بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

الشرق الأوسط

تصعيد “حزب الله” وإسرائيل يهزّ هدنة جنوب لبنان ويضع التفاهم الأمريكي الإيراني أمام أول اختبار وجودي

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

هزّ التصعيد العسكري المتسارع بين “حزب الله” وإسرائيل أسس الهدنة الهشة في جنوب لبنان، واضعاً التفاهم الأمريكي الإيراني الوليد أمام أول اختبار وجودي منذ الإعلان عنه. خلال ساعات قليلة فقط، انتقلت المنطقة من أجواء التفاؤل الحذر التي رافقت التفاهم بين واشنطن وطهران إلى مشهد إقليمي مشحون بالمخاوف من انهيار التهدئة واتساع دائرة المواجهة، بعدما كشفت التطورات الميدانية أن أي اهتزاز على الجبهة اللبنانية قادر على تهديد المسار الدبلوماسي بأكمله.

لم يكد الحبر الذي كُتبت به “مذكرة التفاهم ذات النقاط الأربع عشرة” بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يجفّ، حتى اصطدم الاتفاق بواقع الشرق الأوسط المُعقّد؛ حيث لا تزال الحسابات العسكرية والأمنية تتقدم على التفاهمات السياسية. فقد أدى تبادل الغارات والقصف بين “حزب الله” وإسرائيل إلى رفع مستوى التوتر الإقليمي بصورة مفاجئة، ما أثار تساؤلات جدية حول قدرة واشنطن وطهران على حماية مسار التفاوض من تداعيات الأزمات الميدانية التي لا تخضع بالكامل لحسابات الطرفين.

اشتعال الجبهة الجنوبية يربك المفاوضات

وكشفت الأزمة سريعاً أن الهدنة في جنوب لبنان لا تمثل مجرّد ترتيبات أمنية محلية، بل تحوّلت إلى عنصر أساس في استقرار التفاهم الأمريكي الإيراني نفسه. فكلما اهتزّ وقف إطلاق النار على الحدود اللبنانية ازدادت احتمالات تعثر المفاوضات وعودة الأطراف إلى منطق الضغوط المتبادلة والتصعيد الإقليمي، وهو ما جعل الساعات الأخيرة واحدة من أخطر اللحظات التي واجهها الاتفاق منذ ولادته.

بدأ التصعيد مع تبادل مكثف للغارات الجوية والقصف الصاروخي بين إسرائيل و”حزب الله”، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى وأثار مخاوف جدية من انزلاق الوضع إلى مواجهة أوسع. وسرعان ما تجاوزت تداعيات المعارك حدود الجنوب اللبناني لتصل مباشرة إلى طاولة المفاوضات الدولية.

لقد كان من المقرر أن تستضيف سويسرا جولة مباحثات تقنية وسياسية بين مسؤولين أمريكيين وإيرانيين لبحث آليات تنفيذ التفاهمات الجديدة، إلا أن التصعيد العسكري دفع طهران إلى تعليق مشاركتها، مشترطة وقف العمليات العسكرية في لبنان قبل استئناف المحادثات. كما أرجأت واشنطن بدورها مشاركة وفدها الرفيع المستوى، ما أدى عملياً إلى تجميد الجولة التفاوضية قبل انطلاقها.

وكشف هذا التطور أن أي تصعيد ميداني بين “حزب الله” وإسرائيل قادر على تعطيل المسار السياسي بين واشنطن وطهران بغض النظر عن حجم التقدم الذي يتم تحقيقه على طاولات التفاوض. فالمعارك الأخيرة أظهرت أن الاتفاق الوليد لا يزال هشاً أمام أي انفجار أمني في إحدى ساحات النفوذ الإقليمي.

معارك “حزب الله” وإسرائيل تهدد الاتفاق الوليد

أظهرت الأحداث أن المواجهة بين “حزب الله” وإسرائيل لم تعد ملفاً منفصلاً عن المفاوضات الأمريكية الإيرانية، بل أصبحت عاملاً مؤثراً في مستقبلها واستمرارها. إيران تعاملت مع التصعيد باعتباره اختباراً مباشراً لمدى جدية الولايات المتحدة في إدارة التوازنات الإقليمية، فيما رأت إسرائيل أن أي تفاهم مع طهران لا يأخذ في الاعتبار مخاوفها الأمنية يمثل تهديداً لمصالحها الاستراتيجية.

من هذا المنطلق، حملت المعارك الأخيرة أبعاداً تتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية، إذ تحوّلت إلى وسيلة ضغط سياسية متبادلة. طهران سعت إلى التأكيد أن ملفات المنطقة مترابطة وأن أمن حلفائها الإقليميين جزء لا يتجزأ من أي تسوية مستقبلية، بينما حاولت إسرائيل توجيه رسالة مفادها أن التفاهمات الأمريكية الإيرانية لا يمكن أن تتحول إلى واقع مستقر من دون معالجة الملفات الأمنية العالقة على حدودها الشمالية.

كما كشفت التطورات الميدانية أن جبهة جنوب لبنان قد تتحول إلى الحلقة الأضعف في مسار التفاهم الأمريكي الإيراني. إن استمرار المواجهات أو خروجها عن نطاق السيطرة كان كفيلاً بنسف الاتفاق خلال أيام قليلة وإعادة المنطقة إلى مرحلة المواجهة المفتوحة، وهو ما يفسّر حجم القلق الذي ساد العواصم المعنية خلال الساعات الأخيرة.

المصالح الاقتصادية تمنع الانهيار الكامل

على الرغم من التوتر العسكري الحادّ، أظهرت المؤشرات الاقتصادية أن الطرفين لا يزالان حريصين على إبقاء الباب مفتوحاً أمام التسوية. خلال فترة التهدئة المؤقتة اتخذت طهران إجراءات هدفت إلى تشجيع النشاط التجاري وتخفيف الضغوط على حركة الملاحة والطاقة، فيما سمحت الأجواء السياسية الجديدة بزيادة تدفق الصادرات النفطية الإيرانية إلى الأسواق العالمية.

وتعكس هذه التطورات إدراكاً متبادلاً لدى واشنطن وطهران بأن انهيار المسار الدبلوماسي سيؤدي إلى خسائر اقتصادية وسياسية كبيرة للطرفين، خصوصاً في ظل الأزمات التي تواجه الاقتصاد الإيراني والحاجة الأمريكية إلى الحفاظ على استقرار أسواق الطاقة العالمية.

جنوب لبنان يُحدد مستقبل التفاهم

تكشف أزمة جنوب لبنان أن مستقبل التفاهم الأمريكي الإيراني لن يتحدد فقط داخل قاعات التفاوض أو عبر الملفات النووية والاقتصادية، بل أيضاً على امتداد ساحات التوتر الإقليمي وفي مقدمتها الجبهة اللبنانية. فقد أثبتت المواجهات الأخيرة بين “حزب الله” وإسرائيل أن التطورات الميدانية لا تزال تمتلك القدرة على فرض إيقاعها على السياسة وتعطيل مسارات التفاوض مهما بلغت أهميتها.

وبينما نجح تثبيت الهدنة في منع انهيار الاتفاق في لحظته الأولى، فإن المرحلة المقبلة ستبقى رهناً بقدرة الأطراف على منع تجدد التصعيد. وحتى ذلك الحين، ستبقى الهدنة الهشّة في جنوب لبنان المؤشر الأكثر حساسية على مستقبل التفاهم الأمريكي الإيراني، وعلى اتجاه المنطقة بين مسار التسوية أو العودة إلى دوامة المواجهة المفتوحة.