تدخل “جماعة الإخوان المسلمين” في سوريا مرحلة ما بعد الأسد وهي تحمل مشكلة أقدم من سقوط النظام.. عقودٌ من الحظر والملاحقة دفعتها إلى المنفى، من دون أن تُنتج المراجعة الفكرية والتنظيمية التي كان يُنتظر أن تفضي إليها سنوات الغياب عن الداخل السوري.
تغيرت الدولة وتبدلت موازين القوى وصعدت قوى إسلامية مسلحة إلى قلب المشهد، بينما تمسكت الجماعة باستمرارها التنظيمي، وكأن سقوط النظام يمثل فرصة لاستعادة موقع تاريخي، لا لحظة تستوجب إعادة نظر شاملة لتجربة امتدت عقوداً.
تكشف مداولات مجلس الشورى التابع لـ”الجماعة” أنها لا تزال تقارب سؤال المستقبل من زاوية بقاء التنظيم أكثر مما تقاربه من زاوية إعادة تعريف علاقته بالدولة والمجتمع. وعقب ختام دورته العادية الخامسة، أكد المجلس أن الجماعة “ستبقى وطنية مستقلة القرار”، داعياً إلى نظام تعددي ودستور دائم وعدالة انتقالية.
لكن المشكلة لا تتعلق بما تقوله “الجماعة” عن نفسها، بل بما إذا كانت بنيتها الفكرية والتنظيمية تسمح فعلاً بهذا التحول.
أزمة الشرعية التاريخية
تستند “جماعة الإخوان المسلمين” إلى تاريخ طويل من مواجهة نظام الأسد، وتتعامل مع عقود الملاحقة والنفي باعتبارها رصيداً سياسياً وأخلاقياً. غير أن هذا الرصيد لا يتحول تلقائياً إلى تفويض سياسي في سوريا الجديدة.
التنظيم الذي تعرض للضرب والتفكيك في ثمانينيات القرن الماضي حافظ خلال سنوات المنفى على هياكله وذاكرته التنظيمية أكثر مما أعاد بناء صلته بمجتمع سوري تغير بصورة جذرية خلال الحرب، وبقيت قيادته مرتبطة إلى حد كبير بجيل تأسيسي تشكل في بيئة اجتماعية وسياسية مختلفة، بينما نشأت أجيال سورية كاملة خارج الإطار الذي عرّفت فيه الجماعة نفسها قبل أربعة عقود.
هذه ليست مشكلة عمرية بقدر ما هي مشكلة إنتاج سياسي. التاريخ لا يجيب عن سؤال الحاضر، والمظلومية لا تنتج برنامجاً للحكم. لذلك يواجه “الإخوان” سؤالاً أكثر صعوبة من مجرد إثبات حقهم في الوجود: ماذا يقدم التنظيم لسوريا اليوم، خارج سردية الملاحقة، وشرعية التاريخ، واستعادة مكانة فقدها بفعل عقود الغياب؟
التنظيم قبل الدولة
تزداد المسألة تعقيداً عندما توضع البنية التنظيمية للجماعة أمام خطابها السياسي الجديد، فهي تعرّف غايتها في نظامها الأساسي باعتبارها استئناف الحياة الإسلامية من خلال بناء “الفرد المسلم” و”البيت المسلم” و”المجتمع المسلم” و”الدولة المسلمة”.
وبذلك تقدم نفسها مشروعاً حركياً يبدأ من إعادة تشكيل الفرد والمجتمع وينتهي إلى الدولة، لا مجرد تيار سياسي يخضع لقانون الأحزاب، وهذه النقطة تحديداً تجعل الحديث عن التعددية السياسية بحاجة إلى أكثر من بيان سياسي.
الحق في التنظيم السياسي لا يعفي أي حركة من مساءلة مشروعها، كما أن إعلان الالتزام بالتعددية لا يحسم وحده طبيعة العلاقة بين الدعوي والسياسي. وحين تحتفظ الجماعة ببنية حركية تتجاوز البُعد السياسي التقليدي، يبقى السؤال قائماً: هل نحن أمام حزب يقبل التداول الكامل على السلطة ويخضع لها بالقواعد نفسها التي يخضع لها منافسوه، أم أمام حركة اجتماعية وفكرية تعتبر السياسة إحدى أدوات مشروع أوسع؟
المنطقة الرمادية ليست تفصيلاً، بل كانت من أبرز أسباب الشك الذي أحاط بتجربة “الإخوان” في عدد من الدول العربية، لأنها تفتح الباب أمام ازدواجية في المرجعية: مؤسسات الدولة من جهة، والالتزام التنظيمي والفكري من جهة أخرى.
الاستقلال لا يمحو الإرث
تحاول “الجماعة” التأكيد على استقلال قرارها السوري، لكن الاستقلال التنظيمي لا يحسم المسألة السياسية، فالإشكال لا يختصر في وجود علاقة مباشرة مع “التنظيم الدولي”، وإنما يرتبط أيضاً بإرث فكري وحركي قام تاريخياً على التنظيم الممتد، والروابط العابرة للحدود، وبناء دوائر اجتماعية وسياسية تتجاوز حدود الحزب بالمعنى التقليدي.
المسألة تتجاوز إعادة تعريف العلاقة الخارجية أو إعلان استقلال القرار، لتصل إلى مراجعة مفهوم التنظيم نفسه، وموقع الولاء الحركي داخل الدولة، والحدود الفاصلة بين النشاط الدعوي والعمل السياسي، وبين “الجماعة” بوصفها إطاراً فكرياً والحزب بوصفه أداة للمنافسة الديمقراطية.
ومن دون هذه المراجعة، يبقى الحديث عن “إخوان” سوريين مستقلين أقرب إلى إعادة تموضع سياسي منه إلى تحول فكري حقيقي.
الشرع ليس البديل
لكن نقد “الإخوان” لا يعني منح السلطة الجديدة شهادة براءة، ولا تحويل الصراع السياسي إلى معادلة بسيطة بين تنظيم مرفوض وسلطة تمثل البديل الصحيح.
ففي أغسطس/آب 2025 دعا أحمد موفق زيدان، المستشار الإعلامي للرئيس السوري أحمد الشرع، الجماعة إلى حل نفسها في مقال نشره بعد أسابيع من تعيينه، فيما وصف عامر البو سلامة الدعوة بأنها اجتهاد شخصي. وبعد أيام، أكد الشرع نفسه، خلال لقاء إعلامي عربي، أنه لا يعتبر نفسه امتداداً للربيع العربي أو للأحزاب الإسلامية، سواء التنظيمات الجهادية أو جماعة الإخوان المسلمين، مشدداً على استقلال رؤيته السياسية.
لكن رفض “الإخوان” فقط لا يجعل حكومة دمشق دولة مكتملة المؤسسات أو نموذجاً ديمقراطياً ناجزاً. كما أن امتلاك القوة السياسية والعسكرية لا يمنح أي طرف حق احتكار تعريف مستقبل سوريا.
غير أن هذه الحقيقة لا تمنح “الإخوان” مخرجاً من أزمتهم. فوجود أخطاء لدى الخصوم لا يلغي الحاجة إلى مراجعة أخطاء “الجماعة”، ولا يسمح لها بتحويل نفسها مجدداً إلى ضحية دائمة. المطلوب منها أن تثبت أن مشروعها تغير فعلاً، لا أن تكتفي بإعادة صياغة لغته.
الانقسام يكشف المأزق
يتجلى المأزق بوضوح أكبر داخل “الجماعة” نفسها. فقد استقال ملهم الدروبي في أغسطس 2025 معلناً استقلاله عن الأحزاب والجماعات، وكشف لاحقاً أن مجلس الشورى ناقش خيار الحل ورفضته الأكثرية، معتبراً أن العمل الدعوي يمكن أن يستمر من خلال جمعيات تعمل تحت سقف القانون.
في المقابل، تمسك المراقب العام للجماعة عامر البو سلامة برفض الحل، وإن أبدى انفتاحاً على تطوير الهياكل والأسماء إذا اقتضت الظروف.
هذا الانقسام ليس تفصيلاً تنظيمياً، بل يعكس السؤال الذي تؤجل القيادة مواجهته: هل بقاء اسم “الإخوان المسلمين” ضرورة للمجتمع السوري أم للجماعة نفسها؟
إذا كان المشروع الدعوي والاجتماعي والسياسي قادراً على الاستمرار من دون التنظيم التاريخي، يصبح التمسك بالاسم مسألة هوية تنظيمية أكثر منها حاجة وطنية. أما إذا رأت الجماعة أن وجودها ضروري بذاته، فعليها أن تشرح لماذا، وبأي تفويض شعبي، وبأي صيغة دستورية، وتحت أي قواعد للمنافسة السياسية.
نهاية الامتياز التاريخي
المشكلة الحقيقية التي تواجه “الإخوان” ليست أن خصومهم يريدون إقصاءهم، ولا أن السلطة الجديدة لا تريد منافساً أيديولوجياً. هذه عوامل مؤثرة، لكنها لا تفسر المأزق كله.
المشكلة الأعمق أن المرحلة التي كان التاريخ النضالي فيها يتحول إلى شرعية سياسية تلقائية قد انتهت. سوريا الجديدة لا تحتاج إلى جماعة تستمد حضورها من عمرها التنظيمي، بل إلى أحزاب تتنافس على أساس البرامج، ومؤسسات تقوم على قواعد واضحة، وقوى سياسية تقبل بأن الدولة أكبر من أي مشروع حركي.
إن أفضل ما يمكن أن تفعله الجماعة ليس الدفاع عن حقها في البقاء، فهذا الحق تنظمه القوانين، بل إجراء مراجعة صريحة لتجربتها: الاعتراف بأن عقود المنفى صنعت فجوة مع المجتمع، وأن سقوط الأسد لم يكن انتصاراً خاصاً بـ”الإخوان”، وأن مقاومة النظام السابق لا تمنح أي تنظيم ملكية دائمة للسياسة.
قد تبقى “الجماعة”، وقد تعيد إنتاج نفسها باسم جديد أو عبر حزب سياسي، لكن استمرارها بصيغتها الحالية لن يعيد عقارب الساعة إلى الوراء.
لقد تغيرت سوريا، وتغير المجتمع الذي غادره الإخوان إلى المنفى. وإذا لم يدرك التنظيم أن هذا المجتمع لم يعد هو نفسه الذي تركه قبل أربعة عقود، فإن أخطر ما سيواجهه لن يكون قراراً خارجياً بحله، بل احتمال أن يتحول تدريجياً إلى مؤسسة تعيش على الذاكرة، بينما يتحرك الجميع من دونه.















