يأبَى العزيز المفكّر الفيلسوف د. عبد الله الفرياضي إلّا أن يُلهمني، باستفهاماته الحكيمة، عن خفايا لغة المهد، ليبرهن كم السؤال مرجع تنوير، ما دامت القيمة في الجواب، رهينة الحكمة في السؤال، والبرهان نستطيع أن نستطلعه في ملاحظته القيّمة بشأن غياب وَسم السّين، كحرف مرجعيّ، في لغة التكوين، للتدليل على الألوهة في جلّ اللغات.
الواقع أن سخاء هذا الحرف لم يغب عن واقع لغة الأمازيغ، كحجر حكمة في منظومة اللغة التي كان لها الفضل في نحت المفاهيم، من صلد الحقل الحسّي، لتستعير المدلول الحدسيّ، أو التجريد الروحي، كل ما هنالك أن كلمة «شمس» العربية والعبرية والسومرية، بُنية تركيبيّة، ملفّقة من «سين» الإمتلاء، مضافاً إليها مصطلح «مسّي»، المبشّرة بذخيرة نبويّة هي «مولاي»، بشقّيها الربوبي والنبوي، لأن «مسّي»، في الأمازيغيّة، تعني المولى كربّ أرباب، كما تعني «مولاي» بالمدلول الدنيوي، لتطلقه على نبيٍّ جليل هو «موسى»، ليحظى بشرف «كليم الله»، بسبب الجرأة الاستثنائية في الموقف من الألوهة، مما سيعني أن وجود السين هنا هو، في الأساس، للتعبير عن وجود فسحة لاحتضان روح هذا المثال، بوصفه «ما لا يعبَّر عنه»، لأنه الحقيقة الوحيدة التي نستطيع أن نحدسها، ولكن هيهات أن نعبّرها، لأن حضورها نستطيع أن نلمسه في كل شيء، ولكنه، كهويّة، خارج كل شيء، ممّا سيعني أنه هويّة اللاهوية.
والأمازيغيّة، بصفتها لسان المهد، الذي يتلمّس الواقع، ليقتنص فيه ما يمكن أن نسمّيه روح الألوهة، لا يملك إلّا أن يحتال على المفارقة، فيتشبّث بتلابيب تجلّي الربوبيّة، منزّهاً اللغة عن التجديف في حقّ (الربوبية) عند تسمية الربوبية، الواقعة خارج الأسماء، وخارج اللغات الحاملة لهذه الأسماء، لتضع حجر الأساس، لمفهوم الربوبية كاغتراب في الحرف، بالبرهنة على حضوره في الروح، في التجلّي، لأن كل ما تجود به الطبيعة، هو غنيمة مسكونة بالربوبية، لأن واقعنا كله تجلّيات هذه الربوبية، التي إذا كانت قد أعجزت اللغة، ولكنها لم يكن لها أن تُعجز معجزة إسمها: الحدس! فأن يكون كوكب هو قطب كواكب، مثل «الشمس»، مسكوناً بنور الألوهة، لن يعني أنه هو الألوهة، كما تسوّقه بقيّة اللغات، الحاملة للمفهوم، كصنيع من إبداع لسان المهد، المترجَم في حرف الأمازيغية، أو الليبية القديمة. فإسم «رغ» (بالغَين)، الذي يقترحه علماء المصريات الأوروبية في «رع» (بالعَين)، جهلاً منهم بحقيقة اللسان المصري القديم، كقرين ساطع وحميم، في اللغة الليبية القديمة، التي مازالت تجري على لسان أمازيغ الصحراء الكبرى المجهول، يعني حرفيّاً «يشتعل»، كما يعني اللون الأصفر، ليستعير بذلك إسم: الذهب أيضاً، ولذا هو حفنة حسّ، ولا يحقق هوية الربوبية كمفهوم إلّا عندما نستنطقه في صيغة «شمس» العربية العبرية السومرية، ليغدو «مسكوناً بالمولى» في الترجمة من لغة المهد. وعلّ الدليل الأقوى حجّةً هو إسم: «آهل»، أو «آشل»، أو «آزل»، كإبدال شائع جداً بين الهاء والشين والزاي، في لغة المهد، ليجود بترجمة التركيب في عبارة تقول: «فيه الألوهة»، أو «معقل الألوهة»، أو «بيت الألوهة»، كنايةً على تبديد الظلمة، في واقع الطبيعة، بنور كوكب النور؛ لأن الـ«إل» هو المصدر الحاضر روحاً، الغائب حرفاً، في صفقة الوجود على اليابسة، بصفته المعنوية، المجسّدة في معنى «المالك»بمنطوق: إيلا، الجارية في عضلة إنسان التكوين، المهووس بتشريح حقول الحسّ، لاستخراج طينة، تصلح سبيلاً لتشييد كيان المفهوم، ولسان المهد وحده يراهن على جوهر المستضمر، لا على قشر المستظهر، في الظاهرة الطبيعية، ولهذا السبب نستطيع أن نجاهر بحقيقة مدهشة، غابت عن الفكر الفلسفي الإنساني منذ الأزل، وهي أن الألوهة، في مفهوم العقل الأوّلي، الأولويّ، هي الذخيرة، التي تسكن كل شيء، ولا يحدّدها شيء، فلا يعبّرها المنطق، لأنها تسبح في البعد المفقود، سواء في هويّته كزمان، أو طينة لمكان، واستنزال الألوهة في واقع الحرف هو ما أدّى إلى عبادة هذا الحرف، مترجماً في الأصنام، التي تعاطتها ديانات العالم القديم، في حين ظلّت ديانة الإنسان الهجري وحدها روحية، لأن المعبود ليس له إلّا أن يكون حرية، أو لا يكون على الإطلاق، ليصنع الفيصل الحقّ، منذ البدء، بين ديانة التوحيد، وديانة العبادة الوثنية، وجديرٌ بنا أن نراجع تجربة إرثها النفيس كلّه، لفحص متونها التنويرية، انطلاقاً من هذا المنظور، في معالجة الجدل المشتعل بين الحرف الذي يُميت، والروح التي تُحيي، مادامت لغة المهد الهجرية، تستنكر الموقف الوثني من الأجرام الحسيّة، فتبشّر بطبيعتها المسكونة بالربوبية، ولكن هذه الأجرام ليست هي الربوبية، وإلّا كيف يمكن التعبير عن هويّة اللاهويّة، كما الحال مع الربوبية، لأن الربوبية هي الهويّة المنزّهة عن الهوية؟
فنحن لا نستطيع أن نحقّق هيمنة على الواقع بدون وجود المعنى. ووجود المعنى رهين وجود إيمان، الإيمان بوجود معبود: المعبود في صيغة مفهوم. والمفهوم، عندما يتعلّق الأمر بتعريف المعبود هو التحدّي الأعظم شأناً من خوض أية مغامرة برأسمال القيمة، لأن المبارزة هنا سوف تكون مع العدم، لأنه هو الحقيقة الوحيدة التي ترفض انتداب اللسان ترجماناً!
فلا وجود لمأزقٍ، يمكن أن يقارن بمأزق عجز الحسّ عن تحديد هوية، بلا هوية، بوسيط كينوني، كالعبارة!
ملاحظة:
في أبجدية لغة الكينونة (تيفيناغ)، أو ما يُعرف بالقلم الليبي الأسطوري، نجد حرف السين مجسّداً في تكوين ملفّق من دائرة، دائرة تتوسّطها نقطة: دائرة نجد ترجمة لمدلولها في الديانات الفيديّة، أو أوبانيشاد تحديداً، أو الريغفيدا، في ملحمة «ماندالا»، كناية عن تلك الهوية، اللاهوية، التي كل نقطة في سطح تشكيلها هي بداية، كما أنها، في ذات الوقت، هي نهاية، في إيماءة ماكرة للعَود الأبدي، الذي كان رأسمال الديانات الاستسرارية، كما في ديانات مصر القديمة، حيث يعبَّر عن المنيّة بمخطّط تشكيلي، يلعب فيه المستطيل دور البطولة، مسكوناً بخط في قلب الناووس، في إشارة لوجود رُفات، مما سيعني أن الرهان هنا، ليس على حضور الدائرة، كما في الأبجدية الليبية، أو في هيكل الشكل المستطيل في المفهوم الفرعوني، ولكن على النقطة في الحرف الليبي، وعلى المخطوط في قلب الناووس المصري، لأن هذه البصمة المستترة في واقع الجوف، هي الفحوى، هي الشحنة، هي رسالة الباطن، هي المستبطَن، هي الروح، التي تتحدّى، في مبارزة لتحقيق وجودٍ في العدم، فلا نستنكر أن تستعير في اغترابها، نَفَساً ربوبيّاً، هو، في مفهومنا، الخلود، تعبيراً عن هاجسٍ دينيّ، مترجَم في لغة طفولية، تعاند المفهوم في طور التكوين.







