لم تمت منى خليل لأنها كانت تحمل بندقية. لم تكن تقود مجموعة مسلحة، ولا تدير غرفة عمليات، ولا تختبئ خلف متراس. كانت امرأة في السادسة والسبعين من عمرها، تقضي ما تبقى من حياتها في مراقبة السلاحف البحرية على شاطئ المنصوري، جنوبي لبنان، وتحرس واحداً من آخر الفضاءات الطبيعية التي نجت من جشع البشر وحروبهم.
لكن إسرائيل قتلتها.
لم تمت فوراً تحت ركام القصف، بل بعد أسبوعين من المعاناة في المستشفى، إثر إصابتها بجروح بالغة جراء غارة استهدفت منزلها في الرابع من يونيو/حزيران الماضي. الصاروخ القاتل الذي سقط على منزلها وقّع شهادة وفاتها. لكنها كالعادة أصرّت على المقاومة حتى آخر رمق، وصمدت لأيام في وجه قرار القتل الذي أصدره الجناة بحقّها، كعادتها دوما في السباحة عكس التيار.
على مدى ربع قرن، تحولت منى خليل إلى رمز بيئي نادر في منطقة اعتادت ألا يخرج الأبطال سوى من رحم الحروب. أسست مشروع “أورانج هاوس”، وجعلت من شاطئ المنصوري، في صور، ملاذاً للسلاحف البحرية المهددة بالانقراض. كانت تعرف مواسم هجرتها وأماكن تعشيشها، كما يعرف الفلاح مواسم الزيتون. وحين كانت المدافع تدوي، في حروب لبنان المتتالية، كانت هي منشغلة بحماية بيوض السلاحف الصغيرة من أن تدوسها الأقدام أو تبتلعها الأمواج.
خلال كل تلك الحروب، رفضت مغادرة منزلها المطل على البحر. لم يكن ذلك عناداً رومانسياً، بل إيماناً عميقاً بأن الأرض لا تُحمى من بعيد، وأن الكائنات الضعيفة التي لا صوت لها تحتاج إلى من يبقى إلى جانبها عندما يفر الجميع.
لكن المفارقة المؤلمة أن المرأة التي كرست حياتها للدفاع عن الحياة، سقطت ضحية آلة قتل لا تميز بين مقاتل ومدني متقاعد، بين موقع عسكري ومحمية طبيعية، بين هدف حربي ومشروع بيئي وإنساني أعزل.
في كل مرة يُقتل فيها مدني أعزل، لبناني أو فلسطيني، يخرج من يطالب بالأدلة والتفاصيل والتبريرات. لكن السؤال يبطل هنا. فما الذي يمكن أن يبرر استهداف منزل امرأة سبعينية عُرفت عالمياً بنشاطها البيئي؟ وأي منطق عسكري يمكن أن يرى مكسباً حربياً أو جدوى استراتيجية في تحويل حارسة السلاحف إلى رقم جديد في سجل الضحايا؟
مقتل منى خليل لا يمثل خسارة لعائلتها أو لأبناء صور والجنوب اللبناني فحسب، بل خسارة لفكرة ونمط حياة: أن يكون هناك من يستطيع أن يكرس حياته لحماية الطبيعة في منطقة تحاصرها الحروب والمآسي. لقد كانت هذه المناضلة البيئية شاهداً على أن الجنوب اللبناني ليس جبهة قتال فحسب، بل هو أيضاً موطن بحر حيّ، وطيور مهاجرة، وسلاحف بحرية تعود، في كل موسم، إلى الشاطئ نفسه لأنها لا تعرف وطناً آخر غيره.
اليوم، تغيب منى، لكن سؤالا سيبقى موشوما فوق مياه المتوسط: كم مرة يجب أن تُقتل الحياة بأشكالها المختلفة قبل أن يدرك العالم أن الحرب لا تفتك بالبشر فقط، بل تلتهم أيضاً ذاكرة الإنسانية وأحلامها وقيمها الأخلاقية، وكل ما تجدر حمايته من آلية القتل والخراب؟
رحلت منى خليل، وبقيت السلاحف التي أحبتها تنتظر عودتها إلى الشاطئ كعادتها. غير أنها هذه المرة لن تأتي. لقد خطفتها صواريخ الحرب، وتركت البحر أكثر وحشة، ولبنان أكثر فجيعة والعالم أقل إنسانية.















