تغيّرت معطيات الجبهة الجنوبية في سوريا على امتداد سنوات الصراع، من جبهة حدودية تقليدية إلى إحدى أعقد الساحات الأمنية في المنطقة. فبينما تتجه الأنظار نحو مسارات التسوية السياسية ومستقبل البلاد، تُنتج التطورات الميدانية في الجنوب معادلات دقيقة تحكمها تفاهمات غير معلنة، تتداخل فيها الحسابات الروسية والسورية مع الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية، ومصالح الفاعلين الإقليميين والدوليين.
لم يعد الاستقرار في هذا المشهد رهيناً باتفاقيات رسمية بقدر ما بات محصلة لإدارة المخاطر وضبط قواعد الاشتباك؛ ما يجعل الجنوب السوري نموذجاً حياً لإدارة النزاع بدلاً من حسمه.
هندسة التموضع الروسي
لم يكن الوجود العسكري الروسي في جنوب سوريا، ولا سيما عبر نشر نقاط مراقبة تابعة للشرطة العسكرية على امتداد خط فض الاشتباك لعام 1974، مجرّد إجراء ميداني يهدف إلى احتواء التوترات، بل شكّل جزءاً من استراتيجية أوسع تسعى موسكو من خلالها إلى ترسيخ موقعها بوصفها الضامن الرئيسي للاستقرار على هذه المنطقة الحساسة.
وتقوم المقاربة الروسية على موازنة دقيقة بين تثبيت سلطة الدولة السورية والحفاظ على قنوات التنسيق التي تمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة واسعة مع إسرائيل. وفي هذا الإطار، برزت تفاهمات غير معلنة هدفت إلى الحدّ من المظاهر العسكرية الثقيلة في المناطق الحدودية، مع إبقاء السيطرة الميدانية ضمن تشكيلات منضبطة، بما يقلل احتمالات الاحتكاك المباشر.
بذلك، لم تكتفِ موسكو بإدارة المشهد الأمني، بل حولت الجنوب السوري إلى ورقة دبلوماسية تمنحها هامشاً إضافياً في علاقاتها مع القوى الغربية وإسرائيل، مستفيدة من قدرتها على الحفاظ على قدر من الاستقرار في واحدة من أكثر الجبهات حساسية في المنطقة.
مساحات المناورة وحدود القصف
في المقابل، اعتمدت إسرائيل خلال السنوات الماضية استراتيجية تقوم على ما يُعرف بـ”المعركة بين الحروب”، والتي تستهدف تقويض القدرات العسكرية لخصومها عبر ضربات دقيقة، من دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
إلا أن هذه المقاربة تطورت تدريجاً، فأصبحت الضربات أكثر انتقائية، وتركز على شحنات الأسلحة المتطورة، ومنشآت الاستطلاع، ومراكز القيادة والسيطرة، بما ينسجم مع هدف منع تشكل بنية عسكرية تعتبرها تل أبيب تهديداً مباشراً لأمنها.
في الوقت نفسه، حافظت العمليات العسكرية على سقف معين من التصعيد، بما يعكس وجود قواعد اشتباك غير معلنة تسعى مختلف الأطراف إلى عدم تجاوزها، حفاظاً على توازن الردع ومنع تحول الجنوب السوري إلى جبهة مفتوحة يصعب احتواء تداعياتها.
تجاوز خطوط فض الاشتباك
خلال الأشهر الأخيرة، لم تعد التحركات الإسرائيلية تقتصر على الغارات الجوية أو القصف المدفعي، بل اتجهت نحو توسيع نطاق التوغل البري داخل بعض المناطق الحدودية، في تطور يعكس تحولاً في المقاربة الأمنية الإسرائيلية.
وشهدت مناطق في ريفي درعا والقنيطرة، ولا سيما في حوض اليرموك، تحركات لآليات عسكرية إسرائيلية وإنشاء مواقع مراقبة وتحصينات جديدة داخل بعض القرى الحدودية، من بينها جَملة وعابدين، في إطار ما تصفه إسرائيل بإجراءات تهدف إلى منع استغلال الفراغ الأمني من قبل جماعات مسلحة أو خلايا متشددة.
غير أن هذه التحركات أثارت اعتراضات محلية، باعتبارها تمثل تجاوزاً لخطوط فض الاشتباك المقررة العام 1974، الأمر الذي يزيد احتمالات الاحتكاك المباشر مع السكان المحليين، ويحول هذه المناطق إلى بؤر توتر قابلة للتصعيد في أي لحظة.
دمشق والاستقرار المشروط
لا يمكن فصل الهدوء النسبي في الجنوب السوري عن التحولات السياسية والدبلوماسية التي تشهدها دمشق خلال المرحلة الحالية. فمع استمرار محاولات الانفتاح على المحيط العربي، وشقّ قنوات تواصل مع عدد من الأطراف الدولية، يبرز ملف ضبط الحدود الجنوبية باعتباره أحد المؤشرات المهمة على قدرة الدولة السورية على استعادة وظائفها السيادية.
ومن هذا المنطلق، يمثل تعزيز سلطة الدولة في الجنوب جزءاً من مسار أوسع يهدف إلى ترسيخ الاستقرار الداخلي وإظهار قدرة المؤسسات الرسمية على إدارة المناطق الحدودية والحد من نشاط التشكيلات المسلحة الخارجة عن السيطرة.
كما تدرك دمشق أن استقرار الجنوب لا ينعكس على الأمن الداخلي فحسب، بل يرتبط أيضاً بموقعها في أي ترتيبات سياسية أو اقتصادية مستقبلية، في ظل إدراك إقليمي ودولي بأن استمرار الفراغ الأمني قد يفتح المجال أمام عودة التنظيمات المتشددة أو تصاعد التوترات العابرة للحدود.
الاستقرار في المنطقة الرمادية
يبقى مستقبل الجنوب السوري مرتبطاً بجملة من المتغيرات الإقليمية والدولية التي تتجاوز حدود الساحة السورية نفسها. فعلى الرغم من استمرار التفاهمات غير المعلنة التي أسهمت في احتواء التصعيد خلال السنوات الماضية، فإن هذه التوازنات تبدو أكثر هشاشة في ظل استمرار التوغلات العسكرية، وتصاعد الضغوط على المجتمعات المحلية، واحتمالات تغير مواقف القوى الفاعلة.
كما تواجه هذه المعادلة تحديات إضافية تتمثل في إمكانية قيام مجموعات محلية أو خلايا مسلحة بمحاولات لخرق قواعد الاشتباك، بما قد يدفع مختلف الأطراف إلى إعادة حساباتها الأمنية.
لم يعد الجنوب السوري مجرّد خط تماس بين سوريا وإسرائيل، بل تحوّل إلى مساحة لإدارة توازنات إقليمية معقدة، تتداخل فيها اعتبارات الردع والأمن والسياسة. وبينما تستمر التفاهمات الصامتة في منع الانفجار الشامل، فإن استدامة هذا الهدوء لن تتحقق بالترتيبات العسكرية وحدها، بل تتطلب معالجة الأسباب البنيوية لعدم الاستقرار، عبر تعزيز سلطة الدولة، ودعم التعافي الاقتصادي والاجتماعي، والحدّ من الفراغات الأمنية التي تجعل المنطقة عرضة لتجدد الصراع في أي لحظة.















