مع تصاعد العمليات العسكرية في الشرق الأوسط، ودخول الحرب في أوكرانيا عامها الخامس، تتكشف تداعيات اقتصادية عميقة تتجاوز ساحات القتال إلى أسواق السلع العالمية. وهنا، يبرز معدن “تنغستن” كأحد أبرز الضحايا غير المباشرين لهذه الصراعات.
تحتوي آلاف الذخائر والصواريخ التي استخدمتها الولايات المتحدة وإسرائيل في حملتهما الجوية ضد إيران على “التنغستن” tungsten، وهو معدن فائق الصلابة والكثافة يتيح للصواريخ اختراق الدروع والتحصينات الخرسانية العميقة. لكن المشكلة الجوهرية تكمن في أن هذا المعدن يُستهلك بالكامل عند الانفجار، ما يجعله مورداً غير قابل لإعادة التدوير، بخلاف استخداماته الصناعية الأخرى، كأدوات الحفر المصنوعة من مُركب “كربيد التنغستن”، ما يضع ضغوطاً غير مسبوقة على سلاسل الإمداد العالمية.
سوق يدخل مرحلة “الاختلال الحاد”
تعكس حركة الأسعار حجم الأزمة المتصاعدة. فقد قفزت أسعار “باراتنغستات الأمونيوم” (APT)، وهو المنتج الوسيط الرئيسي لإنتاج “التنغستن”، في سوق روتردام من أقل من 400 دولار للطن المتري قبل عام واحد إلى أكثر من 2200 دولار حالياً.
ليضع هذا الارتفاع الحاد المعدن ضمن قائمة أفضل السلع أداءً في الفترة الأخيرة، متفوقاً حتى على النحاس والذهب والنفط، التي عادة ما تتصدر موجات الصعود في أوقات التوترات الجيوسياسية.
وتشير بيانات المسح الجيولوجي الأمريكي إلى أن أسعار منتجات “التنغستن” بلغت أعلى مستوياتها منذ أكثر من ثمانية عقود، ما يعكس انتقال السوق من حالة شح تدريجي إلى أزمة حقيقية في العرض.
سلاح جيوسياسي جديد
تتفاقم الأزمة بفعل التركّز الشديد للإنتاج العالمي للـ”تنغستن”، الذي تسيطر الصين على نحو 80% منه، ما يمنحها نفوذاً استثنائياً في توجيه السوق. ففي فبراير 2025، شددت بكين قيودها على صادرات المعادن الاستراتيجية، بما في ذلك “التنغستن”، رداً على الرسوم الجمركية الأمريكية، لتنخفض الصادرات بنحو 40%، وفق تقديرات السوق.
لا تقتصر الضغوط على القيود التجارية فقط، بل تشمل أيضاً عوامل داخلية، إذ تراجع الإنتاج الصيني نفسه بنحو 10% خلال عام 2025، نتيجة خفض حصص التعدين وتشديد الرقابة البيئية على المناجم الصغيرة. في الوقت ذاته، يتزايد الطلب المحلي، ما يقلّص الكميات المتاحة للتصدير، حتى في غياب القيود الرسمية من بكين، ويعزز من اختلال التوازن بين العرض والطلب عالمياً.
محاولات غربية لفك الارتباط
في مواجهة هذا الواقع، تسعى الدول الغربية إلى بناء سلاسل إمداد بديلة خارج الصين، إلا أن هذه الجهود لا تزال في مراحلها الأولى. وتشير التقديرات إلى أن الإنتاج خارج الصين ارتفع بنسبة 20% ليصل إلى نحو 19 ألف طن في العام الماضي، مدفوعاً بشكل رئيسي ببدء تشغيل منجم “بوغوتي” في كازاخستان، التي تبرز كحلقة محتملة في سلسلة إمداد بديلة.
كما وقّعت شركة “كوف كابيتال” الأمريكية اتفاقاً لتطوير مشروع ضخم آخر في كازاخستان بدعم يصل إلى 900 مليون دولار من بنك التصدير والاستيراد الأمريكي، في خطوة تعكس الأهمية الاستراتيجية المتزايدة لهذا المعدن.
وأيضاً، بدأ البنتاغون تحركات لتعزيز الإمدادات من خلال طلب كميات إضافية من 13 معدناً حرجاً، من بينها التنغستن، إضافة إلى تمويل مشاريع تعدين محلية وتوسيع قدرات إعادة التدوير.
لكن التحدي الرئيسي يتمثل في عامل الزمن، إذ إن معظم هذه المشاريع لن تدخل مرحلة الإنتاج التجاري قبل سنوات، ما يعني أن الفجوة الحالية في السوق ستظل قائمة على المدى المتوسط.
صراع القطاعين العسكري والمدني
تفتح أزمة “التنغستن” الباب أمام منافسة حادة بين الاستخدامات العسكرية والمدنية على الموارد المحدودة. ففي الوقت الذي شكّل فيه قطاع الدفاع نحو 10% من الطلب العالمي العام الماضي، من المتوقع أن ترتفع هذه النسبة بشكل كبير مع سعي الدول الغربية إلى إعادة بناء مخزوناتها العسكرية بعد استنزافها في أوكرانيا والشرق الأوسط.
ويمتلك المشترون العسكريون ميزة حاسمة تتمثل في قدرتهم على دفع أسعار أعلى، ما يمنحهم أولوية في الحصول على الإمدادات، على حساب الصناعات المدنية. وهذا يضع قطاعات حيوية تحت ضغط متزايد، أبرزها، صناعة أشباه الموصلات، إنتاج الدوائر الإلكترونية المطبوعة، الطاقة الشمسية، بالإضافة إلى الصناعات الثقيلة وأدوات الحفر والتعدين.
ويُعد قطاع الإلكترونيات أحد أسرع مجالات الطلب نمواً على “التنغستن”، ما يزيد من حدة التنافس ويهدد بارتفاع تكاليف الإنتاج في الصناعات التكنولوجية. في غضون ذلك، تمتد آثار هذه الأزمة إلى الاقتصاد العالمي عبر عدة قنوات، من بينها:
- ضغوط تضخمية: يتناسب ارتفاع أسعار المعادن الاستراتيجية طرداً مع تكاليف الإنتاج، خصوصاً في الصناعات التكنولوجية والطاقة. وهي زيادة ستُمرر بالتأكيد إلى المستهلكين لتستنزف جيوبهم.
- إعادة توجيه الاستثمارات: تشهد قطاعات التعدين والمعادن تدفقات استثمارية متزايدة، في ظل توقعات باستمرار ارتفاع الأسعار.
- إعادة هيكلة سلاسل التوريد: تسعى الشركات إلى تنويع مصادرها وتقليل الاعتماد على الصين، ما قد يؤدي إلى إعادة رسم خريطة التجارة العالمية.
- تصاعد النزعة الجيواقتصادية: تتحول الموارد الطبيعية إلى أدوات نفوذ سياسي، مع تزايد استخدام القيود التجارية في الصراعات بين القوى الكبرى.
عنق زجاجة المعادن الحرجة
لا تمثل أزمة “التنغستن” حالة معزولة، بل تعكس اختناقاً أوسع في سوق المعادن الحرجة المستخدمة في الصناعات الدفاعية. فالصواريخ الحديثة، مثل “توماهوك” على سبيل المثال، ورغم سرية المعلومات، يدخل في تصنيعها نحو 18 معدناً استراتيجياً في أنظمة التوجيه والرؤوس الحربية والإلكترونيات، ما يجعل أي خلل في إمدادات هذه المعادن عاملاً معطلاً للإنتاج العسكري.
بمعنى آخر، كل تصعيد عسكري هو، في جوهره، استنزاف مكثف للموارد الطبيعية. وتتفاقم هذه الأزمة بسبب حقيقة أن معظم هذه المعادن يتم إنتاجها أو معالجتها في الصين، ما يكرّس اعتماد الغرب على منافسه الجيوسياسي في سلاسل إمداد حيوية.
سباق مع الزمن لإعادة بناء أمن المعادن
تكشف أزمة “التنغستن” عن تحول هيكلي في الاقتصاد العالمي، حيث لم تعد الحروب تُقاس فقط بعدد الصواريخ، بل أيضاً بقدرة الدول على تأمين المواد الخام اللازمة لإنتاجها.
وفي ظل استمرار النزاعات وتزايد التوترات التجارية، يواجه الغرب تحدياً مزدوجاً: إعادة بناء مخزوناته العسكرية، وفي الوقت ذاته تقليص اعتماده على الصين في المعادن الاستراتيجية.
غير أن هذا التحول يتطلب استثمارات ضخمة ووقتاً طويلاً، وهما عاملان قد لا يتوفران بالقدر الكافي في ظل تسارع وتيرة الأزمات. وبينما تستمر الصواريخ في الانطلاق، يتضح أن المعركة الحقيقية قد تكون في باطن الأرض، حيث تتحدد ملامح القوة الاقتصادية والعسكرية في القرن الحادي والعشرين.















