين مسلحين دروز وعشائر بدوية، لكنه سرعان ما تطور مع تدخل قوات حكومية وميليشيات موالية، ما أدى إلى تغيير طبيعة النزاع من صدام محلي إلى عمليات عسكرية ذات طابع أوسع. واعتبر التقرير أن بعض هذه الانتهاكات قد ترقى إلى جرائم حرب، مع احتمال تصنيفها كجرائم ضد الإنسانية في حالات محددة، استناداً إلى نمط التكرار والتنظيم.

من نزاع محلي إلى ساحة متعددة الفاعلين

تُظهر المعطيات الواردة في التقارير أن الاقتتال مرّ بثلاثة مستويات رئيسة من حيث الأطراف المشاركة:

  • المستوى الأول: مجموعات مسلحة محلية من أبناء الطائفة الدرزية في السويداء، في مواجهة مسلحين من عشائر بدوية في محيط المحافظة. وقد شكّل هذا المستوى الشرارة الأولى للأحداث، على خلفية عمليات خطف متبادل وتوترات اجتماعية متراكمة.
  • المستوى الثاني: دخول مجموعات مسلحة إضافية من الطرفين، بما في ذلك فصائل محلية غير نظامية، ما أدى إلى توسع رقعة الاشتباكات وارتفاع وتيرة العنف. 
  • المستوى الثالث: تدخل قوات حكومية سورية، إلى جانب ميليشيات موالية لها، حيث تشير تقارير دولية إلى أن هذا التدخل لم يكن محايداً بالكامل، بل أسهم في تصعيد العمليات، خصوصاً في بعض المناطق ذات الكثافة السكانية الدرزية.

هذا التدرج في الأطراف المشاركة يفسّر جزئياً كيف تحوّل النزاع خلال أيام قليلة من خلاف محلي إلى أزمة واسعة النطاق، ذات أبعاد أمنية وإنسانية معقدة.

خلفية الانفجار: بيئة مشحونة قبل يوليو

على الرغم من أن الشرارة المباشرة اندلعت في 12 يوليو/تموز 2025 في حي المقوس، إلا أن التقارير تشير إلى أن التوتر كان يتصاعد منذ أشهر. فقد سبقت الأحداث موجة من الخطاب التحريضي والتوترات الاجتماعية، التي أسهمت في خلق بيئة قابلة للاشتعال.

ومع بدء الاشتباكات، لم تنجح محاولات الاحتواء السريعة في منع التصعيد، بل على العكس، أدى غياب آليات فعالة لفض النزاع إلى تسارع وتيرة العنف، خصوصاً مع انتشار السلاح بين مختلف الأطراف.

حصيلة ثقيلة: أرقام تعكس عمق الأزمة

توثّق التقارير حصيلة بشرية مرتفعة، حيث بلغ عدد القتلى 1760 شخصاً، إضافة إلى أكثر من 2000 مصاب. وتشير البيانات إلى أن النسبة الأكبر من الضحايا كانت من أبناء الطائفة الدرزية، في حين سقط عدد أقل من القتلى في صفوف العشائر البدوية.

كما سُجّل نزوح نحو 200 ألف شخص، معظمهم من المناطق التي شهدت أعنف الاشتباكات. ويعكس هذا الرقم حجم التأثير الإنساني للأحداث، ويضعها ضمن أكبر موجات النزوح الداخلي في الجنوب السوري خلال السنوات الأخيرة.

تختلف التقارير في توصيف طبيعة الانتهاكات، فبينما يشير التقرير الوطني إلى أنها كانت في معظمها أفعالاً فردية، يذهب التقرير الدولي إلى توثيق نمط أكثر تنظيماً، يشمل إعدامات ميدانية، وعمليات تعذيب، واعتقالات تعسفية، إضافة إلى تدمير ممنهج لمنازل وممتلكات. فضلاًَ عن استهداف مرافق مدنية، بما في ذلك قرى ومراكز خدمية، وهو ما يعزز فرضية وجود أنماط عنف تتجاوز السلوك العشوائي.

فجوة المساءلة: بين الإمكانات المحلية والضغوط الدولية

يعكس التباين في التوصيف فجوة أوسع في مسار المساءلة. ففي حين يعتمد المسار الوطني على مؤسسات داخلية محدودة الإمكانات، يفتح التوصيف الدولي الباب أمام احتمالات مساءلة أوسع، ولو على مستوى الضغط السياسي أو القانوني.

وتحذّر منظمات حقوقية من أن الاكتفاء بإجراءات محدودة قد يؤدي إلى ترسيخ حالة من الإفلات من العقاب، ما ينعكس سلباً على فرص تحقيق استقرار طويل الأمد.

على الرغم من إعلان وقف إطلاق النار في يوليو/تموز 2025، فإن الواقع الميداني يشير إلى استمرار خروقات متكررة، حيث سُجّلت اشتباكات في فبراير/شباط الماضي، بعضها استخدم فيه سلاح ثقيل. ويُعزى ذلك إلى استمرار انتشار السلاح وغياب سلطة مركزية قادرة على فرض الأمن. كما أن تعدد الفصائل المحلية، واختلاف ولاءاتها، يزيد من تعقيد أي محاولة لضبط الوضع بشكل كامل.

خطط الحل: تعهدات تصطدم بالواقع

أعلنت الحكومة السورية عن خطة لمعالجة الأزمة، تضمنت بنوداً تتعلق بالمصالحة وتعويض المتضررين وإعادة الإعمار. إلا أن تنفيذ هذه الخطة يواجه تحديات، من بينها ضعف الموارد، واستمرار التوترات، وصعوبة إعادة بناء الثقة بين المكونات المحلية.

تكشف أحداث السويداء عن نموذج معقّد من النزاعات، حيث يبدأ العنف بصيغة محلية بين مكونات اجتماعية، قبل أن يتوسع مع تدخل أطراف أخرى، ليأخذ أبعاداً تتجاوز حدوده الأولى. وبينما وفّرت التقارير إطاراً لتوثيق ما جرى، فإن التحدي الحقيقي يبقى في ترجمة هذه المعطيات إلى مسار فعلي للمساءلة وإعادة الاستقرار.

وفي ظل تعدد الأطراف التي شاركت في الاقتتال، من مجموعات درزية محلية وعشائر بدوية، إلى قوات حكومية وميليشيات موالية، تبدو الحاجة ملحّة لمقاربة شاملة تعالج جذور النزاع، لا نتائجه فقط، وتؤسس لمرحلة أكثر استقراراً في محافظة لا تزال تعيش على وقع تداعيات صيف لم ينتهِ بعد.