لم يكن الطاهر وطار روائيًا فحسب، بل كان واحدًا من أولئك المثقفين الذين جعلوا من الكتابة موقفًا ومن الاختلاف فعلًا ثقافيًا. وحين أسس “الجاحظية” عام 1989، لم ينشئ مجرد جمعية أدبية، بل وفر فضاءً للنقاش والحوار، يتسع للخلاف من دون أن يتحول إلى إلغاء أو احتراب، واختار لها شعارًا دالًا “لا إكراه في الرأي”.
اليوم، بعد 16 عامًا على رحيله في 12 أغسطس 2010، لا يتعلق السؤال بما إذا كان وطار قد ترك نصوصًا باقية فحسب، وإنما بما الذي بقي من ذلك الفضاء الثقافي الذي كان يحتمل الاختلاف ويديره، وكيف انتقل النقاش اليوم في الجزائر إلى منصات مفتوحة، كثيرًا ما يتحول فيها الاختلاف إلى استقطاب؟
إدارة الاختلاف بدل إلغائه
منذ بداياته، لم يحصر الطاهر وطار علاقته بالشأن الثقافي في الرواية. خاض الصحافة، وأصدر منابر سياسية وثقافية، وانخرط في النقاشات التي كانت تشغل الجزائر، وظل طوال مساره يعلن مواقفه بوضوح، حتى حين وضعته تلك المواقف في مواجهة السلطة أو خصومه من المثقفين والتيارات السياسية.
كانت رواياته نفسها، جزءًا من هذا الاشتباك مع أسئلة الجزائر. في “اللاز” عاد إلى تناقضات الثورة وصراعاتها، وفي “الزلزال” إلى تحولات المجتمع والمدينة، بينما اشتغلت “الشمعة والدهاليز” على أسئلة الأزمة الجزائرية في واحدة من أكثر مراحل البلاد اضطرابًا. لم يكن يكتب خارج التاريخ الذي يعيشه، بل كان يدخل إليه من موقع الكاتب الذي يريد مساءلته، لا الاكتفاء بتسجيله.
لكن وطار لم يكتفِ بأن يكون صاحب رأي، كان يريد أيضًا أن يصنع المكان الذي يمكن أن تُطرح فيه الآراء المتعارضة. هنا تحديدًا تأتي “الجاحظية” التي أسسها سنة 1989، والتي سرعان ما تحولت إلى واحد من أبرز فضاءات النقاش الثقافي في الجزائر، خصوصًا خلال سنوات العشرية السوداء.
لم تكن قيمة “الجاحظية” في كونها تستضيف الأدباء والمثقفين فحسب، وإنما في كونها وفرت إطارًا مؤسسيًا للاختلاف. كان بإمكان المواقف المتعارضة أن تلتقي في القاعة نفسها، وأن يتحول الخلاف من صدام بين الأشخاص إلى نقاش حول الأفكار. ومن هذه الزاوية، يصبح شعارها “لا إكراه في الرأي” أكثر من عبارة؛ إنه يلخص تصورًا لدور الثقافة في مجتمع شديد التوتر والتعقيد.
ماذا بعد وطار؟
إذا كان وطار قد جعل من “الجاحظية” فضاءً لإدارة الاختلاف، فإن السؤال بعد رحيله لا يتعلق فقط بما إذا كانت الجزائر قد واصلت إنتاج أسماء ونصوص مهمة، بل بما آل إليه الفضاء الذي كان يحتضن الكتابة ويضعها في مواجهة الأسئلة العامة. فقد استمرت الحياة الأدبية والثقافية، وظهرت أجيال وتجارب جديدة، لكن حضور الكاتب بوصفه طرفًا في النقاش العمومي لم يعد بالوضوح والقوة نفسيهما.
ولعل التحول الأبرز أن النقاش الثقافي لم يعد مرتبطًا بالفضاءات التي عرفها جيل وطار، فالصحافة الثقافية واتحاد الكتاب والمراكز والجمعيات التي كانت تستضيف الاختلاف وتمنحه سياقًا، لم تختف كفضاءات لكنها فقدت جزءًا من قدرتها على صناعة النقاش واستقطاب الرأي العام حوله، في الوقت الذي اتسعت فيه فضاءات أخرى لا تحتاج إلى مؤسسة أو منبر أو حتى إلى هوية معلومة لصاحب الرأي.
وهذا ما يلفت إليه محمد زاوي، الذي رافق وطار في أيامه الأخيرة وأنجز عنه فيلمًا وثائقيًا بعنوان “آخر الكلام”. فبحسب شهادته، لم تكن الجاحظية “مجرد جمعية ثقافية، وإنما مختبرًا جزائريًا للنقاش خصوصًا في سنوات التوتر والعنف، حين كان المجتمع في حاجة إلى فضاءات تسمح بالاختلاف بدل أن يتحول إلى صدام”. أما اليوم، فيرى أن النقاش “انتقل إلى المنصات الرقمية، التي وسعّت حق الكلام، لكنها أضعفت في المقابل علاقة الرأي بصاحبه ومساره وتجربته، وجعلت الانتقال من نقد الفكرة إلى محاكمة صاحبها أسرع وأسهل”.
من يدير الاختلاف اليوم؟
ربما يكون أكثر ما يكشفه غياب الطاهر وطار هو الفراغ الذي تركه المثقف الذي لا يكتفي بإنتاج الأفكار، وإنما يساهم أيضًا في صناعة المجال الذي تتواجه فيه. وهو ما يلفت إليه الكاتب والإعلامي بوعلام رمضاني في تصريحه قائلًا، حين يستعيد وطار بوصفه “مثقفًا عضويًا” جمع بين الكتابة والإعلام والنشر والتنشيط الثقافي، ولم يتعامل مع الثقافة باعتبارها إنتاجًا فرديًا معزولًا عن المجتمع وصراعاته”.
من هذه الزاوية، لا تبدو المسألة متعلقة بغياب وطار وحده، ولا حتى بـ”الجاحظية” وحدها، وإنما بتراجع الأطر الثقافية القادرة على تحويل الاختلاف إلى نقاش عام. فقد كان للمثقف في زمن وطار موقع داخل الصحافة والجامعة والملتقيات والجمعيات والمنابر الثقافية، وكان الخلاف يجد مكانًا يمكن أن يُمارس فيه ويُناقش ويُراجع. أما اليوم، فقد أصبح جزء كبير من هذا النقاش يجري في فضاء رقمي مفتوح، لا تنقصه الأصوات بقدر ما تنقصه أحيانًا آليات إدارة هذه الأصوات.
حين يغيب الحوار، يتحول الاختلاف إلى خصومة
هنا تكمن المفارقة أيضًا، لم يعد السؤال من يملك حق الكلام، وإنما من يستطيع تحويل الكلام إلى نقاش، والاختلاف إلى معرفة، والخصومة إلى حوار. هنا بالذات يلفت الكاتب والإعلامي بوعلام رمضاني الذي أصدر قبل سنة فقط كتابه “الطاهر وطار.. العنقاء الذي يُبعث من رماده”، إلى أن الجاحظية “التي ارتبطت بوطار وتظل رمزًا لاستمراره، لم تعد في الوقت نفسه تؤدي الدور الذي أدته في زمنه”، وربما هنا تحديدًا تكمن المسافة بين زمنين، لم تختفِ الرغبة في الاختلاف، ولم تختفِ القضايا التي تستدعي النقاش، لكن الأطر التي كانت تستقبل هذا الاختلاف وتمنحه شروط الحوار تراجعت. وهذا ما يفسر جانبًا من الاحتراب الذي نشهده اليوم على مواقع التواصل، فحين يغيب الإطار الثقافي الذي يدير الاختلاف، يصبح الخلاف نفسه معرضًا لأن يتحول إلى اصطفاف، وتصنيف، وتخوين، ومحاكمة للأشخاص بدل مناقشة الأفكار.
لسنا بحاجة إلى طاهر وطار جديد، ولا إلى استعادة زمنه كما هو، ما نحتاجه ربما هو استعادة الفكرة التي كانت وراء تجربته، أي أن الثقافة لا تعيش بالنصوص وحدها، وإنما تحتاج أيضًا إلى فضاءات تحمي الاختلاف وتمنحه معنى.















