بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

مقالات مشابهة

الأمن والنزاعات المسلحة (2-2)

الجفاف تحت سلطة السلاح: كيف تستثمر “حركة الشباب” انهيار الرعي والنزوح في الصومال؟

بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

لا يأتي الجفاف إلى أرض مستقرة في الصومال، إنه يضرب مجتمعاً يعيش منذ عقود على تماس دائم مع الحرب، والهشاشة المؤسسية، والنزوح، والحوكمة المتنازع عليها. لذلك، حين ينقطع المطر وتنفق الماشية وتتراجع المحاصيل، لا تبقى الأزمة في حدود الغذاء والماء، بل تتحول سريعاً إلى مسألة سلطة: من يسيطر على الطريق؟ من يفرض الضريبة؟ من يسمح بوصول المساعدات؟ من يوفر الحماية؟ ومن يستغل حاجة الأسر لتجنيد أبنائها؟

هنا تظهر حركة الشباب لا بوصفها تنظيماً مسلحاً فقط، بل كفاعل قادر على تحويل الكارثة المناخية إلى فرصة سياسية وعسكرية. الجفاف لا يفسر وحده صعود الحركة ولا استمرارها، لكنه يمنحها بيئة أكثر هشاشة للعمل: أسرٌ فقدت ماشيتها، رعاة خسروا أصلهم المنتج، مزارعون لم يحصدوا شيئاً، نازحون بلا حماية كافية، وشباب يبحثون عن دخل أو معنى أو نجاة. في هذه اللحظة، يصبح التجنيد أحياناً عرضاً اقتصادياً، وأحياناً تهديداً، وأحياناً نتيجة مباشرة لانهيار البدائل.

فقدان الأصول والدخل

تعتمد مناطق واسعة في الصومال على الرعي والزراعة المطرية. وهذا يجعل الجفاف أكثر تدميراً من كونه أزمة عابرة. في الاقتصاد الرعوي، الماشية ليست مجرد مصدر دخل، بل هي رأس مال الأسرة، وضمانتها الاجتماعية، ومكانتها، ووسيلتها للحركة والتبادل والزواج والتحالف. فعندما ينفَق القطيع، لا تخسر الأسرة موسماً واحداً، بل تفقد قاعدة بقائها.

هذا ما يميز أثر الجفاف في الصومال. فالشخص الذي فقد قطيعه لا يصبح أفقر فحسب؛ إنما أقل قدرة أيضاً على التفاوض وعلى الصمود، وأكثر اعتماداً على المساعدات أو الوسطاء المحليين أو على الجماعات التي تتحكم في الوصول إلى الموارد. ومن هنا تتسع قابلية التجنيد. فالأسرة التي كانت تستطيع حماية أبنائها من القسر أو الإغراء تصبح أكثر ضعفاً عندما تفقد الطعام والدخل والحماية المجتمعية.

في حالات كثيرة، لا يكون العرض المقدم للشاب كبيراً. قد يكون طعاماً، أو مبلغاً محدوداً، أو وعداً بإعالة الأسرة، أو حماية من خصم محلي، أو موقعاً داخل جماعة تبدو أكثر تنظيماً من الدولة الغائبة. لكن قيمة العرض لا تقاس بحجمه المطلق، بل بحجم اليأس المحيط به. عندما تكون البدائل معدومة، يصبح القليل كثيراً.

“حركة الشباب” كسلطة موازية

لفهم علاقة الجفاف بالتجنيد في الصومال، لا يكفي النظر إلى “حركة الشباب” كتنظيم يقاتل الدولة. في مناطق كثيرة، تعمل الحركة أيضاً كسلطة موازية: تجمع الضرائب، تحكم في نزاعات محلية، تنظم الوصول إلى بعض الطرق، وتفرض قواعدها على السكان. هذه الوظيفة تجعلها قادرة على استثمار الجفاف بطريقة لا تستطيعها جماعة مسلحة عابرة.

حين تضرب موجة جفاف، يتزايد اعتماد السكان على من يستطيع تنظيم الموارد أو التحكم بها. فإذا كانت الحركة حاضرة في منطقة ما، يمكنها أن توظف هذه الحاجة في بناء الولاء أو فرض الخضوع. قد تستخدم الضرائب، أو تمنع التعاون مع الحكومة، أو تعيد توجيه المساعدات، أو تقدم نفسها كجهة قادرة على الإنصاف والحماية حيث تفشل السلطات الرسمية.

بهذا المعنى، الجفاف لا يضعف “حركة الشباب” بالضرورة. في بعض الحالات، قد يقويها لأنه يزيد اعتماد السكان على من يملك سلطة فعلية على الأرض. وكلما تراجعت قدرة الدولة والمنظمات الإنسانية على الوصول، زادت قدرة الحركة على التحكم في شروط البقاء.

فقدان القطيع والحماية

النزوح هو الحلقة الأكثر خطورة في مسار الجفاف والتجنيد. فالأسرة التي تغادر أرضها أو مراعيها تفقد، إضافة إلى الممتلكات، شبكة الحماية التي كانت مصدر قدرتها على الصمود. في المخيمات والهوامش الحضرية، تتكدس العائلات في بيئات ضعيفة الخدمات، محدودة الأمن، ومعتمدة على المساعدات. هناك، يصبح الأطفال واليافعين أكثر عرضة للاستغلال.

لا يحدث التجنيد دائماً بصيغة واحدة. قد يكون قسرياً عبر التهديد والخطف. وقد يكون شبه قسري عندما لا تملك الأسرة خياراً عملياً سوى القبول. وقد يكون اقتصادياً عندما يرى الشاب أن الانضمام يوفر دخلاً أو طعاماً أو حماية. وقد يكون اجتماعياً عبر قريب أو وسيط أو شيخ أو شبكة محلية لها صلة بالحركة. في كل هذه الحالات، يعمل الجفاف كخلفية ضاغطة تجعل الرفض أصعب.

كما أن النزوح يخلق فجوة معلوماتية وأمنية. النازحون الجدد لا يعرفون دائماً خرائط النفوذ المحلية، ولا يملكون شبكة علاقات تحميهم. وقد يجدون أنفسهم بين سلطة رسمية ضعيفة، ومنظمات عاجزة عن الوصول المستمر، وجماعات مسلحة قادرة على فرض شروطها. هذه الهشاشة هي البيئة المثالية للتجنيد والاستقطاب والابتزاز.

رغم قوة الرابط بين الجفاف والتجنيد في الصومال، يبقى من الخطأ اختزال الانضمام إلى حركة الشباب في الجوع وحده. دوافع التجنيد متعددة: القسر، الانتقام، الانتهاكات، غياب العدالة، النزاعات القبلية، البحث عن الحماية، الإغراء المالي، الروابط العائلية، التأثر الديني، والغضب من فساد السلطات أو سوء توزيع المساعدات. الجفاف لا يلغي هذه العوامل، بل يجعلها أكثر قابلية للاشتعال.

فالشاب الذي تعرضت أسرته لانتهاك قد يجد في الحركة طريقاً للانتقام. والشاب الذي لا يرى قضاءً فعالاً قد يجد في محاكم الحركة نوعاً من العدالة السريعة، حتى إن كانت قسرية. والطفل الذي فقد مدرسته ومصدر غذائه قد يصبح هدفاً سهلاً للتجنيد. أما الأسرة التي تخشى الجوع، فقد تقبل بانضمام أحد أبنائها إذا بدا ذلك وسيلة لبقاء الآخرين.

هنا تكمن أهمية القراءة المركبة. الجفاف ليس المحرك الوحيد، لكنه يغير معادلة الاختيار. إنه ينقل الناس من موقع القدرة النسبية على الرفض إلى موقع الحاجة الملحة. وحين تتوفر جماعة مسلحة منظمة وقادرة على استغلال هذه الحاجة، يتحول المناخ من أزمة إنسانية إلى عامل في إعادة إنتاج الحرب.

المساعدات ساحة صراع

في الصومال، لا تُدار الأزمة الإنسانية دائماً في فراغ محايد، المساعدات نفسها قد تصبح جزءاً من الصراع. فعندما تتحكم جماعة مسلحة في منطقة أو طريق أو مجتمع محلي، يمكنها التأثير في من يصل إلى الغذاء ومن يُحرم منه، أو فرض رسوم، أو معاقبة من يتعاون مع خصومها. في المقابل، قد يؤدي ضعف التنسيق أو الفساد أو التسييس في مناطق سيطرة الحكومة إلى تعزيز سرديات الحركة عن الظلم والتمييز.

هذا الجانب مهم لأن التجنيد لا يحدث فقط عبر السلاح أو المال، بل أيضاً عبر السردية. إذا شعر السكان بأن المساعدات لا تصل إلا عبر وسطاء فاسدين، أو أن الدولة لا تظهر إلا في لحظة عسكرية، تستطيع الحركة أن تقدم نفسها كبديل أكثر حضوراً أو أكثر قدرة على فرض النظام. حتى لو كان هذا الادعاء يخفي عنفاً شديداً، فإنه يجد أرضاً خصبة في لحظة الجوع والنزوح.

لذلك، يصبح الوصول الإنساني الآمن والعادل جزءاً من مكافحة التجنيد. فكل فجوة في توزيع الغذاء أو الماء أو الحماية يمكن أن تتحول إلى أداة دعائية أو عملية بيد الجماعات المسلحة.

الأطفال والشباب الأكثر انكشافاً

الأطفال واليافعون هم الحلقة الأضعف في هذه السلسلة. عندما تفقد الأسرة دخلها، يترك الأطفال المدرسة، وينتقلون إلى العمل الهش، أو يصبحون أكثر عرضة للانفصال عن ذويهم أثناء النزوح. في هذه اللحظة، لا يحتاج المجند إلى خطاب معقد. يكفي وعد بالطعام، أو تهديد للأسرة، أو استدعاء عبر شبكة قرابة، أو استغلال لشعور الطفل بأنه أصبح عبئاً.

الشباب الأكبر سناً يواجهون معضلة مختلفة، وهي الحاجة إلى الإعالة والمكانة. في المجتمع الرعوي أو الزراعي، القدرة على توفير الدخل ترتبط بالرجولة والاعتراف الاجتماعي. عندما ينهار هذا الدور بسبب الجفاف، يمكن للجماعة المسلحة أن تقدم بديلاً: سلاح، راتب، رتبة، شعور بالقوة، وانتماء إلى مؤسسة تبدو أكثر وضوحاً من حياة النزوح.

بيئة تنتج الهشاشة

مواجهة التجنيد في سياق الجفاف لا يمكن أن تعتمد على العمليات العسكرية وحدها. فالمشكلة لا تتعلق بوجود مقاتلين فقط، بل ببيئة تنتج الهشاشة التي تستغلها الحركة. لذلك، تبدأ المعالجة من حماية سبل العيش: دعم الرعاة والمزارعين قبل فقدان القطيع والمحصول، توفير المياه، توسيع برامج النقد والعمل، حماية المخيمات، منع تجنيد الأطفال، وضمان وصول المساعدات بطريقة لا تخضع لابتزاز الفاعلين المسلحين.

كما تحتاج الدولة وشركاؤها إلى منافسة حركة الشباب في المجال الذي تستغله بقوة، وهو “الحوكمة اليومية”. أي توفير قضاء محلي موثوق، خدمات أساسية، حماية من الانتهاكات، ووساطة نزيهة في النزاعات. فكلما بقيت الحركة هي الجهة الوحيدة القادرة على فرض قرار أو حل نزاع أو ضمان طريق، ستظل قادرة على تحويل الجفاف إلى نفوذ.

في الصومال، لا يكون الجفاف مجرد نقص في المطر. إنه اختبار لمن يملك السلطة حين تنهار سبل العيش. فإذا غابت الدولة أو عجزت عن حماية السكان، تقدمت حركة الشباب لتملأ الفراغ. لذلك، لا يصح القول إن المناخ يصنع العنف وحده، لكنه يغير شروط الحرب ويمنح الجماعات المسلحة فرصاً جديدة للتمدد.