في بلادٍ اعتادت أن تجعل من الحقيقة وجهة نظر، ومن الضحية متهماً حتى إشعار آخر، ليس مستغرباً أن يُصبح التعاطف نفسه تهمة، وأن تتحول المجازر إلى مادةٍ للنقاش، لا إلى لحظةٍ للحداد. ما جرى خلال مجازر “تموز الأسود” بالسويداء (1700 قتيل ونحو 200 ألف نازح، وفق الأمم المتحدة)، لم يكن امتحاناً للسياسة بقدر ما كان امتحاناً للأخلاق.
لكن كثيرين قرروا دخول هذا الامتحان بأوراق السلطة، لا بضمائرهم. فبدلاً من التعاطف مع الضحايا، لا يزالون بعد عام كامل على الأحداث منشغلين بالبحث عن “رواية رسمية” تأتي هذه المرة مختومة بختم السلطة الجديدة، بعدما كانت بالأمس تحمل توقيع السلطة القديمة.
لقد تغير الشعار فحسب، أما آلية التبرير فما زالت تعمل بالمحرك التشبيحي نفسه!
في سوريا، الجديدة كما القديمة، لا تموت السرديات… إنها فقط تغيّر شكل البدلة ولون ربطة العنق. بالأمس كان التلفزيون الرسمي يخبر السوريين بما يجب أن يروا، واليوم تتولى المهمة جيوش من المبررين على وسائل التواصل. الفرق الوحيد أن الكذب أصبح أكثر حداثة، وأكثر سرعة في الوصول، وأخفّ كلفة على خزينة الدولة.
اكتشف السوريون، واكتشفنا معهم، أن تبديل الحارس لا يعني بالضرورة فتح أبواب السجن. أحياناً يكتفي السجّان الجديد بإعادة طلاء الجدران، ثم يطلب من السجناء التصفيق لجمال المكان وحداثته.
والمشهد الأكثر عبثية أن كثيرين ممن قضوا سنوات يشكون من آلة الدعاية الأسدية، وجدوا أنفسهم، دون سابق تدريب، يمارسون الوظيفة نفسها، ولكن لصالح راعٍ آخر. وكأن المشكلة ليس في الكذب، بل في اسم الكاذب.
تجاهل دماء الضحايا، والبحث عن ألف ذريعة لتبرير قتلهم، لا ينمّان فقط عن أزمة سياسية، بل عن عطبٍ أخلاقي عميق. فالإنسان الذي يقيس قيمة الضحية بهوية القاتل أو بالانتماء الطائفي للمقتول، لم يغادر المزرعة أصلاً: لقد غيّر موقعه داخلها، لكنه بقي ضمن القطيع!
وفي المزارع السياسية لا يُطلب من القطيع أن يفكر، بل أن يثغو في الاتجاه الصحيح. وإذا تبدّل الراعي، فعلى الجميع أن يغيّروا نبرة الثغاء، لا أكثر. أما المساءلة، فهي سلوكٌ غير مرغوب فيه، لأن الأغنام التي تثير الأسئلة تتحول بسرعة إلى خرافٍ مشبوهة.
المفارقة أن السوري الذي كان يلعن الاستبداد حين كان ضحيته، يتحول بسرعة مذهلة إلى محامٍ للدفاع عنه إذا رأى أنه يخدم معسكره. وكأن الحرية ليست قيمة، بل امتيازاً مؤقتاً يُطالب به من هو خارج السلطة، ثم ينساه فور الاقتراب منها.
هكذا، يتأكد مرة أخرى أن المشكلة لم تكن يوماً في اسم الراعي، بل في ثقافة المزرعة نفسها. فالمزرعة الأسدية لم تكن مجرد عائلةٍ تحكم، بل ذهنية كاملة تُعيد الآن إنتاج نفسها مع السلطة الجديدة، لتُقنع القطيع مجدّداً بأن السياج هو الوطن، وأن الحظيرة هي الحرية، وأن الذئب المتنكر بقبعة مغايرة قد أصبح حملاً وديعاً.
لقد تغيّر الراعي في سوريا. حسناً، لكن ماذا عن القطيع؟ إنه ما بزال يدين بالطاعة والولاء للعصا نفسها. والأدهى أنه يشعر بسعادة بالغة فقط لأن العصا انتقلت إلى يد جديدة، وتغيّر لونها من طيف إلى طيف!






