متون التكوين

تجديفٌ في حقّ الزّيف

بقلم إبراهيم الكوني
بقلم إبراهيم الكوني

تأبى عبقريّة لسان المهد إلّا أن تدهشنا، عندما تصدم مواهبنا في حقيقة الخطاب المفهوميّ، الذي نتعاطاه كمسلّمات، فإذا بها تزعزع كيان قناعاتنا، في هذه الموروثات خلفاً عن سلف، دون شكوك في وجود لغة أخرى، تسري في شرايين لغتنا.

لغة تتفنّن في صياغة المفهوم، بمنطق آخر، شِعري، وجداني، لعوب حيناً، أو طفولي أحياناً، يحاجج بابتكار، مثير للفضول، فلا يخطر ببالنا حقيقة جدر في مفردة مثل «زيف»، يمكن أن يتكتّم على ذخيرة أبعد منالاً، كمفهوم، في حال استنطقنا فيها المعنى في واقعٍ محكومٍ بروح الميثولوجيا، عندما يكشف لنا هذا العقل الأسطوري المغترب عن حقيقتها في دلالةٍ يتغنّى بها التكوين في «إزّاف»، التي مازال إنسان الصحراء ينتدبها لتأدية وظيفة مخجلة على نحوٍ مّا، لأن «العريّ» هو حجّتها!

والمثير أكثر هو أنها لا تكتفي بأن تلعب دورها التنويري، في لغة الضادّ وحدها، ولكنها تستولي على صلاحيات اللغات الأوروبية، المستعارة من اللاتينية، الدالّة على مفهوم الزيف في falsitas، من خلال جنين خبيء هو fals، على حدٍّ سواء، التي تعني: إفلاس في المنطوق الشفوي، لتستوي في معنىً مُعادٍ، يبدو خصماً في الموقف من الواقع البدئي، هو: «يثق»، أو «يصدّق»، كما هو مستعمل في المحفل السائد، فلا نقنع كم هو برهانٌ هذا الحقل العدميّ، ما لم نسترجع الأحجية المغتربة في الإرث الأسطوري، الذي يحيلنا إلى محكمة معبد «دلفَى»، لنكتشف في هذا الحرم، الحكمة، في ظل هذه المحكمة، في حرف الوصيّة الثالثة، المترجَمة في الأمر القاطع الخالد: «لا تثق بأحد!»، كنقطة ختام لملحمة الثالوث، المكوَّن من «إعرف نفسك!»، ثمّ «اعتدل في حكمك»، مما سيعني أن الجود بالثقة المجّانية ليس خطراً وحسب، ولكنه تجديفٌ في حقّ الألوهة ذاتها، لأن الأنامٍ خُطاةٌ بالطينة، والجود بالثقة في العلاقة معهم، هو تسليمٌ لزمام الأمر في خلقٍ لم يتردّدوا في أن يخذلوا حتّى الخالق، فكيف لا يخذلوا مخلوقات الخالق، عندما يتعلّق الأمر بصفقة تهدّد منافعهم؟ ولهذا السبب فإن «يفلَس» الليبية القديمة، المتداولة في أمازيغيّة اليوم، والدالّة على قراءة، تبدو في الملفوظة معكوسة، هي رديف لكلمة «إفلاس»، المتداولة في العربية، مادام المعجم الألوهي يزاوج بينهما، لأن الحقيقة هي التي قضت بعدم وجود صدق، بعدم وجود ثقة، في واقعٍ محكومٍ بروح إفلاس، عبّر عنه حكيم الجامعة، في سفره الملحميّ، بـ«باطل الأباطيل».

الإفلاس، بشقّيه التمويهي والحرفي، عتبة في سُلّم السباق إلى الزيف: الزيف بمعنى التجرّد من ورقة التوت، كبصمة عار؛ في حقّ قرينَين، اقترفا إثماً لا يُغتفر، ليحقّقا الزيف في العلاقة، بموجب لا أخلاقيّة الصفقة، ليسري الجرثوم في طينة الخلف، مجسّداً في مراسم الزفاف، الزفاف، المستعار من مفهوم «إزّاف» المهد، التي تحتفي بالتعرّي حرفاً، تتويجاً حسيّاً لعلاقةٍ بين قطبين، بدأت بخطوبة لتنتهي بالتعرية، المفروضة بموجب ناموس التماهي البدني، تَوقاً لإنتاج خلودٍ، لِطَيْفٍ فانٍ، يتحقّق في درس الذرية!

ولكن النزيف في مفهوم الزيف لا يتوقّف عند هذه التخوم، ولكنه يتنامَى في البرزخ، الذي يتقاطع فيه ضدّان هما الجسد والروح، ليبرهن على إثم الحسّ، الكامن في قبول العريّ ملاذاً، كم هو بائس فيما إذا قورن بعريّ الروح، بوصفها مستودع حدَس، ممّا سيعني أن إمرأة تعرّي جسداً، هي أكثر تقوى، في الموقف من رجلٍ يعرّي روحاً، لأن ما نسمّيه، في معجمنا الأخلاقي، حشمةً، ما هو في الواقع سوى ما ننتدبه في إسمٍ مُهيبٍ هو: التقوى! أي التحرر من دَنَسٍ هو «الزيف»، الزيف في مفهوم ناموس المهد كتجديف، تجديفٌ في معناه الأبعد منالاً، الغيبيّ تحديداً، المترجَم في حرف «التعرّي»، كما يسوّقه عقلٌ بكر هو في التجربة فردوس مهد، حديث العهد بما ورثناه في الصحف الأولى، بإسم الخطيئة الأولى!

اغتراب التقوى حرفٌ أوّل في أبجديّة الإفلاس الروحي، والزِّيفُ، في مفهوم لغة المهد، هو العُريّ، لا من هندامٍ هو أسمال، ولكنه العريّ من الإيمان، الذي لا تشتريه أوراق التوت، بما هو إفلاسٌ، لا في طينته الدنيوية، ولكن في حقيقته الدينية، المترجمة في فحوى وصيّة معبد دلفى: «لا تثق»!

ولكن المفاجأة تنتظرنا في مفعول مفردة falsitas اللاتينية، الدالّة على الزيف، كتركيب، في لغة المهد، مكوّن من fal، مضافاً إليه حرف السين، كعرّاب امتلاء، أو «المسكون»، كما تنتدبه لغة التكوين، ليغدو، في الترجمة، المسكون بالصعود، لأن fal تحمل المعنى ذاته، المهيمن في كلمة «فل» العربية، بمدلول: هجر، أو غادر، أو تطاول، أو فرّ، أي التنكّر لسلطة مكانٍ، والانسلاخ عن واقعٍ مّا، لمطاردة واقع أعلى منزلةً، أي التخلّي عن هوية أصلية، والتطلّع لاعتناق هويةٍ أخرى، أي خيانة واقع، واستبداله بواقعٍ آخر، في محاولة باسلة من لغة الحرف الساكن الواحد، للتعبير عن لغزٍ هو: الزّيف!

من fal هذه استعار الألمان إسم جبل eiffel، ترجمةً لارتفاعٍ يتمادى في التطاول إلى أعلى، الدالّة في أمازيغية الصحراء على: الإقلاع، أي إنكار واقع، توقاً لتحقيق واقعٍ أعلى منزلةً، تعبيراً عن مفهوم الزيف في العلاقة مع واقعٍ محدّد، ليحمل الجَدّ الألماني المهاجر هذا الوِزر إلى فرنسا، حيث قام الحفيد بتشييد كيانٍ، يحاكي فيه النموذج الجبلي الألماني المهجور، مجسّداً في برجٍ هو eiffel، في سابقة هجرة نحو السماء، استقطعت مسافة أكثر من ثلاثمائة متر في الارتفاع، في مسيرة تجديف في حقّ الأرض، لن نخطئ إذا وصفناها بمُمارسة الزيف، الذي لن يكون سوى تزوير صومعة خرافية، أبدعتها الطبيعة في جبل eiffel الألماني، لتستوي في عملٍ بشري، في واقع فرنسي، تسفيهاً للنموذج الجبلي، الطبيعي، المهيمن في حقل الطبيعة الألماني. فالمحاكاة دوماً استنساخ مِسخ، مستعارٍ من أصل، وهو ما حقّ لنا أن نخلع عليه لقب eiffel، أي: تزييف، كما يسوّقه لسان المهد الضائع، والمهيمن في آنٍ، مهيمن روحاً في وجدان المفاهيم، بقدر ما هو ضائعٌ حرفاً في المتداول، ما لم تتدخّل الصوائت، لتنفخ أنفاس اللحون، في شرايين الصوامت!