إيمانويل رازافي
إيمانويل رازافي

مقالات مشابهة

فرنسا

شروخ في روح الجمهورية.. الديمقراطية الفرنسية عند مفترق طرق بين العنف والشعبوية

إيمانويل رازافي
إيمانويل رازافي

منذ حلول خريف عام 2025، لا تزال فرنسا تغوص في بحر من القلق. فأرض الحريات والتنوير، تجد نفسها اليوم عالقة أكثر من أي وقت مضى في بوتقة من التوترات، حيث تسعى قوى الظلامية، التي تُغذّيها صراعاتٌ بعيدة وأيديولوجياتٌ إسلامويةٌ قاتلة، إلى تقويض أُسس الإنسانية التي نشأت عليها الدولة.

بعد هجوم حماس المأساوي في الـ 7 من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تَسلل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني بشكلٍ مُتزايد إلى الشوارع الفرنسية، وتضاعفت المظاهرات المؤيدة لفلسطين، من باريس إلى تولوز، ومن مونبلييه إلى آنسي.

لا أحد يُنكر المأساة التي يعانيها المدنيون في غزة، لكن الرسائل المكتوبة على اللافتات أو الشعارات المرفوعة تتباين، من دعم طبيعي للقضية الفلسطينية، إلى إشادةٌ مُقلقةٌ بحماس وتيارات الإسلام السياسي. ووصل بنا الحال إلى رؤية أعلام ميليشيا حزب الله اللبناني، المدعوم من إيران والمُدرج على قائمة الإرهاب الأوروبية، ترفرف في بعض المدن.

بالإضافة إلى ذلك، شاركت شخصياتٌ مثل شاهين حُزامي، وهو مؤثرٌ فرنسيٌّ إيرانيٌّ مُتهم بتمجيد الإرهاب والدفاع عن النظام الإيراني، في هذه المسيرات، إلى جانب برلمانيين من حزب “فرنسا الأبية”. وقد أظهر بعضهم تعاطفاً علنياً مُقلقاً مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، المُتحالفة أساساً مع حماس. وهكذا، تغرق العقول الأكثر ضعفاً، التي تُغريها وعود الثورة أو تُفتَن بالأيديولوجيات المُستوردة، في دوامة راديكالية تستنزف وحدة وتماسك المجتمع الفرنسي.

تجد فرنسا نفسها أمام مرآة مشوهة، حيث تُختبر قيم الحرية والتسامح بقسوة. وفي ظل هذه المطالب الاجتماعية والهوية، يبرز التطرف الإسلامي بشكل مُتزايد كشكل من أشكال الفضيلة المزعومة، في حين تُصوَّر الجماعات الإرهابية التي قتلت وعذبت المدنيين الأبرياء في إسرائيل على أنها حركات مقاومة.

عندما يقمع التهديد الثقافة

في بلدة نوازي لو سيك، في سان دوني، وقعت حادثة جسّدت بوضوح حجم المأزق. فقد ألغي، في 8 أغسطس/آب الماضي، عرض سينمائي في الهواء الطلق لفيلم “باربي”. وذلك بعد أن أرهب عدد من الشبان، ممن وصفهم رئيس البلدية الشيوعي أوليفييه سارابيروس بـ “أقلية متطرفة من البلطجية”، موظفي البلدية لمنع العرض، بحجة أن الفيلم يُروّج للمثلية الجنسية ويهين المرأة. وهو اتهام، مُغلف بعباءة أخلاقية، يكشف عن رؤية رجعية لما هو مُجرد فيلم ترفيهي موجّه للمراهقين.

رداً على ذلك، قالت أورور بيرجي، الوزيرة المنتدبة للمساواة بين الجنسين: “لا ينبغي التعامل مع الأمر كحادثة عرضية، وإجبار البلدية على إلغاء عرض اختاره السكان ليس بالأمر الهيّن”. 

كيف يُمكن للمرء أن يختلف مع هذا الرأي؟ فما حدث كان محاولة للرقابة المستوحاة من الإسلاميين، وإهانة لحرية التعبير، واعتداء على الثقافة، وتراجعاً أمام قوى تسعى لفرض أيديولوجيتها بالقوة. ليتحول حدث نوازي لو سيك إلى رمز لفرنسا، التي لم يعد بالإمكان فيها الحلم دون خوفٍ من العقاب.

هذه الواقعة ليست سوى غيضٍ من فيضِ الأعمال العدائية والتعصب اللذين يضربان جميع أنحاء فرنسا، وأوروبا أيضاً، والأرقام تتحدث عن نفسها. إذ أفادت وزارة الداخلية بارتفاع الاعتداءات ضد المسيحيين بنسبة 13% بين يناير/كانون الثاني ويونيو/حزيران 2025، حيث سُجّلت 401 حالة مقارنةً بـ 354 حالة في العام السابق. ناهيك عن تخريب الكنائس، وتدنيس المقابر، وإهانة المُصلين، وكل هذه الأفعال تشهد على تصاعد الكراهية ضد الدين. 

لكن الصادم أكثر، تفجّر الأعمال المعادية للساميّة. فمنذ هجوم حماس، ارتفعت الاعتداءات ذات الصلة إلى مستويات صادمة، وبنسبة 260%، ليجد اليهود الفرنسيون، الذين عانوا بالفعل عقوداً من التوتر، أنفسهم مُستهدفين ومُضطهدين مرةً أخرى.

ماذا يُمكن أن يُقال عن حادثة مطار رواسي، حين هتف مراقب جوي أمام طاقم طائرة تابعة لشركة “العال” الإسرائيلية، وبشكل استفزازي: “فلسطين حرة”، قبل أن يُوقف عن العمل لاحقاً. ربما يرى البعض أنه تصرف فردي، لكنه في الواقع يعكس كيف تغلغلت التوترات  السياسية والدولية في تفاصيل حياتنا اليومية في فرنسا.

شروخ تُهدِّد روح الجمهورية

تتعرض فرنسا، أرض العلمانية والحرية، اليوم لضغط مُتزايد من قِبَل أولئك الذين، بحجة الدفاع عن قضية أو عقيدة، يفرضون نظرتهم للعالم بالعنف والخوف.

وليس الإسلاميون وحدهم المسؤولون. فالخطاب التقسيمي، سواء من أقصى اليسار أو اليمين، بات يُغذي مناخاً تسود فيه العاطفة بدلاً من العقل، وتحل فيه المواجهة عوضاً عن الحوار. وعليه فإن الخطر واضح، وإذا لم تُظهر البلاد حزماً في مواجهة هذه التجاوزات، فسوف تنهار تحت وطأة الشعبويات البائسة.

في الانتخابات القادمة، البلدية كانت أم الرئاسية، قد تُغري هذه الحركات شعباً أنهكه انعدام الأمن والتوتر. وكما هو الحال في الولايات المتحدة، حيث اختار ترامب سحب بعض الأعمال الأدبية من المكتبات العامة، فإن البرامج الانتخابية ستُضحّي بجزء من حرياتنا، ومن المرجح أن يعجز المسؤولون لاحقاً عن توفير ازدهار اقتصادي وسلام اجتماعي دائمين.

مع ذلك، الحزم وحده لا يكفي. صحيحٌ أن ترامب نشر الجيش في واشنطن لمكافحة العنف، لكن هذا يُخفي وراءه عجزاً أعمق. ومثله تماماً، يبدو قادة ديمقراطياتنا العظيمة عاجزين عن طرح مشروع مجتمعي حقيقي، ويتصرفون باندفاع، من خلال دعايات إعلامية.

يجب ألا تقع فرنسا في هذا الفخ. فبالإضافة إلى ضرورة استعادتها الأمن وإظهار قوتها في وجه تيارات الإسلام السياسي وعناصر الفوضى، عليها أيضاً أن تستعيد معنى الحوار بين مكوناتها، وأن تفكك خطاب الكراهية، وأن تختار رؤيتها للمستقبل. على باريس أن تُوصل رسالة واضحة ونهائية مفادها أن العلمانية ليست سلاحاً ضد الإيمان، بل هي حصنٌ منيعٌ يضمن لكل فردٍ ممارسة معتقداته بحريةٍ دون فرضها على الآخرين.

بلادنا اليوم أمام مُفترق طرقٍ تاريخي. إما الانكفاء والخوف والفوضى، أو تجديد عهدها مع قيمها التاريخية المتمثلة في الحرية، المساواة، والإخاء. في نهاية المطاف، تكمن عظمة فرنسا في قُدرتها على تحويل الأزمات إلى فرص، وجعل التنوع مصدر قوة، شريطة ألا يبخل مُناصروها بمبادئ الجمهورية. لذا، فإن الرهان سيكون على موجة من التجديد، تحفظ الوحدة الوطنية، المُمزقة بشدة بفعل الطائفية.